رؤى

قراءة في الاستثناء الإبليسي.. “عِبَادَكَ ٱلۡمُخۡلَصِينَ”

تمثل قصة إبليس في القرءان الكريم نموذجا فريدا للتحول من العبادة إلى العصيان، ومن القرب إلى الطرد، ومن النعمة إلى اللعنة. إلا أن اللافت -في هذه القصة- أن التعبير القرءاني “عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ”، قد ورد على لسان إبليس “استثناءً” من الإغواء؛ وذلك في قوله سبحانه: “قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٭ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ” [الحِجر: 39-40]؛ وفي قوله تعالى: “قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٭ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ” [ص: 82-83].

وهذا يُطرح التساؤل حول: من هم العباد “ٱلۡمُخۡلَصِينَ”؟ وما الفارق بين العباد “ٱلۡمُخۡلَصِينَ” بفتح اللام، وبين العباد “ٱلۡمُخۡلِصِينَ” بكسر اللام؟

الفارق اللساني

يمثل الفارق بين “المخلَصين” و”المخلِصين” واحدة من أدق المسائل اللغوية واللسانية، التي تكشف عن عمق التعبير القرءاني ودقته المتناهية. هذه التفرقة ليست مجرد مسألة نحوية، ولكنها تحمل دلالات تربوية وإيمانية عظيمة تتعلق بطبيعة العلاقة بين العبد وربه، وبين الجهد البشري والعطاء الإلهي.

من جانب الفارق اللغوي والاشتقاقي، بين المصطلحين، فهو يعود إلى الصيغة الاشتقاقية:

– المخلِصون -بكسر اللام- “اسم فاعل” من الفعل “أخلَصَ”؛ أي الذين أخلصوا عبادتهم ودينهم لله تعالى، فبذلوا جهدهم في تصفية أعمالهم من الرياء والنفاق والشوائب؛ بمعنى إنهم الفاعلون، الذين فعلوا الفعل بإرادتهم واختيارهم.

– المخلَصون -بفتح اللام- “اسم مفعول” من الفعل “أخلَصَ”؛ أي الذين أخلصهم الله واصطفاهم واختارهم لنفسه؛ أي إنهم الذين وقع عليهم فعل الله، فجعلهم خالصين له، وحفظهم من كيد الشيطان ووفقهم لطاعته.

أما من جانب العلاقة بين المخلِص والمخلَص، فهي علاقة تلازم وترقي:

– المخلِصون -بالكسر- هم الذين يجاهدون أنفسهم، ويخلصون أعمالهم لله، ويحاربون الرياء والنفاق والشهوات الخفية. يقول سبحانه: “وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ” [البينة: 5]؛ وهؤلاء “مُخۡلِصِينَ” في مقام الطلب والعمل والجهاد.

– المخلَصون -بالفتح- هم الذين وصلوا إلى درجة الاصطفاء الإلهي، فاختارهم الله وجعلهم خالصين له، وحفظهم من كيد الشيطان. يقول تعالى، على لسان إبليس: “إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ” [الحِجر: 40 & ص: 83]؛ فهم “ٱلۡمُخۡلَصِينَ” المستثنون من إغوائه، الذين لا سلطان للشيطان عليهم.

نماذج “ٱلۡمُخۡلَصِينَ”

هناك نماذج من المخلَصين في القرءان الكريم، وهم قدوة الأنبياء والمؤمنين.. إذ يمثل المخلَصون -بفتح اللام- درجة عليا من درجات القرب الإلهي؛ فهم الذين اصطفاهم الله واختارهم لنفسه، وحفظهم من كيد الشيطان، ووفقهم لطاعته. وقد ضرب التنزيل الحكيم نماذج متنوعة لهم، تتفاوت في درجاتها ومقاماتها، لتكون قدوة للمؤمنين في كل زمان ومكان.

ويكفي -هنا- أن نذكر البعض من هؤلاء القدوة:

(1) يوسف عليه السلام: المخلَص في مواجهة الفحشاء

يُعد نبي الله يوسف عليه السلام أبرز نموذج للمخلَصين في القرءان الكريم، حيث وصفه الله بهذه الصفة في سياق أعظم فتنة مر بها. يقول عزَّ وجل: “وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ” [يوسف: 24].

والواضح أن السياق القرءاني، في قصة يوسف عليه السلام، يؤكد أنه كان في موقف شديد الخطورة: امرأة العزيز تراوده عن نفسه، وهي ذات جمال وسلطان، وقد غلّقت الأبواب، وهو شاب في مقتبل العمر؛ لكن الله حماه وصرف عنه السوء والفحشاء، لأنه كان من عباده المخلَصين الذين أخلصهم لنفسه. ومن هنا، تبدو دلالة الاستثناء في قصة يوسف.

فقد كان يوسف عليه السلام من هؤلاء الذين استثناهم إبليس “إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ”، فلم يكن له عليه سلطان. وهذا يفسر لنا دلالة عصمة يوسف في تلك اللحظة الحرجة، فهو لم يكن مجرد شاب تقي، وإنما كان نبيا مخلَصا مصطفىً من الله، محفوظا بعنايته الخاصة؛ ولذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء. بل إن يوسف لم يكن نبيا فقط، ولكنه كان رسولا أيضا، بدليل قوله تبارك وتعالى، على لسان مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكّٖ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلۡتُمۡ لَن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِهِۦ رَسُولٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ مُّرۡتَابٌ﴾ [غافر: 34].

(2) موسى عليه السلام: المخلَص الرسول النبي

يقول سبحانه وتعالى: “وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا” [مريم: 51]. هذه الآية الكريمة تحمل دلالات عميقة؛ فقد جمع الله لموسى بين وصفه بالمخلَص “كَانَ مُخۡلَصٗا”، ووصفه بالرسالة والنبوة “وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا”. وهذا يدل على أن المخلَصين هم أهل الدرجات العلى، الذين جمعوا بين الاصطفاء الإلهي والرسالة إلى الخَلْق.

فقد كان موسى عليه السلام من هؤلاء الذين استثناهم إبليس “إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ”، فلم يكن له عليه سلطان. إذ يكفي أن نُلاحظ كيف أن الله قد قرَّبه إليه، كما في قوله سبحانه: “وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا” [مريم: 52]؛ هذا فضلا عن أنه الوحيد، من بين أنبيائه ورسله، الذي كلمه الله تكليما، كما في قوله تعالى: “وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا” [النساء: 164].

(3) إبراهيم عليه السلام: الخليل الإمام المخلَص

يُعد إبراهيم عليه السلام نموذجا فريدا للمخلَصين، فقد اصطفاه الله واتخذه خليلا. يقول سبحانه وتعالى: “… وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا” [النساء: 125]. وإذا كانت الخِلة هي منتهى المحبة وصفاء المودة؛ فقد كان إبراهيم عليه السلام من هؤلاء الذين استثناهم إبليس “إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ”، فلم يكن له عليه سلطان.

لقد أخلص الله إبراهيم لرسالته؛ واصطفاه، ومعه إسحاق ويعقوب ليكونوا من “ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ” من بين العالمين. يقول عزَّ وجل: “وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٭ إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٭ وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ” [ص: 45-47]. ولم يكن إبراهيم فقط من “ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ”، ولكن جعله الله إمامًا للناس، وابتلاه بكلمات فأتمهن. يقول عزَّ من قائل: “وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ” [البقرة: 124]. بل، وجعله الله أمة وحده، كما في قوله سبحانه: “إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ” [النحل: 120].

في المقابل، كان إبراهيم مخلصا لله في عبادته. قال تعالى: “وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا” [النساء: 125]. والإسلام هنا دلالة على الإخلاص، والوجه دلالة على الذات؛ فأسلم وجهه لله أي أخلص له عبادته وتوجه إليه بكل كيانه.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن السؤال المهم: هل درجة المخلَصين -بفتح اللام- مقصورة على الأنبياء فقط، أم يمكن أن ينالها المؤمنون الصادقون؟ ولعل الإجابة عن هذا السؤال تحتاج تأملا وتدبرا في قوله تبارك وتعالى: “وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ هُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرُۢ بَصِيرٞ ٭ ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ” [فاطر: 31-32].

وللحديث بقية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى