رؤى

تسعون عاما على استشهاد شيخ المجاهدين.. عز الدين القسام

في حين تمر المقاومة الفلسطينية بمنعطف خطير، بعد إقرار مجلس الأمن فجر الثلاثاء الماضي، للمشروع الأمريكي المعروف بخطة ترامب بشأن قطاع عزة، والذي اعتبرته المقاومة بمثابة فرض “وصاية دولية” على القطاع المحاصر- تأتي الذكرى التسعون لاستشهاد شيخ المجاهدين الشيخ محمد عز الدين القسام؛ لتلهمنا درسا في الصمود والصبر والثبات في أحلك الظروف.

القسام المولود في جبلة بالقرب من اللاذقية بالساحل السوري عام 1882، والذي انتظم في التعليم الديني في بلاده، ثم انتقل إلى مصر للدراسة بالأزهر الشريف، قبل أن يعود إلى سورية مجددا عام 1903، ليعمل بالوعظ الديني إماما وخطيبا.. ثم ينخرط في صفوف المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي في بلاد الشام- رجل قدم النموذج والمثل لرجل الدين المجاهد الذي لم يكتف بجهاد الكلمة، فحمل السلاح في وجه أعداء الله، وأشعل ثورة النضال ضدهم.

خاض القسام معارك عنيفة ضد الاحتلال الفرنسي البغيض بالساحل السوري.. لكنه يقرر في عام1920، الانتقال إلى فلسطين، بعد تضييق الخناق عليه.. وبدء الشيخ من حيفا ممارسة الدعوة ونشر روح المقاومة بين أبناء الشعب الفلسطيني، ضد الاحتلال البريطاني.

على مدى خمس سنوات اهتم القسام بالتربية الروحية للشباب، ومحاربة العادات السيئة في المجتمع، قبل أن يقرر في عام 1925، البدء في تكوين مجموعات صغيرة من الفلاحين والعمال، وتدريبهم على حمل السلاح.

كان الريف الفلسطيني مجالا مناسبا لانتشار الخلايا “القسامية” بعد أن دبّر الشيخ أمر توفير السلاح عبر الحدود السورية واللبنانية.

ويعتبر الشيخ أول من صاغ فكرة “المقاومة المسلحة المنظمة” في فلسطين قبل اندلاع الثورة الكبرى ربيع 1936.

خلال الفترة من 1930، إلى تاريخ استشهاد الشيخ.. توسعت أعمال المقاومة ضد الانتداب البريطاني، وقطعان المستوطنين الصهاينة؛ وذلك عقب أحداث أغسطس 1929، المعروفة بثورة البراق؛ حين نظّم اليهود المتطرفون مظاهرة كبرى عند حائط البراق، ورفعوا الشعارات التي اعتُبرت استفزازا مباشرا للمسلمين، بالتوازي مع جهود تنظيمات يهودية للسيطرة على المكان وإدخاله ضمن “الحقوق الدينية اليهودية”.

جرّاء ذلك اندلعت مظاهرات ضخمة في مدينة القدس، ثم امتدت إلى مدن: الخليل، صفد، طبريا، نابلس، يافا، عسقلان، غزة، وبيسان.

استشهد في الأحداث 116 فلسطينيا، بالإضافة إلى نفوق 69 صهيونيا في الخليل، و133 في مختلف المناطق.

بعد ذلك وضع الانتداب عيونه على العصبة القسامية، فقرر الشيخ إعلان الجهاد ضد الانتداب واليهود، ومن على منبر جامع الاستقلال بمدينة حيفا، خطب الشيخ خطبة قال فيها: “أيها الناس، لقد علّمتكم أمور دينكم حتى صار كل واحد منكم عالما بها، وعلّمتكم أمور وطنكم حتى وجب عليكم الجهاد، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، فإلى الجهاد أيها المسلمون، إلى الجهاد أيها المسلمون”.

عقب مغادرته الجامع بنحو ساعة كانت سلطة الانتداب، تبحث في كل شبر في حيفا عن الشيخ.. لكنه كان قد غادر إلى الجبال مع رفاقه وكان ذلك في ليلة 27 من أكتوبر 1935.

كان مقصد الشيخ، قضاء جنين حيث كان المجاهد الشيخ فرحان السعدي في انتظارهم في قرية نورس.. وكانت السلطات قد كثفت عمليات البحث عن القسام ورفاقه، ورصدت المكافآت لمن يرشد عنهم؛ مع إشاعة الأكاذيب بشأنهم لتضليل الناس.

في الثامن عشر من نوفمبر 1935، ترك القسام وصحبه جبال كفر قود، واتجهوا نحو خربة الشيخ زيد قُرب قرية يعبد؛ ولما لاحظ الشيخ ورفاقه أن عيون الجواسيس تترصدهم؛ قرروا الانقسام إلى مجموعتين، تتجه الأولى نحو حيفا والناصرة شمالا وتقطع خطوط الهاتف، وتخرّب السكك الحديدية، وتتجه الثانية إلى ضواحي يعبد بقيادة القسام، قبل أن يعاود الفريقان اللقاء في الوادي الأحمر بين نابلس والغور.

في اليوم التالي أصبحت تحركات الجماعة تلاقي صعوبة شديدة، فقد وصل إلى جنين عدد كبير من رجال المخابرات والجواسيس، وانبثوا بين الناس في قرى القضاء، وكانوا يتخفون في أزياء فلسطينية.

وصل القسام وصحبه خربة الشيخ زيد، ونزلوا في بيت الشيخ سعيد الحسان حتى صبيحة الأربعاء 20\11\1935، يوم استشهاد الشيخ.

دارت المعركة في أحراش يعبد بين الشيخ ورفاقه وهم تسعة رجال، وقوات الشرطة وهم عدة مئات من العرب والإنجليز، الذين خدعوا العرب ولم يعلموهم بحقيقة من يطاردون، وأخبروهم أنهم خرجوا إثر جماعة من اللصوص.

استمرت المعركة من الصباح الباكر حتى قبيل صلاة العصر، أبلى المجاهدون فيها بلاء حسنا ورفضوا النجاة بأرواحهم رغم سهولة ذلك، واستمروا في القتال وأجهزوا على 15 إنجليزيا ولم يُقتل عربي واحد، بعد أن أمر القسام رجاله باستهداف الإنجليز فقط.

استشهد القسام وثلاثة من أصحابه هم: يوسف عبد الله الزيباوي من قرية الزيب في قضاء عكا، وعطية أحمد المصري وهو مصريّ جاء عاملا إلى حيفا، وأحمد سعيد الحسان من نزلة زيد. وقبض على الباقين وصدرت ضدهم أحكام بالسجن المؤبد.

إن صمود القسام وجهاده ضد أعداء أمتنا؛ سيظل درسا ملهما للأجيال المؤمنة بجدوى المقاومة؛ مهما تكالب عليها أعداء الداخل والخارج.. وستبقى كلمات القسام “الموت ولا المذلّة” خالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. رحم الله القسام وكل شهدائنا الأبرار.. ولا عزاء للمثبطين.

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى