رؤى

ليبيا.. وأسباب وضعية “عدم الاستقرار” (2-2)

تُعَدّ ليبيا مثالا معقدا على الديناميات الإقليمية والدولية المتشابكة؛ فبعد سنوات من الفوضى المسلحة التي حوَّلتها إلى سوق مفتوحة للسلاح، شهدت البلاد تحولات ظاهرية نحو التعاون العسكري والأمني مع قوى إقليمية ودولية، مثل: مصر، وتركيا، وروسيا. وما يثير الانتباه هو أن ليبيا التي عُرفت خلال السنوات الأولى، بعد انتفاضة عام 2011، سوقَ سلاح مفتوحة وغير منضبطة، باتت تشهد اليوم تعاونا عسكريا وأمنيا مع قوى إقليمية ودولية بارزة، مثل: مصر، وتركيا، وروسيا؛ ومع ذلك، لم يُترجم هذا التحول إلى استقرار فعلي.

وإذا كنا قد تناولنا في مقال سابق الأسباب الداخلية والأبعاد المجتمعية، الكامنة وراء استمرار الأزمة الليبية؛ لذا سنحاول هنا إلقاء الضوء على الأسباب الخارجية؛ والتداعيات الجيوسياسية الناتجة عن استمرار الأزمة، خاصةً في المحيط الجغرافي الليبي؟

أسباب خارجية

ليست الأسباب الداخلية، أو الأبعاد المجتمعية، فقط هي ما يساعد على وضعية عدم الاستقرار في ليبيا؛ ولكن هناك أيضا الدوافع الخارجية – للتدخل في الساحة الليبية – التي تتضافر وتكون مع سابقاتها العوامل الهيكلية لاستمرار هذه الوضعية.

1 – تضارب المصالح الإقليمية والدولية:

إذ، رغم أن ليبيا تحولت من “سوق سلاح غير منضبط”، إلى مجال تعاون أمني مع قوى كبرى، إلا أن هذا التعاون ليس خاليًا من التناقضات. فمصر تدعم استقرار الشرق الليبي، وتتحالف مع قوات المشير خليفة حفتر لحماية حدودها وأمنها القومي؛ بينما تركيا انخرطت عسكريا بشكل مباشر لدعم الحكومات المتتالية في طرابلس، ما رسّخ الاصطفاف العسكري بين المعسكرين.

أما روسيا فقد وجدت في ليبيا منفذا استراتيجيا إلى المتوسط عبر وجودها في الشرق، خصوصا من خلال شركة “فاغنر”، رغم محاولات إعادة صياغة حضورها تحت مسميات جديدة بعد الحرب في أوكرانيا، أهمها “الفيلق الأفريقي”.

هذا التعدد في الرعاة الخارجيين، خلق نوعا من “توازن الفوضى”، حيث لم يعد أي طرف قادرا على حسم الصراع عسكريا؛ في حين تتشابك الحسابات الإقليمية والدولية حول الطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب. وبذلك يصبح التدخل الخارجي عاملا يساهم في ضبط حدود الانفجار، لكنه لا يعزز الاستقرار، بل يكرس الجمود.

2– الصراع على مصادر الثروة النفطية:

في حقيقة الأمر، تمثل الثروة النفطية قلب الصراع الليبي. فليبيا، التي تملك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، كان يمكن أن تكون دولة مستقرة وثرية، إلا أن هذه الثروة تحولت إلى لعنة؛ حيث تتكرر عمليات إغلاق الموانئ والحقول من قبل مجموعات مسلحة أو قبائل، للضغط على الحكومة أو لانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية. هذا الاستخدام السياسي للنفط جعل الاقتصاد رهينة للابتزاز، وأدى إلى عجز مزمن في تحقيق تنمية متوازنة.

إلا أن الصراع على الثروة النفطية في ليبيا لا يقتصر على الداخل فقط؛ بل يمتد ليأخذ بُعدا خارجيا معقّدا، يجعل النفط الليبي ساحة تنافس دولي وإقليمي. فالدول الكبرى تنظر إلى ليبيا باعتبارها خزانا استراتيجيا للطاقة في حوض المتوسط وأفريقيا. الاتحاد الأوروبي يرى في النفط والغاز الليبي بديلا مُهِمًّا للنفط الروسي، لا سيما بعد أزمة أوكرانيا، فيما تسعى روسيا إلى تثبيت وجودها في شرق ليبيا لضمان موطئ قدم في سوق الطاقة وتأمين منافذ بحرية على المتوسط. أما تركيا، فقد ربطت تدخلها العسكري والسياسي في غرب ليبيا، باتفاقيات لترسيم الحدود البحرية وصفقات في مجال النفط والغاز، ما يجعل نفوذها مرتبطا بشكل مباشر بموارد الطاقة.

هذا التنافس الخارجي يفاقم الانقسامات الداخلية، إذ تعتمد كل قوة دولية على طرف ليبي لتحقيق مصالحها، فتتحول عائدات النفط من مصدر وطني إلى أداة صراع دولي. كما أن عمليات إغلاق الموانئ أو عرقلة الإنتاج لم تعد مجرد وسائل ضغط داخلية، بل ورقة مساومة في لعبة جيوسياسية أكبر.

3 – أوروبا وملف الهجرة غير الشرعية:

تُمثّل ليبيا اليوم نقطة العبور الأهم للهجرة غير الشرعية من أفريقيا جنوب الصحراء إلى أوروبا عبر البحر المتوسط. فحدودها الجنوبية المفتوحة مع دول هشة، مثل النيجر وتشاد ومالي، تجعلها بوابة سهلة لعبور المهاجرين، في حين توفر سواحلها الممتدة على المتوسط آلاف الكيلومترات من منافذ الانطلاق نحو إيطاليا ومالطا واليونان.

هذا الموقع الجغرافي حوّل ليبيا إلى ساحة ضغط متبادل بين أوروبا والسلطات الليبية. إذ ينظر الاتحاد الأوروبي إلى ليبيا ليس من زاوية استقرارها الداخلي أو تنميتها، بل بوصفها “خط الدفاع الأول” لوقف تدفق المهاجرين. ومن ثمّ، انصبّ جلّ الجهد الأوروبي على دعم “خفر السواحل” الليبي، وتمويل مراكز احتجاز، بدلا من الاستثمار في بناء مؤسسات الدولة أو معالجة جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.

إلا أن هذا التعاطي الأمني الضيق جعل الملف أكثر تعقيدا. فالعديد من الميليشيات الليبية تحوّلت إلى “شركاء” ضمنيّين في تجارة البشر، حيث تسيطر على مراكز احتجاز أو شبكات تهريب، وتستخدمها ورقة ضغط سياسي ومالي على الحكومات المتعاقبة في طرابلس، أو وسيلة للتفاوض مع أوروبا. وبذلك أصبحت الهجرة غير الشرعية مصدرا من مصادر “اقتصاد الحرب” في ليبيا، يعزز من نفوذ بعض الجماعات المسلحة، ويضعف سلطة الدولة.

تداعيات جيوسياسية

قطعا، فإن استمرار وضعية عدم الاستقرار في ليبيا، لم تعد مسألة داخلية تخص الليبيين وحدهم، بل تحوّلت إلى عامل إقليمي ودولي مؤثر في الأمن والسياسة. فليبيا بحكم موقعها الجغرافي، تمثل قلب شمال أفريقيا وبوابة الجنوب الأوروبي؛ وبالتالي، فإن ارتدادات أزمتها تتجاوز حدودها الوطنية لتطال المحيط المباشر في عدة مستويات:

1– شمال أفريقيا.. ارتدادات أمنية واقتصادية:

بالنسبة لدول الجوار في شمال أفريقيا، مثل مصر وتونس والجزائر والسودان، فإن استمرار الفوضى في ليبيا يشكّل تهديدًا مباشرا.

٭مصر.. تعتبر أن أمن شرق ليبيا جزء لا يتجزأ من أمنها القومي. لذا، تتابع القاهرة عن كثب تطورات درنة وبنغازي والهلال النفطي، خوفا من انتقال الجماعات المتشددة عبر حدودها الغربية الممتدة والمفتوحة. كما أن أي اضطراب في تدفق النفط والغاز الليبي يؤثر على مشاريع الطاقة المشتركة.

٭تونس.. تواجه تحديات اقتصادية وأمنية مرتبطة بليبيا، حيث يعتمد آلاف العمال التونسيين على السوق الليبية؛ فيما تشكّل الميليشيات غير المنضبطة مصدر قلق، بسبب تهريب السلاح عبر الحدود.

٭الجزائر.. من جهتها ترى في الجنوب الليبي تهديدا مباشرا لاستقرارها، خصوصا أن الجماعات المتطرفة والمهربين يتحركون بحرية عبر الصحراء. ولذا انخرطت الجزائر في مسارات الوساطة السياسية خشية أن يتحول الجنوب الليبي إلى نقطة جذب للإرهاب العابر للحدود.

٭السودان.. يعاني من تسرب السلاح والمقاتلين من ليبيا، ما يفاقم أزماته الداخلية، خاصة مع وجود مرتزقة سودانيين شاركوا في القتال الليبي.

إذن فإن ليبيا غير المستقرة تعني شمال أفريقيا غير المستقر. وهذا يفسر لماذا تبقى دول الجوار لاعبًا رئيسًا، سواء عبر التدخل المباشر أو عبر رعاية حوارات المصالحة.

2 – جنوب أوروبا.. ضغوط الهجرة والطاقة:

أما بالنسبة لدول جنوب أوروبا، وخاصة إيطاليا ومالطا واليونان وإسبانيا، فإن استمرار الفوضى في ليبيا يمثل معضلة استراتيجية.. لكل منها.

٭الهجرة غير الشرعية.. ليبيا هي نقطة الانطلاق الرئيسة لقوارب المهاجرين نحو السواحل الإيطالية؛ وهذا جعل روما تتحرك بقوة في الملف الليبي، ليس فقط من خلال دعم خفر السواحل الليبي، بل عبر محاولات للتأثير على موازين القوى الداخلية.

٭ملف الطاقة.. أوروبا، التي تسعى لتقليل اعتمادها على الغاز الروسي بعد حرب أوكرانيا، ترى في ليبيا بديلا مُهمًّا. لكن غياب الاستقرار يعطل الاستثمارات ويجعل الإمدادات النفطية والغازية غير مضمونة، وهو ما يضر بأمن الطاقة الأوروبي.

٭إشكالية الأمن.. وجود جماعات مسلحة غير منضبطة وقريبة من المتوسط، يثير مخاوف أوروبية من احتمال عودة تنظيمات متشددة للتمركز في ليبيا، ما يجعلها نقطة انطلاق لتهديد القارة.

ولذلك، تنظر أوروبا إلى ليبيا من زاوية مزدوجة: فهي، من جهة، تمثل خطرا يجب احتواؤه (الهجرة والإرهاب)؛ ومن جهة أخرى، فرصة يجب استغلالها (الطاقة). هذه الثنائية تجعل السياسات الأوروبية مترددة ومتناقضة؛ حيث تركز أكثر على الحلول الأمنية القصيرة الأمد بدل دعم مسارات بناء الدولة.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن ليبيا تعيش حالة “جمود مضطرب”، حيث تمنع التوازنات الداخلية والخارجية اندلاع حرب شاملة، لكنها أيضا تحول دون قيام دولة مستقرة. ورغم الجهود المتكررة للأمم المتحدة عبر مبعوثيها المتعاقبين، إلا أن مسار الحل السياسي ظل متعثرا. فكل جولات الحوار، سواء في الصخيرات أو برلين أو جنيف، أفضت إلى اتفاقات لم تُترجم على الأرض.

وبالتالي، فإن تداعيات عدم الاستقرار الليبي تتجاوز الداخل الليبي، بل والجوار المباشر، إلى العمق الأفريقي والمتوسطي. فغياب الدولة القوية في ليبيا جعلها جزءًا من شبكة معقدة تربط الساحل الأفريقي بالمتوسط. فالجماعات المتطرفة والمهربون يتحركون عبر جنوب ليبيا إلى مالي والنيجر وتشاد، ما يجعلها عقدة استراتيجية في أمن الساحل. أما في المتوسط، فإن التنافس بين تركيا وروسيا وإيطاليا وفرنسا على النفوذ في ليبيا، يعكس كيف أن الأزمة أصبحت مسرحا لصراع أوسع حول مستقبل البحر المتوسط.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى