بمقولة فارلام شالامو “لقد أدركتُ معنى السلطة، وما يعنيه رجل يحمل سلاحا”، يبدأ يورج بابروفسكي كتابه “العنف والإنسان.. كيف يؤثر العنف على البشر، ويعيد تشكيل حيواتهم؟”، الصادر عن دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات، بترجمة د. علا عادل، وفيه يقول إنه سمع حكايات عن الحرب في طفولته، من رجال عاصروها جنودا، بعضهم حكى عن مغامراته وعن أمور مضحكة، عن الحيوان وعن الطبيعة، لكنهم نادرا ما تحدثوا عن حرفة القتل، كما لم يتحدثوا مطلقا عن موت الرفاق، حتى وإن فعلوا ذلك كانوا يتحدثون بشفرات، ما يجعل المستمع يتصور الحرب كما لو كانت حدثا لا صوت له ولا رائحة.
كذلك يقول المؤلف إننا ننكر العنف لأننا، نحن الأشخاص المسالمين الطيبين، لا نستطيع أن نتخيل أنفسنا من ممارسي العنف، ورغم أن العالم لا يسكنه الأشرار فقط، ينتشر العنف في كل مكان، يتضارب الناس ويتقاتلون مبررين ذلك بدافع الطاعة، أو لكونهم مجبرين، أو بحكم العادة، أو بدافع السعادة، أو لأنهم عليهم مواجهة من يمارس العنف.
والواضح -حسب رؤية الكاتب- أن الأمر لا يتعلق بالنوايا والقناعات، بل بالإمكانات والمواقف الخاصة، وقد قضى بابروفسكي أكثر من خمسة عشر عاما منشغلا بفظائع الحكم الستاليني العنيف، ومن هذه التجربة تعلَّم أن البشر قادرون على كل شيء، عندما يتحركون في نطاق لا يكون العنف فيه ممنوعا، بل متاحا.. كما أقنعتْه التجربة أن الإنسان لا يعرف شيئا عن تأثير العنف إذا لم يدركه على أنه حدث دموي.
أبعاد العنف
هنا أيضا وفي “العنف والإنسان” يرصد المؤلف شهادات كثيرة لمن شهدوا أشهر مجازر العنف في عهد هتلر وستالين وغيرهما، وبتأنٍ شديد يرصد أبعاد العنف، ناظرا إلى أسبابه ودوافعه وأشكاله التي تنطلق بصور مختلفة سواء من جانب الحكام الديكتاتوريين أو المذابح الشهيرة وفي الجيوش والأوامر العسكرية.. وصولا إلى المديرين، مع إبراز فكرة السيطرة التي تولّد العنف ويرضخ لها كثيرون، إمّا خوفا أو تطلّعا لأن يمنح هو نفسه تلك الأوامر في وقت ما.
هنا يطرح بابروفسكي أسئلة عديدة منها كيف أثّر العنف على الإنسان؟ وماذا فعل الإنسان بالعنف؟ وكيف شكّل العنف البشر؟
ولا ينبغي -يقول الكاتب- أن ينتاب القارئ الامتعاض، بل يشعر بالغثيان حتى يفهم أن العنف ليس حدثا مجردا كلينيكيّا نظيفا، بل هو يتسبب في سقوط مصابين وقتلى، وفي ألم ودماء ودموع، ومن لا يرغب، وفق ما يراه، في الكتابة عن العنف عليه أن يصمت، فالكتابة عن العنف -يقول- تغيّر المؤلف نفسه، إذ يصبح متشائما وتتعين عليه حماية نفسه من الشر الذي يراه ويشعر به في كل مكان، وذات يوم يتعين عليه أن يكف عن الانشغال بالعنف، لأنه يسمم حياته ويعكر مزاجه.
بابروفسكي يقول إنه قضى سنوات كثيرة من حياته يبحث عن إجابة لأسئلة: ما يفعله الناس في العنف؟ وكيف يشكل العنف الناس؟ وأيًّا ما كان يحدث، والقول للكاتب، فالعنف دائما ما يصبح مملكة “الظلام غير القابل للاختراق” والتي نفتقدها لكننا لا نستطيع أن نفهمها بالكامل، حسب ما كتبه جاك سيميلين.
العنف والحب
كما أن العنف -يرى الكاتب- شأنه شأن الحب، ينقلنا إلى حالة اندهاش لا تُصدق، ورغم ذلك يتعجب كل منا على طريقته، لذا تختلف الأسئلة التي يوجهها المؤرخون.
في كتابه هذا وجّه بابروفسكي أسئلة حرّكتْه، وقدم إجابات اعتبرها مقبولة، أما من يبحث عن أسئلة وإجابات أخرى؛ فالكاتب يدعوه إلى قراءة كتاب آخر غير هذا الكتاب، قائلا هنا إنه ينبغي على المؤرخين أن يكتبوا جُملا جميلة، ينبغي أن يفكروا في قرَّائِهم، وأن يكتبوا بلغة تتناسب مع حكاياتهم، وقد تعلَّم هو من ديتريش جاير، الذي أهدى إليه هذا الكتاب، أن أسلوب نص ما ومحتواه لا ينفصلان بعضهما عن بعض.
هنا يتساءل بابروفسكي عن العنف، وكيف يمكن لنا أن نفهمه، قائلا إنه عندما يندلع العنف لا تعود الأمور إلى ما كانت عليه من قبل، لأن استخدام الجسد على سبيل السلاح لا يمكن السيطرة عليه كما نشاء، على عكس التصورات التي يمكننا أن نكوّنها عن العنف، كما أن من يعايش العنف لا يستطيع أن يتجاهله، كما يرى أيضا أن الجاني نفسه لا يكون بمأمن، لأنه يتعين عليه أن يضع بالحسبان وجود سلاح مضاد وانتقام، إذا ترك ضحاياه على قيد الحياة، ومنحهم فرصة الأخذ بالثأر، المغتصبون الذين يقتلون ضحاياهم خشية العقاب الذي ينتظرهم إذا ما اكتشف أحد أمرهم.
أيضا يؤكد الكاتب ألا أحد يستطيع أن يتصرف وأن يرد على وجود العنف في الوقت نفسه، والذين عاشوا في مجتمعات أضيرت من الحرب والإرهاب وفقدت الثقة تعرف هذا، متسائلا هل التخلّي لسنوات عن العنف يمنع البشر من الجرح والقتل؟
مملكة العنف
كما يورد بابروفسكي تعريفا للعنف نصه، أن العنف ديناميكي ينتج عنه ما يجبر تصرفات ما من النادر التكهن بتوابعها، وهذا لأننا لا نعرف ما سوف يحدث، ومما يراه أنه ليس هناك أحد يُجبر على أن يصبح وحشيّا دون اضطرار، فكل شخص عندما تلوح أمامه البدائل يستطيع أن يكبت غضبه ويقرر عدم الانسياق وراء أهوائه، ذاكرا ما قاله هاينريش بوبيتس، من أنه لا يجب على الإنسان أبدا التصرف بعنف، لكنه يستطيع ذلك دائما، ورغم أن المجرم الذي يرهب البشر ويسيء معاملتهم يمكن أن يكون عاطلا عن العمل أو فوضويا، أو يعاني من الصداع، فالبطالة لا تحرك يد الجاني ولا تفعّل خيالات القتل التي تعمُّ رأسه.
هنا أيضا يورد المؤلف تساؤلا لفولفجانج سوتسكي، الذي يسأل لماذا لا يوجد ملايين المجرمين رغم وجود ملايين المحبطين ومهاويس الأسلحة ومحبي أفلام الرعب وملايين من التعساء في الحياة الزوجية أو العاطلين عن العمل؟ ويجيب قائلا ليس كل شخص يستغل الفرصة التي تلوح له، ولأن الأمر يتوقف على المواقف وشخوصها.
بابروفسكي يقول كذلك ما إن يلج الإنسان إلى مملكة العنف حتى يصبح جزءا من حياة لا يمكن أن يعيشها إلا للحظة الآنية، وكل ما كان طبيعيا من قبل يفقد معناه أمام العنف المواجه له، ولن يسأل أحد عن أسباب العنف حيثما يصبح من الأمور الطبيعية، لأن ما هو بديهي لا يحتاج إلى تعليل، وبدلا من ذلك سيعتبر البعض اتخاذ التدابير الوقائية خشية الوقوع ضحية للعنف من وصايا الذكاء، لأن من لا يرغب في أن يصبح ضحية يمكن أن يصبح جانيا أيضا، وإذا كنا نرغب في فهم أحداث العنف -يقول المؤلف- فعلينا أن معرفة الكثير من الأمور: ما الذي حدث قبل اندلاع العنف؟ هل كان الجناة مسلحين؟ وهل كان معهم شركاء؟ هل كانوا معتادين على العنف؟ هل كان بينهم قائد؟ ما المساحة التي كان الجناة والضحايا يتحركون فيها؟
البشر الساديون
بابروفسكي يقول أيضا إن العنف الذي يتبع قواعد معترف بها يمكن توقعه، إلا أن من يتعرض لعنف مدمر ومهلك لا يبقى أمامه خيار سوى أن يموت، أن ينتحر، أما العنف التعسفي الذي يبدو بلا مغزى والذي لا يقف وراءه سوى مرتكبه، يمكن التغلب عليه بشكل مغاير عن تجربة الإذلال “البشر الساديون”، وبعد العنف يتغير كل شيء، لأن الشروط التي يمكن أن يتلاقى البشر وفقا لها تتغير، وهكذا يشعر الجاني بالسلطة المطلقة عندما يكسر إرادة الآخرين وأجسادهم، أما الضحية فتشعر بالعجز المطلق، خاصةً وأن العنف يحطم الثقة ويتسم الناجون بالعنف وتبقى تجربة العنف راسخة في ذاكرتهم دائما، وتتحكم في تصرفاتهم، خاصةً عندما يفرض الجناة على الضحايا، كيف يتذكرون العنف الذي عانوا منه؟
أما ما يفعله العنف، حسب ما يراه المؤلف، فهو أنه يغير إطار النسق الاجتماعي الذي يتحرك بداخله البشر، لأنه يعطل عمل الضمانات التي تقي الحياة -في سلام- من المخروقات، إذ يفرز العنف انعدام الثقة ويدمر كل تواصل اجتماعي.
أيضا يورد المؤلف ما كتبه عالم النفس الأمريكي ستيفن بينكر، الذي يرى أنه بالرغم من كل ما يمر بنا في حياتنا من كدر، وبالرغم من كل الصعاب التي لا تزال باقية في الحياة؛ فإن انحسار دائرة العنف يعد بمثابة إنجاز يمكننا الإشادة به، ودافع إلى الإعلاء من قدر قُوى التحضر التي أتاحت ذلك الإنجاز.
كذلك يتمنى الكاتب لو كان يعرف كيف رأى الناس في الماضي ممارسة العنف، وبمَ كانوا يشعرون حين كانوا يقتلون أناسا آخرين، أو عندما كانوا يصابون بجروح، أما الآن، يقول المؤلف، يدرك الإنسان أن ممارسة العنف الغاشم محظورة في ظل جميع الظروف، ما جعله يتخلَّى عن اللجوء إلى العنف، كما لا يشك الكاتب في أن هناك أعمال عنف وحشية قد وقعت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ومنها حركات تمرد على الحاكم أو قتل للطغاة، غير أن النخب لم تعد تشن حروبا على بعضها بعضا، وحتى حين كانوا يشننون حروبا على آخرين، كانوا يضطرون إلى أن يبرروا ما يفعلونه لأنفسهم وللآخرين، أو أن يواصلوا حياتهم بضمير مُعذَّب.
تهديد مضمر
مرة أخرى يعود المؤلف إلى بينكر، وقوله إن العنف لا يختفي، فهو حاضر بوصفه تهديدا مضمرا، ولا تتوقف القدرة التدميرية للعنف سوى على الظروف والطريقة التي ينفذ الإنسان في ظلها العنف ويوجهه أو يحدد مقداره، ومتحدثا عن دور الحكام المستبدين في العنف يقول بابروفسكي، إنهم طالما وجَّهوا تركيزهم على تحويل أفراد حاشيتهم إلى شركاء في أعمال العنف المميتة، ولطالما كانوا على دراية بمفعول الرسائل التي تُخط في اللحم البشري، إذ نادرا ما يستسلمون للأوهام التي تفترض ولاء رعاياهم، لهذا ليس عليهم سوى أن يستعرضوا علانية ما يقود إليه العصيان. كذلك يرى أن الأنظمة هشة، وأن السلام سريع الزوال، وكل البشر يدركون هشاشة وجودهم، وقد يتكرر العنف في أي وقت، وحينها سيطرح السؤال المتعلق بالسلطة من جديد، ولن تنتصر السلطة إلا عندما يستحوذ الخوف من عودة العنف على الوعي.
هنا يكتب بابروفسكي، عن العنف الهيكلي، وعن أنثروبولوجيا العنف، وعن العنف وأحجية السلطة، مختتما كتابه هذا قائلا إن هاجس التفكير في تكرار العنف مأخوذ بعين الاعتبار في كل علاقات السلطة، والسلام والأمان موجودان فقط، لأن البشر قادرون على القتل، إذ لا يمكن تخيّل حياة دون سلطة، فلا توجد حياة دون عنف، متسائلا عما يمكن أن يفعله إنسان ليس إلا تِرْسًا في صندوق تروس لا يديره أحد؟








