وهذا ثَوْبَان.. يكفيه فخرا أنه كلما ذُكر حُبُّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- والتعلق به وعدم احتمال البعد عنه أو الارتضاء بغير صحبته بديلا.. إلا وذُكِرَ اسمه.
ثوبان خادم رسول الله الذي اختلف رواة السيرة في اسم ابيه فذهب البعض إلى أن اسمه بجدد وقال آخرون بل بالياء يعنون يجدد، وقال فريق جحدر.. لكن الأهم أن اسمه ارتبط بهذا الوصف الجميل.. مولى رسول الله.
لا تفاصيل عن حياة ثَوْبَان قبل أن يجده رسولنا الكريم في سوق مكة عبدا رقيقا يباع؛ فيشتريه المعصوم -صلوات ربي وسلامه عليه- ويعتقه لوجه الله ويخيره بين العودة إلى أهله والبقاء معه واحدا من آل بيت النبوة.. وما كان لثَوْبَان الذي تعلّق قلبه بالحبيب منذ رآه إلا أن يختار البقاء رفقة سيد المرسلين.
متى اشتراه نبينا -صلى الله عليه وسلم- على وجه التحديد؟ لا توجد إجابة قاطعة؛ والأقرب أن ذلك قد حدث قبيل هجرته إلى المدينة.. وتذكر المصادر أن ثَوْبَان كان من أهل السراة (منطقة تقع بين مكة واليمن) وأن قومه ينتسبون إلى قبيلة حِمْيَر، وكان لحِمْيَر مملكة عظيمة تمتد من اليمن إلى الحجاز.. وكانت المعارك الكبيرة تدور رحاها بينهم وبين الأحباش والفرس.. لكن ثَوْبَان أُسر في إغارة أو سبي بين قبيلته وقبيلة متاخمة لها.
في جبال السروات نشأ ثَوْبَان نشأة كريمة، طبعت نفسه بالفضائل وغذَّتها بشريف الخصال.. لا شك أن الأقدار كانت تعدّه لأمر جلل ومهمة عظيمة وهي ملازمة سيد الخلق أجمعين.. وكان ثَوْبَان “أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا”.
وإني لأنظر وجه ثَوْبَان -رضي الله عنه- وهو جالس تحت خيمة النخّاس في سوق مكة، مطمئن النفس هادئ الملامح كأنما ينتظر مسرّة كاملة تحمل قلبه إلى فرح مقيم.. وهذا محمد بن عبد الله الصادق الأمين بخطر في السوق بخطوات ثابتة، تجول نظراته بين ما يعرضه التجار والباعة.. ثم تلتقي عينا الحبيب محمد -صلوات ربي وسلامه عليه- بعيني ثَوْبَان الذي هبَّ واقفا من جلال وجمال من رأى.. تلك الصورة الرائعة التي غمرت خلايا روحه، واستقرت في فؤاده.. ولم تزل زاده في قادم أيامه حتى يلقى ربه راضيا مرضيا.
لازم ثَوْبَان النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن يفارقه إلا أن يأمره الرسول بذلك.. لكن ثَوْبَان -رضي الله عنه- كان يتألم لذلك أشد الألم فما كان يلبث أن يعود مسرعا.. لكن أفكاره كانت تذهب به بعيدا.
إذا كنت -يا ثَوْبَان- لا تصبر على فراق الرسول الأكرم في الدنيا؛ فماذا ستفعل في الآخرة؟ سيكون الرسول في الفردوس الأعلى، أما أنت إذا كنت من أهل الجنة، فستكون في درجة من الدرجات الدنيا. استولت تلك الفكرة على عقل ثَوْبَان حتى منعته النوم، وجعلته يعاف الطعام؛ حتى هَزُلَ جسمه وبدا ضعفه في شحوب وجهه، ولاحظ الحبيب محمد -صلوات ربي وسلامه عليه- ما حلَّ به فأتاه ذاتَ يومٍ وقد تغيَّر لونه ونحل جسمه، يُعرَفُ في وجهِهِ الحزن، فقال له: “يَا ثَوْبَانُ مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ”؟ فقال: يا رسول الله ما بي من ضُرٍّ ولا وجعٍ غير أنِّي إذا لم أَرَكْ اشتقتُ إليك واستوحشتُ وحشةً شديدةً حتى ألقاك، ثم ذكرتُ الآخرة وأخافُ ألَّا أراكَ هناك؛ لأنِّي أعرف أنَّك تُرْفَعُ مع النبيين، وأنِّي وإنْ دخلتُ الجنَّة كنتُ في منزلةٍ أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنَّة فذاك أحرى ألَّا أراك أبدًا”، ويسمع الودود الخبير العليم بقلوب عباده المؤمنين قول ثَوْبَان، ويرى ما صار إليه حاله، فينزل القرآن من فوق سبع سموات مطمئنا قلبه الرقيق، أنه لا يفارق حبيبه في الآخرة ما لزم طاعة الله ورسوله. قال تعالى “وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَـٰئِكَ رَفِيقا” (النساء: 69).
إن مكانة ثَوْبَان ومنزلته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رفعته إلى درجة منعته عما لا يمتنع عنه آحاد الناس؛ فهو لا يسأل الناس شيئا ولا يقف بِسُدَّةِ سلطان، ولا يقبل عطية أمير، ولا يقبل بالإمارة.. فاستحق أن يكون من آل بيت النبوة كما أخبره المعصوم يوم خيّره بين العودة إلى لأهله أو البقاء معه.
وقد شهد ثَوْبَان المشاهد كلها مع رسول الله، خادما وملازما ومدافعا عنه ضد أعداء الله.. وفي غير موضع، ودّ ثَوْبَان لو يفتدي نبي الله بحياته.. إن ذلك الأمر بالنسبة له كان أحبّ إليه مما سواه، فليس أعظم من أن يضحي المرء حياته فداءً لمن يحب؛ وهو أمر جدير بأن يرفع درجته في الجنة، كما أن مفارقة الحياة قبل رسول الله كان مما يرجوه ثَوْبَان.. فهو لا يتصوّر الحياة بعد رسول الله.
لكن قضاء الله يشاء أن يلحق الرسول الأعظم بالرفيق الاعلى في حياة ثَوْبَان.. ويمكن لنا أن نتخيّل ما حلَّ به في ذلك اليوم.. ولو طاوعته روحه في ذلك اليوم لخرجت إلى بارئها حزنا على فراق الحبيب.. لكنه قضاء الله الذي لا راد لقضائه.
أما المدينة وكانت أحبَّ بقاع الأرض إلى قلب ثَوْبَان.. إذا بها تضيق؛ حتى تكاد تخنقه.. فهنا كان يسير مع رسول الله.. وهناك جلسا يستريحان ويتجاذبان أطراف الحديث.. وفي تلك البقعة ابتسم النبي له؛ فأشرق وجهه -صلوات ربي وسلامه عليه- فكأنه البدر في ليلة التمام.. وفي هذا الموضع وقف الحبيب وأشار إلى نفر من أصحابه؛ فأسرعوا بالمضي قدما إلى ما أمرهم به.. هنا كان يصلي وهناك كان يدعو.. وعلى هذا الجبل كبّر.. لكن المواضع كلها اليوم خلت من أعز وجود لموجود.. فصارت قفرا يبابا لا طاقة لثَوْبَان بالبقاء فيه.
ربما لزم ثَوْبَان في تلك الأيام العصيبة داره لا يخرج منها إلا للصلاة.. ونحن نستشعر تلك اللحظات وهو يدخل إلى مسجد رسول الله، وحيدا وقد أغرقت الدموع وجهه ولحيته.. يلقي بناظريه إلى القِبلة؛ حيث كان يرى الرسول مصليا أو جالسا يذكر الله أو يحدّث أصحابه.. ينقبض قلبه من شدة الألم.. فكأنما سكنه حزن الدنيا.. فما يلبث أن يعود إلى بيته، وقد لفّه الصمت والذهول.
يشفق عليه أصحابه فينصحونه بمغادرة المدينة إلى الشام فيفعل؛ وينزل بالرملة من أرض فلسطين الحبيبة، ويبتني بها دارا، ويبقى فيها لبعض الوقت.. ثم يغادرها إلى مصر فيتخذ بها دارا أخرى ويلبث فيها فترة ثم يغادر إلى حِمْص.. ويبقى بها حتى نهاية حياته، يُعلّم الناس ويروي لهم عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث.. ويصف لهم كيف كان النبي يتواضع للبسطاء ويخفض جناحه للمؤمنين. ومن المعروف أن ثَوْبَان روى عن رسول الله، 128 حديثا.
من المؤكد أن ثَوْبَان كان يلقى الحفاوة أينما حلَّ لمكانته الرفيعة، ومنزلته عند الرسول الأكرم وملازمته إياه لسنوات.. إلا أن كل ذلك لم يكن ليعني له شيئا.. لقد كان زاده في تلك الأيام، ذكرياته مع الحبيب محمد.. تلك الأيام التي وصفها ثَوْبَان بأنها كانت بلا نظير.. فأي شيء يعدل أن يكون وجه رسول الله شمسه وقمره في الصباح والمساء.
وحين يوافيه الأجل، وقد تجمّع جمٌ غفير من أهل حمص في بيته، وقد أتته البشرى بلقاء الأحبَّة- يقول ثَوْبَان: “لا أبالي إلى أين صار جسدي بعد موتي، إنما كانت لي أيامٌ أعيش فيها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا أجد لها نظيرا”. رضي الله عن ثَوْبَان مولى الحبيب محمد، واللهم بلغنا بحب رسولك الكريم الدرجات العلا وصحبته.. إنك على ما تشاء قدير.








