رؤى

القوة المشتركة الليبية التشادية.. وصراع الجنوب الليبي

في خطوة تعكس إدراكا متزايدا لخطورة التهديدات العابرة للحدود، أعلن الجيش الليبي عن تشكيل قوة مشتركة مع نظيره التشادي لتأمين الحدود بين البلدين. هذه الخطوة، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، لا تمثل فقط محاولة لمواجهة الأنشطة الإجرامية المتنامية في المنطقة، بل تحمل أيضا دلالات عميقة تتعلق بالصراع الداخلي على السلطة في ليبيا، والتنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في منطقة جنوب ليبيا والساحل الأفريقي.

بعبارة أخرى، رغم أن هذه الخطوة، تقدم في ظاهرها معالجة أمنية لمشكلة قديمة، إلا أنها تحمل في عمقها دلالات سياسية وجغراسياسية ترتبط بإعادة ترتيب موازين النفوذ داخل ليبيا، ولا سيما بين الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، وحكومة عبد الحميد الدبيبة المسيطرة على العاصمة طرابلس. ولذلك، فإن فهم هذا التطور يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من التدابير الأمنية المباشرة، نحو رؤية الجيش الليبي لطبيعة تهديدات الجنوب، وإلى صراع الشرعية والسلطة الذي ينعكس على الجغرافيا الليبية من أقصاها إلى أقصاه.

دوافع التشكيل

من الناحية الأمنية، تمثل الحدود الليبية التشادية، التي تمتد لأكثر من 1050 كيلومترا، تحديا كبيرا لكلا البلدين بسبب طبيعتها الصحراوية التي يصعب مراقبتها. وقد أصبحت هذه المنطقة ملاذًا آمنا للعديد من الشبكات الإجرامية التي تنشط في تهريب السلاح والمخدرات والهجرة غير الشرعية، بالإضافة إلى جماعات مسلحة تستفيد من عدم الاستقرار في كلا البلدين.

بالنسبة للجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر، فإن تأمين هذه الحدود يمثل أولوية استراتيجية لعدة أسباب.. أولا، تهدف هذه الخطوة إلى قطع الطريق على تهريب الأسلحة، الذي يغذي الجماعات المسلحة المعارضة للجيش في شرق وجنوب ليبيا. وثانيا، تسعى القيادة العسكرية في شرق ليبيا إلى تعزيز شرعيتها محليا ودوليا، من خلال إظهار قدرتها على حماية حدود البلاد والتصدي للتهديدات الأمنية. وثالثا، تأمل هذه القيادة في تحسين صورتها الدولية، التي تضررت بسبب اتهامات بارتكاب انتهاكات حقوقية، من خلال لعب دور في مكافحة الهجرة غير الشرعية والجريمة العابرة للحدود التي تثير قلقا أوروبيا واسعا.

أما من المنظور التشادي، فإن التعاون مع الجيش الليبي يأتي في إطار جهود الحكومة الانتقالية لتعزيز الأمن بعد وفاة الرئيس إدريس ديبي، الذي قُتل أثناء زيارته للجبهة في شمال تشاد، في عام 2021. كما أن تشاد تدرك جيدا أن استقرارها مرتبط باستقرار جارتها الشمالية، خاصة بعد أن شهدت السنوات الأخيرة تدفقا للاجئين ومقاتلين عبر الحدود من ليبيا.

صراع النفوذ

لا يمكن فصل تشكيل هذه القوة المشتركة عن الصراع الدائر بين الجيش الليبي في الشرق، الذي يدعمه البرلمان وحكومة أسامة حماد، وحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة في الغرب. فمنذ سنوات، يمثل جنوب ليبيا ساحة تنافس بين القوتين، حيث تسيطر مليشيات مختلفة على مناطق في الجنوب، وتتقلب ولاءاتها بين الطرفين.

من منظور حكومة الدبيبة في طرابلس، فقد تنظر إلى هذه الخطوة بعين الريبة، خاصة أنها تحدث دون تنسيق معها. ويمكن أن تفسرها على أنها محاولة من الجيش الليبي لتهميش دورها دوليا وإقليميا، وتعزيز شرعية الحكومة المنافسة في الشرق. وهذا بدوره قد يزيد من حدة التوتر بين الشرق والغرب، ويضعف جهود التوصل إلى حل سياسي شامل في ليبيا.

أما بالنسبة للجيش الليبي، فإن تعزيز وجوده في الجنوب عبر التعاون مع تشاد يمثل مكسبا استراتيجيا في هذا الصراع. فمن خلال تأمين الحدود الجنوبية، يعزز الجيش الليبي موقعه في المنطقة ويقطع الطريق على أي دعم محتمل قد تتلقاه المليشيات المنافسة من خارج الحدود. كما أن هذا التعاون يمنح الجيش الليبي شرعية إضافية في التعامل مع الجوار الإفريقي، بوصفه شريكا في مكافحة الجريمة والإرهاب.

أضف إلى ذلك، أن للجيش الليبي مصلحة واضحة في منع أي استخدام سياسي للجنوب، يمكن أن يؤثر في موازين القوى. فكلما زاد الفراغ الأمني، زادت إمكانات استغلاله من قوى سياسية أو عسكرية تعمل خارج سلطة الجيش؛ وهذا ما يجعله يسعى إلى ضبط الحدود وتقليل قدرة العصابات والمليشيات على التحرك بحرية. كما أن التعاون مع تشاد يمنحه بعدًا إقليميًا، ويعطي انطباعا بأنه يحظى بشرعية عملية تتجاوز الانقسام السياسي الداخلي، خصوصا أن دول الجوار تنظر عادة ببراغماتية إلى من يملك القوة الفعلية على الأرض.

هذا التحالف العسكري المشترك، لا يمكن فصله أيضا عن التوترات الإقليمية في الساحل الأفريقي، حيث أعادت الانقلابات العسكرية في النيجر وتشاد ومالي وبوركينا فاسو تشكيل خريطة العلاقات الأمنية. تشاد تحديدًا تواجه ضغوطا داخلية من التمردات المتكررة، وتتحرك نحو الشراكة مع قوات تمتلك نفوذا على حدودها الشمالية، لدرء خطر الجماعات المسلحة التي قد تستخدم الجنوب الليبي كملاذ آمن. ومن ثم، فإن نجامينا تجد في الجيش الليبي شريكا موثوقا لإعادة بناء منظومة أمن الحدود، خاصة بعد أن شهدت السنوات الأخيرة نشاطا مكثفا لبعض المتمردين التشاديين داخل الأراضي الليبية.

تحديات متوقعة

رغم الأهداف الطموحة للقوة المشتركة، فإنها تواجه تحديات جسيمة قد تعيق تحقيقها النتائج المرجوة. أول هذه التحديات يتمثل في الضبابية السياسية في كلا البلدين؛ فليبيا ما زالت منقسمة بين حكومتين، وتشاد تمر بمرحلة انتقالية هشة بعد وفاة رئيسها الذي حكم لأكثر من ثلاثة عقود.

هذا فضلا عن أن الحدود الليبية التشادية واسعة للغاية، وتخترق مناطق صحراوية قاسية، يصعب على أي قوة – حتى لو كانت مشتركة – إحكام السيطرة عليها. كما أن القبائل المنتشرة في المنطقة، مثل التبو والزغاوة وغيرها، تملك امتدادات اجتماعية داخل تشاد وليبيا، وغالبا ما تمتلك مواقف متحولة بحسب الظروف السياسية، ما يجعل التعامل معها جزءا أساسيا من أي استراتيجية أمنية. وربما يكون التحدي الأكبر هو استمرار الانقسام السياسي داخل ليبيا؛ إذ قد تنظر بعض القوى المحسوبة على طرابلس إلى هذا التحالف العسكري على أنه محاولة لتعزيز نفوذ الجيش الليبي على حساب السلطة المركزية في الغرب الليبي.

ومع ذلك، فإن هذه التحديات لا تلغي أهمية الخطوة، بل تؤكد أن الجنوب الليبي أصبح محورا رئيسا لإعادة ترتيب موازين القوى في البلاد. فالتحديات الأمنية في الجنوب ليست محلية فحسب، بل إقليمية وعابرة للحدود، ولذلك لم يعد ممكنًا التعامل معها بمنطق الصراع الداخلي بين حكومتين، بل بمنطق الشراكات الدولية والإقليمية. وربما يسهم هذا التعاون في رسم ملامح جديدة للتنسيق الأمني بين ليبيا ودول الساحل في المستقبل، إذا ثبتت فعاليته.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن تشكيل قوة مشتركة بين الجيش الليبي والجيش التشادي خطوة تحمل أبعادا مزدوجة: فهي من جهة استجابة عملية لحاجة ملحة لإغلاق واحدة من أخطر الحدود في المنطقة؛ ومن جهة أخرى، تعبير عن تنافس سياسي على النفوذ في الجنوب، ووسيلة لتعزيز موقع الجيش الليبي في المعادلة الداخلية. وبين البعدين الأمني والسياسي، تتشكل صورة جديدة للجنوب الليبي، لا يمكن فهمها إلا باعتبارها جزءا من صراع أوسع على مستقبل السلطة في ليبيا، وعلى إعادة بناء الدولة وحدودها وأمنها.

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى