رؤى

إسبانيا تفرض حزمة عقوبات على دولة الاحتلال.. وتستدعي سفيرها للتشاور

أعلنت إسبانيا أمس الإثنين، فرض تسع عقوبات على دولة الاحتلال منها: حظر أسلحة، منع سفن وطائرات.. بالإضافة إلى تقديم دعم مالي لغزة.

كان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، قد صرّح، أن فرض سلسلة العقوبات على “إسرائيل”- بسبب ارتكابها “إبادة جماعية” في قطاع غزة.

وتشمل الإجراءات، التي تدخل حيّز التنفيذ فورا ما يلي:

– حظر دائم على بيع وشراء الأسلحة والذخائر مع دولة الاحتلال عبر مرسوم ملكي.

– منع سفن الوقود لجيش الاحتلال “الإسرائيلي” من الرسو في الموانئ الإسبانية.

– منع الطائرات المحمّلة بمعدات دفاعية لـ”إسرائيل” من عبور المجال الجوي الإسباني.

– حظر دخول المتورّطين بجرائم حرب في غزة، إلى الأراضي الإسبانية.

– وقف استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

– تقييد الخدمات القنصلية للمقيمين في المستوطنات.

– تعزيز التعاون مع دولة فلسطين، وزيادة تمثيلها الدبلوماسي.

– زيادة موظفي الاتحاد الأوروبي عند معبر رفح.

– دعم الأونروا بـ 10 ملايين يورو إضافية، ورفع المساعدات الإنسانية لغزة إلى 150 مليون يورو.

وأكد سانشيز أن إسبانيا لا تستطيع وقف الحرب وحدها، “لكنها لن تُسكت ضميرها”، مشيرا إلى أن القرار سيُعرض على الحكومة للموافقة النهائية اليوم الثلاثاء.

وفي رد فعل سريع على القرارات الإسبانية، أعلن وزير خارجية العدو جدعون ساعر، منع نائبة رئيس الوزراء ووزيرة الشباب الإسبانيتين، من دخول “إسرائيل”. وردت الحكومة الإسبانية ببيان جاء فيه: قرار “إسرائيل” منع دخول اثنين من وزرائنا مرفوض وغير مقبول، ونرفض اتهامات معاداة السامية.. وأضاف البيان أن مواقف رئيس الحكومة بشأن الأوضاع اللاإنسانية في غزة والضفة، تأتي في إطار دفاع إسبانيا عن السلام وحقوق الإنسان. كما أعلنت إسبانيا استدعاء سفيرها لدى الكيان الصهيوني للتشاور.

العلاقات الإسبانية مع دولة الاحتلال شابها التوتر لفترات طويلة، فعند إعلان قيام دولة الكيان الصهيوني في 15 مايو 1948، لم تعترف إسبانيا بالدولة العبرية.. كان نظام الجنرال فرانكو -ذو الطابع الكاثوليكي المحافظ والديكتاتوري- منبوذا دوليا بعد الحرب العالمية الثانية.

في تلك الأثناء.. حاولت إسبانيا التقرب من الدول العربية لكسر العزلة المفروضة عليها، والتي عملت الحركة الصهيونية العالمية على التكريس لها، بعد اتهام نظام فرانكو بالتعاون مع النازي.

منذ بداية الخمسينات، وحتى وفاة فرانكو عام 1975، تعاون الإسبان مع الكيان المؤقت تجاريا دون اعتراف رسمي بالدولة العبرية، وبقيت مدريد منحازة في العلن للقضية الفلسطينية،  وعلى علاقة طيبة مع الدول العربية، خاصة خلال حروب 1956، 1967، و1973.

بعد وفاة فرانكو وتحت ضغط الولايات المتحدة وأوروبا، بدأت مدريد في وضع تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني محل التنفيذ؛ لكنها واجهت معارضة داخلية من اليسار، ومن الرأي العام المتضامن مع فلسطين.

في عام 1982، أعلنت الحكومة الاشتراكية برئاسة فيليب جونزالس استعدادها للاعتراف، بالدولة العبرية؛ شرط إحراز تقدم في عملية السلام بالشرق الأوسط.

وفي عام 1986، وبعد دخول إسبانيا إلى السوق الأوروبية المشتركة، اعترفت رسميا بدولة الاحتلال في 17 يناير1986، وأقامت علاقات دبلوماسية كاملة، وكانت بذلك آخر دولة في غرب أوروبا تُقْدِم على هذه الخطوة.

وما لبثت العلاقات أن تطورت سياسيا واقتصاديا، بعد فتح السفارتين، مع تأكيد إسبانيا على استمرارها في دعم حقوق الفلسطينيين، وتبنيها لحل الدولتين.

في العام 1991، استضافت مدريد مؤتمرا للسلام، برعاية أميركية/سوفيتية، كان المؤتمر حدثا محوريا، إذ جمع صهاينة وممثلين لدول عربية وفلسطينيين على طاولة المفاوضات لأول مرة.

وقد شهد عقد التسعينات من القرن الماضي تزايد التبادل التجاري بين الدولتين؛ لكن مدريد تجنبت التحالف الوثيق مع دولة الاحتلال على الطريقة الأميركية.

حرصت الحكومات الإسبانية المتعاقبة، خلال العقد الأول من الألفية الجديدة على الوقوف على مسافة واحدة بين طرفي الصراع، ومع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، أبدت مدريد تفهمًا للحقوق الفلسطينية، لكنها أدانت العمليات المسلحة، ضد من أسمتهم بالمدنيين.

وكانت إسبانيا ضمن دول الاتحاد الأوروبي، التي انتقدت بشدة سياسات دولة الاحتلال في الأرض المحتلة عام 2002.

ويمكن القول أن العلاقات التجارية والثقافية بين الدولتين، نمت خلال هذا العقد بوتيرة بطيئة وشابها الفتور بسبب الاستيطان والحروب على غزة خلال عامي 2008،2009.

شهد العقد الثاني في الألفية الجديدة توترا كبيرا بين إسبانيا ودولة الاحتلال، بعد أن صوّت البرلمان الإسباني عام 2014، بأغلبية رمزية للاعتراف بدولة فلسطين، ووفق الأعراف البرلمانية الإسبانية، كان الاعتراف غير ملزم للحكومة، لكن دلالته السياسية كانت واضحة.

ورغم استمرار العلاقات التجارية والدبلوماسية، إلا أن إسبانيا انتقدت مرارا الاستيطان وسياسات نتنياهو.

وحين قرر ترامب نقل السفارة الأميركية إلى القدس، عارضت مدريد هذا الإجراء، وأكدت تمسكها بالشرعية الدولية.

بعد اندلاع حرب طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، شددت مدريد موقفها ضد السياسات الإسرائيلية، وأوقفت تراخيص تصدير السلاح.

وفي 28 مايو 2024، اعترفت إسبانيا رسميا بدولة فلسطين، إلى جانب إيرلندا والنرويج، في خطوة تاريخية سببت أزمة دبلوماسية مع تل أبيب، ثم ألغت صفقات سلاح مع شركات إسرائيلية، ودعمت المساعي القضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.

وخلال العامين الماضيين دفعت إسبانيا بقوة داخل الاتحاد الأوروبي؛ لتجميد اتفاق الشراكة مع العدو الصهيوني، وحظر منتجات المستوطنات، وطلبت مراجعة عاجلة لاتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و”إسرائيل” بسبب بنود حقوق الإنسان.

في 14 فبراير2024، وفي 19 فبراير 2024، لوَّحت مدريد بفرض عقوبات وطنية على المستوطنين العُنفيين، في حالة عجز الاتحاد الأوروبي عن التوافق على صيغة للعقوبات.

أُقرت إسبانيا في 19 أبريل و15 يوليو 2024، حِزم عقوبات أوروبية على مستوطنين وكيانات مشاركة في العنف، وكانت قد أعلنت في يونيو من نفس العام نيتها التدخل في قضية جنوب أفريقيا ضد “إسرائيل” أمام محكمة العدل الدولية، بموجب اتفاقية منع الإبادة. كما منعت رسوّ سفن تنقل أسلحة إلى دولة الاحتلال، ورفضت أول سفينة في ميناء قرطاجنة؛ في مايو 2024، مع التأكيد على عدم منح تراخيص تصدير منذ 7 أكتوبر 2023.

بلغت المساعدات الإنسانية الإسبانية لغزة خلال 2023، 50 مليون يورو، منها 19.5 مليونا للأونروا. وحزمة إضافية في يونيو 2024 بلغت قيمتها 16 مليون يورو.

هل يستطيع الكيان المؤقت الصمود أمام هذه الحالة المتفاقمة من النبذ والاشمئزاز والإدانة التي تجتاح أوروبا؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في دعمها اللامحدود له؛ ضاربة عرض الحائط بمواقف معظم الدول الأوربية التي أصبحت تعلن عن مواقفها تباعا، ضد الإجرام الذي تمارسه دولة الاحتلال في الأرض المحتلة؟

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى