حوار جمعني بصديق أعرف عنه اهتمامه الشديد بقضية فلسطين؛ ولكني أعرف عنه أيضا تشاؤمه الشديد.
دار حوارنا قبل أيام معدودة من ذكرى مرور عامين، على انطلاقة معركة “طوفان الأقصى” التي لا تزال تدور رحاها على أرض قطاع غزة، منذ السابع من أكتوبر من عام 2023.
بادرني صديقي بالقول بنبرة تجمع بين التأثر الشديد والضيق الشديد أيضا: عامان قد مضيا.. تجاوز عدد الشهداء فيهما 67 ألفا، ناهيك عن مئات الآلاف من الجرحى.
عامان مضيا ولا يزال النزوح “روتينا” يوميا لآلاف مؤلفة، من العائلات في قطاع غزة، بل إن بعض العائلات نزحت أكثر من مرة، من شمال القطاع إلى وسطه إلى جنوبه تحت وطأة القصف.
عامان مضيا، وقد اجتمع على أهل غزة إلى جانب القصف والقتل والدمار، الذي نال من أكثر من 90% من كل ما هو مبنى قائم على أرض القطاع، حصار التجويع أيضا، وكأنهم المؤمنون الأوائل في شعاب مكة، غير أن المحاصرين الجوعى هذه المرة لا صريخ لهم.
انتظرت حتى فرغ صاحبي، أو قل أفرغ ما في صدره، ثم قلت له: كل ما ذكرته صحيح، ولكنك تنسى الآتي:
عامان مضيا، أحيا أهل فلسطين بنضالهم وصمودهم الأسطوري خلالهما، قضية بلادهم بعد أن كادت أن تصبح نسيا منسيا، خاصةً بعد تسارع التطبيع بين دولة الاحتلال والدول العربية، ومع تبشير واشنطن بما أسمته “صفقة القرن” الهادفة الى تصفية القضية، فإذا به تبعث من تحت الرماد، وتفرض ذاتها على الجميع منذ انطلاقة “الطوفان” في السابع من أكتوبر.
عامان مضيا، فقد فيهما العدو أحد أبرز وأهم أسلحته، التي برع في استخدامها على مدار أكثر من سبعين عاما، وهو لعب دور الضحية، حيث أسقط الطوفان عن وجهه هذا القناع، وعَرَّى عنصريته المقيتة وعقيدته الدموية.
عامان مضيا، لم يعد فيهما “سيف السامية” أو اتهام المتضامنين مع فلسطين بمعاداة اليهود، وهو سيف طالما سلّطه العدو على رقاب منتقديه- يخيف أحدا بل أصبح يهود العالم أنفسهم ينأون عن كيان الاحتلال؛ لكي لا يتحملوا وزر جرائمه.
عامان مضيا، ازداد فيها العدو عزلةً، بعد أن كانت أبواب العواصم العربية والأجنبية -على السواء- مفتوحة له ولساسته وتجاره على مصراعيها، فأتى الطوفان ليوصدها في وجهه، ولتصبح دولة الاحتلال دولة منبوذة لأول مرة منذ نشأتها عام ١٩٤٨، أو بتعبير أحد الكتاب الصهاينة في صحيفة “هآرتس” أشبه بمريض الجذام في العصور الوسطى.
عامان مضيا، بُعثت فيهما فكرة الدولة الفلسطينية التي أراد العدو دفنها، بل أصبح نحو 80% من دول العالم يعترف بها.
عامان مضيا، تجاوزت فيهما قضية فلسطين كافة الحدود الجغرافية، فلم تعد قاصرة على أهلها ولا على من ينطق بلسانهم ولا على من يدين بدينهم؛ بل أصبحت قضية إنسانية جامعة يتفق عليها بشر، من كل لون وعرق ودين.
عامان مضيا، ثبت فيهما مدى هشاشة جيش الاحتلال، ذاك الجيش الذي كان يتباهى بقدرته المزعومة على احتلال أي بلد عربي يريد في يوم أو بعض يوم، فإذا به يقف عاجزا أمام قطعة من أرض فلسطين لا تزيد مساحتها عن 400 كم مربع، وباعتراف أحد جنرالات هذا الجيش (إسحق بريك) فإن “استمرار الحرب في غزة لعامين كشف ضعف الجيش الإسرائيلي، وتآكل مصداقية القيادة السياسية والعسكرية”.
عامان مضيا، بلغ عدد قتلى الجيش والأمن الصهاينة منذ 7 أكتوبر، 1150 من ضمنهم 1035 جنديا، حوالي 42% (487) منهم دون سن الحادية والعشرين؛ و141 جنديا فوق سن الأربعين.
كما أن نحو 80 ألف صهيوني عرّفوا بأنهم مصابون بأعمال عدائية منذ 7 أكتوبر، 30 ألف صهيوني صنفوا بأنهم مصابون باضطرابات نفسية.
عامان مضيا، فقد فيهما المستوطن الصهيوني الشعور بالأمان، وهو عماد المشروع الاستيطاني، رغم كافة محاولات حكومته طمأنته، من خلال اغتيال عدد من قيادات المقاومة، إلا أن هذا لم يعد إليه الإحساس بالأمن الذي افتقده منذ السابع من أكتوبر، حين فوجئ بصاحب الأرض يباغته في قلب مستوطناته؛ لذا تزايدت معدلات الهجرة العكسية، والخروج من كيان الاحتلال.
عامان مضيا، تفاقمت فيهما أزمة الاقتصاد الصهيوني، خاصةً في ظل استدعاء الاحتياط بأكمله وتراجع مكانة دولة الاحتلال كوجهة مفضلة للاستثمار الأجنبي، وتوسع حملة المقاطعة لمنتجات المحتل.
عامان مضيا، تحولت فيهما المقاومة الفلسطينية من كيان يسعى الاحتلال لاجتثاثه من أرض فلسطين، إلى كيان لا يجد المحتل ولا داعمه الامريكي حلا تجاهه سوى الاعتراف به والتفاوض معه.
نعم يا صاحبي، لقد مضى عامان داميان، عانى فيهما أهل غزة من كل ما ذكرت وأكثر، ولكنهم رغم كل ما سبق، مازالوا قابضين على جمر الصمود، متشبثين بأرضهم، مؤمنين بمقاومتهم وداعمين، ويُفشِلُون بالتالي لا أهداف المحتل في هذه المعركة فحسب؛ بل أهداف المشروع الصهيوني برمتها.








