رؤى

القمة الأوروبية الأفريقية.. وإشكاليات المعادن الحيوية

شهدت مدينة لواندا الأنغولية، الثلاثاء الماضي انعقاد قمة أوروبية أفريقية جديدة، سعت إلى إعادة رسم معالم العلاقة بين القارتين، في ضوء تحوّلات سياسية واقتصادية و”جغراستراتيجية” عميقة يشهدها العالم. وعلى مدى يومين من النقاشات المكثّفة، خرج القادة المشاركون بتعهّدات توسّعت في نطاقها لتشمل تعزيز التبادلات التجارية، وتوطيد الجهود المشتركة للتصدّي للهجرة غير النظامية، وتطوير شراكات تضمن لأوروبا وصولا مستقرا إلى المعادن الحيوية؛ في مقابل دعم أوسع لجهود أفريقيا في خلق الوظائف وتحقيق النمو.

غير أنّ خلف هذا الإعلان الدبلوماسي تبدو شبكة واسعة من الدوافع المعقّدة، سواء لدى الأوروبيين الذين يشعرون بأنّ نافذتهم على أفريقيا تتقلّص في ظل توسّع نفوذ قوى عالمية أخرى، أو لدى الأفارقة الذين يحاولون تحويل هذا التنافس الدولي إلى مكاسب تنموية ملموسة.

دوافع أوروبية

منذ نهاية ما أُصطلح على تسميتها “الحرب الباردة”، لم تنقطع الروابط بين أوروبا وأفريقيا، لكنّها اتخذت طابعا متفاوتا بين شراكات اقتصادية وبرامج دعم إنمائي، وبين تدخّلات أمنية في بعض مناطق الساحل الأفريقي. غير أنّ السنوات الأخيرة حملت تحوّلا نوعيا في الذهنية الأوروبية تجاه القارة السمراء؛ إذ صار يُنظر إليها باعتبارها ضرورة استراتيجية لا مجرد جار جغرافي.

ويمكن تحديد دوافع هذا الاهتمام في أربعة مسارات رئيسة:- المسار الأول التحولات الديموغرافية.. فالقارة الأفريقية هي الأسرع نموا في العالم “سكانيا”، ومن المتوقع أن يتجاوز عدد سكانها 2.5 مليار نسمة بحلول منتصف القرن الحالي. هذا النمو يطرح تحدياتٍ وفرصا في الآن ذاته. فمن جهة، ترى أوروبا أن غياب التنمية الكافية في أفريقيا قد يدفع ملايين الشباب إلى الهجرة نحو الشمال، ما يمثّل ضغطا على اقتصاداتها وأنظمتها الاجتماعية وسياساتها الداخلية. ومن جهة أخرى، تدرك أوروبا أن هذه الكتلة البشرية الكبيرة يمكن أن تكون سوقا استهلاكية هائلة، وشريكا اقتصاديا واعدا، إذا ما توفّرت البيئة السياسية والاقتصادية المناسبة.

– المسار الثاني: التحول في أسواق الطاقة العالمية.. فأوروبا، التي تتّجه سريعا نحو الطاقة النظيفة، تجد نفسها بحاجة ماسّة إلى مصادر بديلة من المعادن الحيوية الضرورية للتحوّل الأخضر، مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل والرصاص والعناصر الأرضية النادرة. ونظرا لوجود نسبة كبيرة من هذه المعادن في أفريقيا، خصوصا في الكونغو الديمقراطية، وزيمبابوي، وناميبيا، ومالاوي، تزداد الحاجة الأوروبية إلى إقامة روابط ثابتة مع الحكومات والقطاع الخاص في القارة، لضمان الإمدادات وتقليل الاعتماد على الصين.

– المسار الثالث: التنافس الدولي داخل القارة.. فموقع أفريقيا الاستراتيجي يجعلها ساحة جذب للفاعلين الدوليين. وبالنسبة لأوروبا، التي كانت تاريخيا اللاعب الدولي الأكثر حضورا في أفريقيا، فإن صعود الصين والولايات المتحدة وروسيا، وغيرهم، دفعها إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها. فالخوف من فقدان النفوذ، ومن أن يُعاد تشكيل موازين القوى العالمية دون مشاركة أوروبية فعّالة، يشكّل حافزا قويا لإعادة بناء العلاقات مع أفريقيا.

– المسار الرابع: التحديات العابرة للحدود.. فالأوروبيون يدركون أن معالجة جذور الهجرة غير النظامية، البطالة وضعف الفرص الاقتصادية، والنزاعات المحلية، وانهيار الخدمات- لا يمكن أن تكون من دون شراكة وثيقة مع الدول الأفريقية. وقد أصبحت هذه المسألة عنصرا محوريا في أي تفاوض بين الجانبين، خصوصا مع ضغوط الرأي العام داخل أوروبا.

أسباب أفريقية

تتقاطع مصالح الأوروبيين والأفارقة في بعض الملفات، لكنّها تتباين أو تتصادم في أخرى. ففي حين تطمح أفريقيا إلى إقامة شراكات اقتصادية متكافئة، تدعم البنى التحتية والابتكار وتمكين الشباب، فإنها تجد نفسها في خضم تنافس عالمي شرس على مواردها الطبيعية. وقد جعل هذا التنافس القارة ساحةً للتجاذبات الجغراسياسية، ومحطّ أنظار القوى الكبرى التي تسعى إلى تعزيز حضورها أو استعادة ما فقدته.

– الصين، كمثال، تُعدّ اليوم اللاعب الأكثر رسوخا في أفريقيا من حيث الاستثمارات والبنى التحتية. فمن خلال مبادرة “الحزام والطريق”، موّلت الصين مشروعات ضخمة في قطاعات الطرق والموانئ والسكك الحديدية والطاقة. وتقدّم بكين نفسها باعتبارها شريكا لا يشترط إصلاحات سياسية، وهو ما يشكّل عامل جذب للعديد من الحكومات الأفريقية. لكنّ هذه السياسة تواجه انتقادات تتعلّق بالديون والاعتماد المفرط على الشركات الصينية، إضافةً إلى المخاوف من تأثيرها على السيادة الاقتصادية للدول المضيفة.

– الولايات المتحدة (مثالا آخر) بدأت خلال السنوات الأخيرة تعيد بناء استراتيجيتها الأفريقية، بعد فترة من الفتور النسبي. وتركّز واشنطن على التنافس مع الصين تحديدا، من خلال تعزيز الشراكات التجارية والاستثمار في الطاقة النظيفة، إضافة إلى التعاون الأمني في مجالات مكافحة الإرهاب وحماية الممرات البحرية. وقد أعلنت مبادرات جديدة تستهدف رفع قيمة المبادلات التجارية، وتسهيل انخراط الشركات الأمريكية في أسواق التعدين والمعادن الحيوية.

– روسيا بوصفها مثالا أخيرا، توسّع حضورها في بعض الدول الأفريقية عبر القنوات العسكرية والأمنية، سواء من خلال اتفاقيات رسمية أو عبر مجموعات أمنية خاصة. وترى موسكو في أفريقيا فرصة لتعزيز نفوذها الدولي، والحصول على مواد خام، وفتح أسواق جديدة للأسلحة. وعلى الرغم من أن نفوذها الاقتصادي لا يقارن بالصين أو أوروبا، فإن تأثيرها السياسي والأمني في بعض الدول أصبح واضحا، خصوصا في مناطق تعاني من هشاشة أمنية.

هذا التنافس الثلاثي، الصيني الأمريكي الروسي، خلق وضعا معقدا لأوروبا. فمن جهة، تحتاج أوروبا إلى أفريقيا، ليس فقط من أجل مواردها الطبيعية، ولكن أيضا لضمان الاستقرار في جوارها الجنوبي. ومن جهة أخرى، تجد نفسها مضطرّة للتعامل مع واقع فقدانها الاحتكار التاريخي للعلاقات مع القارة. وهنا، تأتي القمم الأوروبية الأفريقية كمحاولة لصياغة خطاب جديد، يوازن بين مصالح الطرفين ويواجه التحديات الجغراسياسية المتصاعدة.

المعادن الحيوية

المعادن الحيوية هي اليوم المحور المركزي في التحوّل الطاقي العالمي؛ فاقتصادات القرن الحادي والعشرين تعتمد على بطاريات الليثيوم أيون، والمحرّكات الكهربائية، والتقنيات الرقمية المتقدمة، وكلها تحتاج إلى موارد طبيعية تمتلك أفريقيا النصيب الأكبر منها. وأكثر ما يثير اهتمام أوروبا، في هذا السياق، وجود سلاسل توريد حساسة قد تتعرّض للعطب لأي سبب سياسي أو اقتصادي، خصوصا بعد التجربة المريرة مع الاعتماد على الغاز الروسي قبل 2022، أي قبل الحرب الروسية الأوكرانية.

والواقع، أن أفريقيا تتمتع بوفرة في معدن الكوبالت، واليورانيوم، إضافة إلى معادن أخرى مهمة، ومنها المعادن الأرضية النادرة.. إذ، تنتج الكونغو الديمقراطية أكثر من نصف الإنتاج العالمي من الكوبالت؛ كما تمتلك ناميبيا واحدا من أكبر احتياطيات اليورانيوم في العالم؛ إضافة إلى المعادن الأرضية النادرة في مدغشقر وتنزانيا، واحتياطات الليثيوم في زيمبابوي. هذا الواقع جعل القارة محط اهتمام الشركات الأوروبية التي تبحث عن مصادر بديلة عن آسيا.

ولكنّ المشكلة تكمن في أن الأفارقة لا يريدون أن يظلوا مجرّد مصدّرين خام للمواد الأولية؛ بل يطمحون إلى بناء سلسلة قيمة كاملة داخل القارة، تشمل المعالجة والتكرير والتصنيع. وهذا الطموح يؤدي إلى تفاوضات معقّدة مع الأوروبيين، الذين يرغبون في تأمين الإمدادات بسرعة وكلفة أقل، بينما يصرّ الأفارقة على الحصول على استثمارات لتطوير الصناعات المحلية وخلق وظائف جديدة. ومن دون الاستجابة لهذا الطموح، لن تتمكن أوروبا من ضمان علاقة اقتصادية مستدامة تقوم على المصالح المتبادلة.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن قمة لواندا، بين أفريقيا وأوروبا، تأتي في لحظة دولية حسّاسة، حيث تتقاطع التحولات الجغراسياسية الكبرى مع تحديات الاقتصاد العالمي والتحوّل الطاقي. وتكشف التعهّدات الأوروبية الأفريقية عن إدراك متبادل بأنّ مستقبل القارتين مترابط بشكل لا يمكن فصله. إذ، إنّ أفريقيا، بثرواتها البشرية والطبيعية، أصبحت مركزا رئيسا للتنافس العالمي، وأوروبا باتت مضطرة إلى إعادة تعريف علاقتها بهذه القارة الصاعدة. أما الأفارقة، فهم أمام منعطف تاريخي يسمح لهم بتحويل التنافس الدولي إلى رافعة للتنمية، إذا أحسنوا توجيه الشراكات الخارجية لخدمة أولوياتهم الداخلية.

بهذا المعنى، لا تمثّل قمة لواندا نهاية الطريق؛ بل بداية فصل جديد في العلاقات الأوروبية الأفريقية، عنوانه الأبرز: كيف نبني شراكة تعود بالنفع على الطرفين في عالم يمور بالتغيّرات؟

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى