عقد وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، اجتماعهم الثامن لـ”الحوار الاستراتيجي” في سوتشي، روسيا، يوم الخميس الماضي.. واللافت أن هذا الاجتماع كشف ـ كما يُفهم من بيانات الطرفين ـ عن العديد من علامات التحول، والإمكانات، والتحديات التي قد تصوغ ملامح العلاقات “الروسية – الخليجية” في المدى المتوسط والبعيد.
وبالرغم من أن بيانات الطرفين، لم تُشر من قريب أو بعيد عن إدانة الاعتداءات الإسرائيلية على أكثر من بلد عربي (اليمن، لبنان، سوريا).. إلا أن أهم علامات التحول هذه، تلك التي تتمثل في التوافق الروسي الخليجي بشأن الأحداث الإقليمية، التي شهدتها المنطقة العربية وجوارها الشرق أوسطي مؤخرا؛ خاصةً في ما يتعلق بالاعتداء الإسرائيلي على دولة خليجية (قطر)؛ إضافة إلى القضية الفلسطينية، والدعوة إلى استعادة حل الدولتين، من خلال إقامة دولة فلسطينية مستقلة، على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق مبادرة السلام العربية.
فرص محتملة
ضمن الآفاق المستقبلية المتوقعة للتوافق الروسي الخليجي، في بعض قضايا المنطقة العربية، تبرز عدة فرص يمكن أن تساهم في تطور العلاقات الروسية الخليجية، لعل من أهمها:
– شراكة استراتيجية أكثر اتساعا: فالاجتماع يُعدّ مؤشرا على أن الحوار الاستراتيجي ليس بروتوكولا شكليا، بل أساس لتوسع العلاقات؛ التعاون في الطاقة، المشاريع الكبرى، الاستثمارات، وربما تنسيق أكبر في الأزمات الدولية.
– توازن في العلاقات الدولية: إذ تحاول دول الخليج -دائما- تنويع شركائها في القرار. تعزيز التنسيق مع روسيا قد يتيح لها مزيدا من الخيارات في السياسة الخارجية، خصوصا في ظل التوترات العالمية المتصاعدة، ما يُمكِّنها من موازنة التأثيرات الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، الغرب عموما).
– المساعدة في الاستقرار الإقليمي: بالتزامن مع التصعيد الإسرائيلي الأخير، ومع التحديات في سوريا، اليمن، ولبنان، يمكن للتنسيق “الروسي – الخليجي” أن يُسهّل التهدئة، فتح الممرّات الإنسانية، أو دعم المبادرات الدولية لوقف إطلاق النار، لحماية المدنيين، وتقويم الأطراف المختلفة نحو التفاوض؛ خاصةُ أن روسيا قد تجد في التعاون مع الخليج وسيلة للتوسط في ملفات إقليمية عدّة، ما يزيد من وزنها الدبلوماسي.
تحديات ومخاطر
رغم هذه الفرص المحتملة وغيرها، لكن الفرص ليست وحدها؛ فمستقبل العلاقات “الروسية – الخليجية” يواجه عدة تحديات لا يمكن تجاهلها:
– الاختلافات الاستراتيجية والسياسية: فالمصالح الخاصة الروسية في الشرق الأوسط، قد لا تتطابق دائما مع أولويات الخليج (مثلا: التوازن مع إيران، أو مواقف موسكو تجاه بعض الجهات المسلحة). هذا قد يخلق توتّرات بين الطرفين، إذا ما ظهر أن التعاون يُستخدم لتغطية نفوذ روسي في ملفات لا ترغب دول الخليج أن تُستخدم فيها.
– الاتهامات بالمشاركة أو التواطؤ: عند وقوع هجمات مثل تلك التي استهدفت قطر، هناك -دائما- تساؤلات من دول الخليج عن مواقف الدول الإقليمية والقوى الكبرى. التوازن السياسي الذي تحاول دول الخليج انتهاجَه قد يجذب انتقادات، سواء من داخلها أو من الخارج، خصوصا إذا ما تبيّن وجود تأييد صامت أو تقاعس عن ردع العدوان، أو في الحد الأدنى التنديد به.
– محدودية الإجراءات العملية: التصريحات السياسية والبيانات كثيرة، لكن الترجمة إلى عمل (تنفيذ اتفاقيات، استثمارات ملموسة، مواقف موحدة في المنظمات الدولية)، تحتاج موارد وإرادة سياسية فعالة. ومن ثم، فإن الخلافات الداخلية بين دول مجلس التعاون، أو التحديات الاقتصادية التي تواجهها، قد تحدّ من قدرة هذه الدول على الالتزام الكلي.
– التداخل مع النفوذ الأمريكي: العلاقة بين دول الخليج والولايات المتحدة قوية جدًا، خاصةً في المجالات الأمنية والعسكرية. وبالتالي، فإن أي تجاهل أو تقليل لهذا النفوذ يمكن أن يؤدي إلى خسائر في الدعم، أو مخاطر استراتيجية (مثل الضغوط العسكرية أو الاقتصادية). ولذلك فإن التعاون مع روسيا يُدار بعناية توازنية من دول الخليج، حتى لا يستدعي ردود فعل سلبية من الولايات المتحدة أو الحلفاء الغربيين في أوروبا.
– التوافق حول القضية الفلسطينية: فكما سبقت الإشارة، يكمن التحدي هنا في استمرارية التوافق على حل القضية الفلسطينية، بالدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، على حدود الرابع من يونيو 1967.
محددات مستقبلية
هنا، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه، هو: ما الذي يحدّده مستقبل العلاقات؟
والواقع، أن الإجابة على هذا التساؤل تحدده بعض العوامل الحاسمة، منها: الاستمرارية في الموقف السياسي من روسيا، تجاه الأحداث الأخيرة في غزة والعدوان على قطر، وكيفية ترجمة هذا الموقف إلى أعمال ملموسة.. ومنها: قدرة دول الخليج، العربية، على التوازن بين التحالفات التقليدية وبين الانفتاح على اللاعبين الجدد، بحيث لا تُفاجأ بردود فعل من شركاء آخرين.
أيضا، من هذه العوامل تأتي الإرادة التنفيذية لبنود التعاون الاقتصادي والاستثماري، وليس الاقتصار على مجرد التصريحات؛ كذلك الاتساع في الشراكات والمشروعات الضخمة سيكون مقياسا جيدا. هذا إضافة إلى البيئة الدولية والأزمات الأكبر، مثل الحرب في أوكرانيا، التأزم في العلاقات “الأمريكية – الروسية”، وفرص الشراكات مع الصين، كلها عوامل ستؤثر على مدى اهتمام روسيا بملفات الخليج، والعكس صحيح.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن اجتماع سوتشي، يمثل محطة مهمة في تطور العلاقات بين روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي. لقد بدا واضحا أن هناك تضامنا خليجيا قويا في قضايا مثل العدوان الإسرائيلي على قطر، وأن هناك رغبة مشتركة في تعزيز الحوار الاستراتيجي ليس فقط كلاما ولكن بتحقيق مشاريع ملموسة.
ومع ذلك، المستقبل ليس مضمونا. السياسات الاستراتيجية، والمواقف الدولية، والتحديات الإقليمية ستركّب كل منها عاملًا مُهمّا. إذا تمكن الطرفان من تحويل المناشدات السياسية إلى تعاون مؤسسي فعّال، فإن هناك فرصة حقيقية لأن تُصبح العلاقة “الروسية – الخليجية” أكثر عمقا ومتانة، تستند إلى مصالح استراتيجية مشتركة، وليس فقط إلى المواقف السياسية الآنية.
في المقابل، إذا اكتفت هذه العلاقات بالبيانات والتصريحات، أو إذا ظهرت فروقات استراتيجية لا يمكن تجاوزها، فقد يتراجع هذا الزخم، وتُصبح الشراكة على مستوى محدود أو مؤقت.. حتى وإن ظلت هناك علاقات عامة، سياسية ودبلوماسية.








