ثقافة

زهرة المدائن (11): القدس.. ومسجد قبة الصخرة

عندما حضر أمير المؤمنين، الخليفة عمر بن الخطاب، لتسلم مدينة القدس (إيلياء) كما طلب صفرونيوس بطريرك الروم من أبي عبيدة بن الجراح، وكتب عمر “وثيقة الأمان” التي سميت بالعهد العُمَري (15 هـ / 636 م) طلب عمر بن الخطاب من صفرونيوس أن يَدُلَّه على مكان الأقصى المبارك والصخرة المشرفة، وقد كانا وقتها مهجورين مهملين.

وحينما دَلّه البطريرك على مكان الصخرة، التي كان يعلوها التراب والنفايات، أخذ عمر بن الخطاب ينظف الصخرة بيديه وطرف ردائه، ومعه الصحابة يرفعون التراب، حتى تم تنظيف الصخرة التي يبلغ طولها من الشمال إلى الجنوب 17.70 مترا، وعرضها من الشرق إلى الغرب 13.50 مترا، وسمكها 2 م.

بناء وتجديد المسجد

وقد أمر عمر بن الخطاب ببناء مسجد يتسع لثلاثة آلاف من المصلين عند الصخرة التي لها منزلة خاصة في قلوب المسلمين؛ لكن مسجد عمر كان مبنيا من الخشب، وبالتالي لم يصمد وتهدم نتيجة لبعض الزلازل والعوامل المناخية الأخرى.

وعندما عزم عبد الملك بن مروان، خامس خلفاء بني أمية، على بناء مسجد يليق بمكانة القدس في الإسلام، وبمكانة قدسية الصخرة المشرفة، ولما لهذه الصخرة من منزلة دينية وروحية عند المسلمين؛ لاعتقادهم أن الرسول الكريم –عليه الصلاة والسلام– عرج إلى السماء منها، في ليلة الإسراء والمعراج.. كتب إلى ولاة الدولة الإسلامية ليأخذ مشورتهم في الفكرة، فأشاروا عليه بالإقدام على هذا العمل، وأثنوا علي الفكرة وشجّعوه على تنفيذها؛ حسب ما جاء في كتاب المنهاجي السيوطي “إتحاف الأَخِصَّا في فضائل المسجد الأقصى”.

وقد شرع عبد الملك بن مروان في بناء مسجد قبة الصخرة (في عام 65 ـ 66 هـ / 682 م) فوق وحول الصخرة المشرفة مباشرة وسط الحرم القدسي الشريف، بتصميم فريد لم يعرف من قبل في عمارة المساجد الإسلامية، ليتميز ببساطة التصميم وتناسق الأجزاء ودقة النسب، وليتفوق على سائر المباني الإسلامية بجماله الأخاذ وفخامته وروعته وإبداع زخرفته ورسومه.

مسجد قبة الصخرة

والواقع، أننا إذا ما اقتربنا من مسجد قبة الصخرة، كصرح إسلامي معماري جميل، بسيط وبديع، فريد الطراز لتمجيد الصخرة وتعظيمها، في أعلى بقعة تتوسط ساحة الحرم القدسي الشريف (ساحة الأقصى المبارك).. وكما يوضح مجاهد علي شراب في ندوة “القدس التاريخ والمستقبل، 1997” نجد أنه يتكون من بناء وضلع مثمن الشكل، قوامه “تثمينة” خارجية من الجدران، تليها من الداخل “تثمينة” أخرى من الأعمدة والأكتاف (الدعامات) داخلها أيضا “دائرة” من الأعمدة والأكتاف؛ وفوق الدائرة الداخلية التي تحيط بالصخرة المشرفة “قبة” مرفوعة على “رقبة” أسطوانية فيها ست عشرة نافذة مفتوحة من 32 نافذة في الجدران.

و”القبة” خشبية مزدوجة الكسوة، مكسوة من الداخل بطبقة من الجفت المذهب المزخرف. وكانت القبة مَكْسُوَّة من الخارج بطبقة من النحاس المذهب، ثم استبدل بالنحاس الرصاص؛ ثم بعد إصلاحات وترميمات، استبدل الألمنيوم المذهب بالرصاص، ثم رممت القبة من جديد وكسيت بالنحاس المذهب تعلوه طبقة من الذهب الخالص.

