في مسرحية “جبال الصوَّان” للأخوين رحباني 1969، وفي مناظرة بين غِربة بنت مِدْلج البطل المقاوم الشهيد -أدت الدور السيدة فيروز- وبعض أبناء شعب بلاد جبال الصوان المحتلة- عن قيمة الوطن في مقابل قيمة الحياة- قال قائل: ‘الإنسان بيعيش وين ما كان” فترد عليه غِربة : “بيعيش لكن كيف؟ بيضلوا يسألوك إنتَ شو اسمك؟ بتقلن اسمي فلان، ما فيك تكون بلا اسم. ييضلوا يسألوك إنتَ منين؟ بدك تقول منين، ما فيك تكون مش من مطرح. إذا فيك تعيش بلا اسم.. فيك تعيش بلا وطن.
صوت: الوطن، البطولة، الأرض مش أغلى من الحياة. ترد غربة: الوطن، البطولة، الأرض مش أغلى من الحياة. صحيح بس الشماتة أصعب من الموت.
رغم أن هذا الكلام قديم.. إلا أننا في حاجة ماسة إلى سماعه اليوم، مع تصاعد نغمة نشاز تدعو إلى ترك الأوطان المنكوبة بالعسف؛ إلى أوطان أخرى توفر سبلا أفضل للعيش، في مقايضة للهوية المرتبطة بالأرض والتاريخ واللغة ومنظومة القيم، في مقابل حالة من الخدر اللذيذ الذي توفره مجتمعات الوفرة الساعية إلى ملء الفراغ “الحضاري” بسلب وإضعاف الشعوب المتحضرة.

يُشير عالم الاجتماع زيغمونت باومان إلى أن الإنسان الحديث يعيش في “حداثة سائلة”، حيث تذوب المؤسسات والروابط التقليدية (الأسرة، العائلة، البيت) والوظائف طويلة الأمد، والأدوار الاجتماعية الثابتة، ليحل محلها السرعة والهشاشة والمغايرة المستمرة.. تلك الحالة التي يرصدها باومان، تعمد إلى تعظيم التحديات التي يواجهها إنسان هذا العصر، ما يجعله ينسحب إلى حالة من الفردية، تدفعه إلى التنقل والترحال المستمر.. ليصبح بلا جذور.
تشكل اللغة عامل ارتباط قوي بالوطن والثقافة الأم.. وفي تلك الحالة تنبذ اللغة الأم، لحساب اللغات الأخرى، وتوصم بالتخلف وعدم المسايرة.. وهو ما يفتح الباب واسعا لتساقط المرجعيات بكل أشكالها.. ليجد الإنسان نفسه في حالة من الاغتراب “يعيش على تخوم الهُويَّات، ويُعرِّف ذاته من خلال العبور، لا الوصول”. فتصير الهوية لدى هذا الإنسان موظفة للإنجاز الوقتي، على عكس ما يجب أن تكون عليه من الديمومة والاتصال الوثيق بالجذور.
هنا يحدث الاستبدال.. ففي مقابل ما يمثله الشخص من مؤثرات ثقافية واجتماعية وإنسانية تميزه عن غيره.. سنجده في كل مرة وفق سياق ما، فلم يعد ذو قدرة على المثول خارج مشهد يُضفي عليه شروطا معينة للحضور، في لهاث لا يصل إلى شيء.. فالمشاهد مجتزأة لا يكمل بعضها بعضا، وهذا مقصود لأن الاكتمال يشي بالاستقرار والدوام، بينما المطلوب أن يصير كل شيء مؤقتا.. وقابلا للإلغاء.

لا يبدو أن الأمر بدأ حديثا.. تلك الامور لا تحدث بين يوم وليلة.. إنها تستلزم تهيئة دقيقة؛ ليكون الإنسان أكثر قابلية لها، بل حتى يرى فيها الملاذ الأخير، من الانسحاق تحت وطأة الإحباط واليأس.. لا بد إذن أن يسبق ذلك إضعاف لكل الكيانات، التي كانت توفر للإنسان شيئا من الأمان أو الحماية.. تعميق الشعور باللاجدوى، وتخلُّف المنظومة القيمية المرتبطة بالمجتمع عن مواكبة متغيرات العصر، ومن ثم طلب التحرر العاجل من كل ذلك.. والنتيجة الانتقال إلى العزلة ومنها إلى الضياع.. وهو ما أوضحه إريك فروم في كتابه “الخوف من الحرية” حيث ذكر أن التحرر من الروابط التقليدية -دون بديل- يؤدي إلى الشعور بالضياع والعزلة.
سنحتاج إلى إعادة النظر، بشأن مفاهيم تتعلق بالاجتهاد والطموح والبحث الجاد عن الفرص الأفضل للمعيشة، والسعي لكسب الرزق، وترتيب الأولويات وفق الشروط المادية.. ربما لنحافظ على ما بقي من ذواتنا.. وإيمانا بعدم جدوى ذلك اللهاث المحموم، نركن قليلا لما نَحَيْنَاه جانبا من حيواتنا السابقة.. نعيد له -بوهج أنفاسنا- تلك البهجة التي افتقدناها.. نحيي عاداتنا القديمة، وندخل من جديد في “رتابة” تصنعها أجواء من الرضا والقبول.
في مواجهة المد العاتي.. ليس عليك إلا أن تقف مكانك، تاركا رجليك لتغوص في مكانها، وقد أمسكتْ يداك بأقرب صخرة.. حتى تحين لحظة الجزر.. وهي آتية لا محالة “…فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ”.
*من قصيدة لا تهاجر للشاعر العراقي أحمد مطر








