رؤى

طوفان الأقصى.. وأزمة “الثقة المفتقدة”

“منذ الأزل، كان هناك شرط أساسي واحد لشنّ الحروب في دولتنا: الأغلبية، دولتنا لا تستطيع خوض حرب إذا لم يكن غالبية الجمهور يقف وراءها، و يؤمن بأهدافها، ويثق بقيادتها، ولا واحد من هذه الشروط متوفر اليوم”.

بهذه الكلمات، عبّر زعيم المعارضة في الكنيست الصهيوني يائير لابيد عن حالة عامة من السخط تجاه حرب غزة وثقة مفتقدة في الحكومة، التي تخوضها منذ أكثر من ٦٦٠ يوما لدى قطاع عريض من مجتمع المستوطنين الصهاينة.

حيث أظهر استطلاع للرأي أجراه “معهد دراسات الأمن القومي” أن ثقة جمهور المستوطنين الصهاينة قد تراجعت في رئيس حكومتهم الحالية إلى 30% وفي الحكومة إلى 23% فقط.

كما أظهر نفس الاستطلاع في سابقة تاريخية تراجع ثقة المستوطنين بشكل حاد في كل من مؤسستهم العسكرية وفي رئيس أركان جيش الاحتلال ايال زامير.

حيث تراجعت نسبة الصهاينة الذين يثقون في جيشهم إلى ٧٧ % في مقابل ٨٣ % في استطلاع مماثل للرأي في شهر مايو الماضي، في حين أن نسبة المستوطنين الذين لازالوا يثقون في رئيس أركان جيش الاحتلال تراجعت إلى ٦٢%.

وفي إشارة إلى إحباط جمهور الصهاينة من كيفية سير عمليات الجيش العسكرية في قطاع غزة كشف الاستطلاع المذكور أعلاه أن 61% من المستوطنين يرون أن عمل الجيش في غزة لن يعيد الأسرى الذين لازالت تحتفظ بهم المقاومة، كما أن 52% من المستطلع آرائهم يحملون الحكومة الصهيونية الحالية مسئولية عرقلة صفقة تبادل الاسرى بين كل من الاحتلال والمقاومة في قطاع غزة.

هذه الثقة المفتقدة في كل من الجيش والحكومة على حد سواء، دفعت قطاعات مختلفة من المجتمع الصهيوني إلى المناداة بوقف الحرب في قطاع غز؛ حتى وإن كان هذا يعني الرضوخ للشروط التي وضعتها المقاومة.

بل إن والدة أحد الاسرى قالت ذلك صراحة في تصريحات نقلتها صحيفة هآرتس العبرية، حيث صرحت إيريس حاييم، والدة الأسير الصهيوني القتيل يوتام حاييم، الذي قُتل على يد قوات الاحتلال في غزة بعد مشاهدتها للمقطع الذي بثته المقاومة لأسير صهيوني يتضور جوعا: “يجب على دولتنا أن تستسلم، لا أخشى من قول ذلك – رفع الراية البيضاء أقل سوءا من رؤية أبنائنا يموتون جوعا في الأسر”.

وأضافت في تصريحات نقلها موقع “والا” العبري: “استمرار الحرب ليس حلا، لا يمكن أن نستمر فيها 20 عاما”؛ معتبرة أن الحكومة الحالية يجب أن تستجيب للشروط التي وضعتها المقاومة لإتمام صفقة تبادل للأسرى.

وانضمت إليها والدة الأسير الصهيوني ألكاناه بوحبوط التي صرحت قائلة: “فقدنا الثقة بالجميع، حتى المبعوث الأميركي ويتكوف الذي كان في ساحة الأسرى أمس، وقال إن هناك أشياء لا يستطيع أن يرويها، يا ويتكوف ماذا لا تستطيع أن تروي؟”.

المناداة بوقف الحرب وإتمام صفقة تبادل لم تقتصر على أهالي الأسرى الصهاينة، بل امتدت الى المؤسسات الأمنية الصهيونية، حيث ذكرت صحيفة جيروزاليم بوست أن أكثر من 600 مسئول أمني صهيوني سابق طالبوا في رسالة وجهوها الى الرئيس الأمريكي ترامب، أن يسعى إلى إجبار الحكومة الحالية على إنهاء الحرب في غزة.

كما أوردت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” الناطقة بالإنجليزية أن نحو ألف فنان صهيوني وقّعوا مؤخرا عريضة تطالب الحكومة بإنهاء الحرب في غزة وإعادة الأسرى المحتجزين لدى المقاومة هناك باتفاق تبادل.

وفي الوقت ذاته، تعالت أصوات جنرالات وعسكريين سابقين في جيش الاحتلال، لتطالب بالأمر ذاته، حيث صرَّح الجنرال عاموس يدلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية في جيش الاحتلال، أن الدولة العبرية “تواجه استنزافا وعزلة وهي غارقة في غزة دون أهداف سياسية واضحة”.

واعتبر يدلين أن اقتراح تحقيق “النصر المطلق” في غزة لم يكن منطقي، بدليل أن المقاومة الفلسطينية في القطاع لا تزال باقية وان الاسرى الصهاينة لم يعودوا من قطاع غزة، ووصف ما أسماه بشرعية الدولة الصهيونية بأنها في “أدنى مستوياتها”.

ويرى بعض المحللين الصهاينة أن الرغبة في إنهاء المعركة في قطاع غزة باتت رغبة المؤسسة العسكرية الصهيونية أيضا، حيث أشار المحلل السياسي آفي أشكنازي في مقال له في صحيفة معاريف العبرية، إلى أن “الجيش قال للقيادة السياسية “الوقت حان لإجراء صفقة”، ولكن القيادة السياسية تجاهلت ذلك ووصلنا إلى الوضع الذي لم نتمكن فيه من إتمام الصفقة”.

وأضاف “نحن الآن في وضع يتطلب اتخاذ قرارات بأسرع وقت ممكن، لأن تآكل الجيش هو عامل يجب أخذه في الحسبان. يجب اتخاذ قرارات مؤلمة.”

إن من يتأمل مليا التصريحات الصهيونية أعلاه، يدرك أن غزة رغم تجويعها وقصفها، استطاعت أن تغير -بشكل شبه تام- نظرة الصهاينة إلى جيشهم الذي كان حتى وقت قريب كيانا مقدسا بالنسبة لهم.

لكن هذه النظرة، شأنها شأن أمور أخرى كثيرة في داخل مجتمع المستوطنين الصهاينة، قد تغيرت منذ أولى موجات “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر٢٠٢٣.

زر الذهاب إلى الأعلى