وقد بلغ التناسق والانسجام بين هندسة البناء المعمارية، وبين كسوته الداخلية المنمقة بالفسيفساء والزخارف والرسوم والآيات القرآنية وطبقة الرخام الملون، وكسوته الخارجية المنمقة بالرخام والخزف (القيشاني) والنقش والزخرفة والآيات القرآنية بالخطوط العربية الأصلية – حدًا من الإعجاز والعبقرية والإبداع والدقة والجما، بما لا يُزاد عليه.

ولعل مثل هذا الوصف، لا يمكن أن يوفي قبة الصخرة ما تستحق؛ إذ يكفي أن نرى كيف تصفها الموسوعات..

فالموسوعة الفلسطينية تصفها قائلة: “إن قبة الصخرة في هندستها وشكلها وزخرفتها، كانت ولا تزال، من أجمل وأروع المباني التي أتحف بها العالم، وقلما يوجد في مباني العالم ما يفوقها أو يضارعها بهاءً وروعة وجمالًا”.

وتؤكد الموسوعة هذا الجمال وتلك الروعة، فتقول: “فزيادة على زخرفة سقوفها المذهبة وجدرانها الرخامية ونوافذها الزجاجية، فإنها تفتن العين بالفسيفساء وجمال تأليفها وألوانها، التي جاءت كلها على أحسن تناسق وانسجام”.

أما “موسوعة الفن في العصر الأموي” فتصف قبة الصخرة بأنها: “أعظم العمائر الإسلامية في الفخامة وإبداع الزخرفة. وهى تمتاز بالبساطة في التصميم وتناسق الأجزاء”.

وتضيف الموسوعة: “ومن آيات الإعجاز في التصميم، في بناء قبة الصخرة، أنه روعي فيه أن يكون في دائرة دعامات القبة لفت بسيط، حتى لا تحجب الأعمدة الواقفة أمام الرائي للأعمدة الأخرى المقابلة لها في الطرف الآخر، ولذلك يتسنى لمن يدخل من أي باب من أبوابها أن يرى كل ما فيها من أعمدة وأكتاف، سواء منها ما كان أمامه تمامًا أو ما كان في الجهة المقابلة”.

وقد تناول المؤرخون والكتّاب وعلماء الآثار والفنون، وحتى الرحّالة والمستشرقون، أوصاف بيت المقدس، ودرته المكنونة الحرم القدسي الشريف بمسجده الأقصى وقبته المشرفة من كافّة الأوجه؛ وأجمعوا على أن “قبة الصخرة” من أجمل أماكن العبادة الشهيرة في التاريخ، من حيث إنها “من أجمل الأبنية الموجودة فوق سطح البسيطة”.

أبواب وعمارة المسجد

أما إذا انتقلنا إلى المسجد ذاته.. فسوف نجد أنه عبارة عن مضلع ثماني الشكل من الجدران (داخله مضلع مثمن آخر من الأعمدة والدعائم) يبلغ طول ضلعه (جداره) الخارجي 20.59 مترًا، وارتفاعه 9.50 مترًا؛ إضافة إلى التصوينة فوق الجدران، تلك التي بلغ  ارتفاعها 2.60 مترًا.

إضافة إلى ذلك، فإن جميع أضلاع المبنى الثمانية متساوية، ففيه أربعة أبواب تفتح على الاتجاهات الأربعة، في أربعة جدران خارجية، يبلغ عرض كل منها 2.55 مترًا، وارتفاعه 4.35 مترًا.

والأبواب الأربعة، كما يذكر عارف العارف في كتابه “تاريخ القدس، 1951” هي: الباب الشمالي واسمه “باب الجنة” ويقابل “باب فيصل” في سور الحرم، والباب الشرقي ويسمى “باب داود” ويقع في اتجاه “قبة السلسلة” (النموذج الأول التي بنيت عليه قبة الصخرة) والباب الغربي ويسمى “باب القطانين” ويقع قبالة باب القطانين؛ ثم باب المظهرة على سور الحرم، وكذلك مقابل سبيل قايتباي.

أما الباب الجنوبي، ويقابل المسجد الأقصى والكأس التي أمامه، وهو أكبر الأبواب بقبة الصخرة وأغناها نقوشا وزخرفة، وتقوم مظلة مدخله على ثمانية أعمدة رمادية اللون مشجرة (رخامية) تيجانها كورنثية وقواعدها مكعبة لونها أبيض ناصع.

وتكمن براعة هندسة البناء، في أن الداخل من أي من الأبواب الأربعة للمسجد يستطيع أن يري جميع ما في داخل البناء من الأعمدة والأكتاف (الدعائم) في كل أطراف المكان… يتبع.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock