يمثل مفهوم “المكان” في القرءان الكريم عنصرا جوهريا في تشكيل الوعي الديني والإيمان بالغيب. وإذا كانت الثنائيات المكانية: “السموات والأرض”، و”العرش والكرسي”، تحدد علاقة الإنسان بالكون والخالق في الدنيا، فإن ثنائية “الجنة والنار” تمثل التجلي النهائي للمكان في الآخرة، حيث تتحول المفاهيم المجردة للحساب، سواء ثواب أم عقاب، إلى عوالم مكانية ملموسة، تخلد فيها النفوس وفقا لأعمالها في الدنيا. فالجنة والنار ليستا مجرد وعد ووعيد؛ وإنما هما واقعان مكانيان نهائيان، يجسدان أصدق تجسيد لـ”عدالة الله” المطلقة في الثواب والعقاب.
فما علاقة مفهوم المكان بهذه الثنائية؛ وما دلالة أن يُصبح المكان سجلا حيا للحساب الأخروي؟!
مفهوم الحساب
قبل الخوض في دلالة المكان الأخروي (الجنة والنار)، لا بد من التعرف على المفهوم المحوري الذي يحدد مصير الإنسان إليه، وهو “الحساب”. الحساب في التنزيل الحكيم هو عملية عادلة ودقيقة، لعرض الأعمال وموازنتها ومن ثم المجازاة عليها. وهو ليس مجرد عملية رياضية، وإنما هو محاكمة شاملة تتعلق بالنية والعمل والنتيجة.
ولعل ذلك ما يتبدى عبر جوانب ثلاثة:
من جانب، شمولية الحساب ودقته.. حيث يؤكد القرءان أن الحساب سيحيط بكل صغيرة وكبيرة؛ يقول سبحانه: “وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا” [الكهف: 49]. وواضح أن هذه الآية الكريمة تنفي أي نوع من النسيان أو التغافل -حاشا لله- بما يجعل “الحساب” أمرا شديد الجدية يثير رعب المجرمين. ولنا أن نتأمل خاتمة الآية “وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا”؛ حيث نجد الجملتين المعطوفتين: أن أولئك المجرمين “وَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ”؛ وأن رب العالمين “لَا يَظۡلِمُ … أَحَدٗا”.
من جانب آخر، رمزية أداة الحساب.. إذ، يقدم التنزيل الحكيم رمز “الميزان” أداة للحساب العادل؛ يقول تعالى: “وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ” [الأنبياء: 47]. واللافت، في هذه الآية الكريمة، أن “ٱلۡمَوَٰزِينَ” ليست بالضرورة موازين مادية؛ وإنما هي رمز لـ”العدالة الإلهية” المطلقة التي لا تحابي أحدًا، حيث توازن الحسنات والسيئات بأعلى درجات الدقة. ولنا أن نتأمل كيف ورد وصف هذه الموازين في الآية “ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ”؛ وكيف أنها وُضعت لمهمة محددة “لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ”؛ وذلك من أجل أن “لَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ”.
من جانب أخير، نتيجة عملية الحساب.. حيث تنتهي عملية الحساب إلى حكم نهائي، إما الفوز العظيم أو الخسران المبين. يقول عزَّ وجل: “فَأَمَّا مَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ ٭ فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ ٭ وَأَمَّا مَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ ٭ فَأُمُّهُۥ هَاوِيَةٞ ٭ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا هِيَهۡ ٭ نَارٌ حَامِيَةُۢ” [القارعة: 6-11].وهنا، كما تبين الآيات الكريمات، تبدأ مرحلة تنفيذ الحكم، حيث يتحول “الثواب” المجرد إلى مكان أخروي اسمه “الجنة”، ويتحول “العقاب” المجرد إلى مكان أخروي، آخر، اسمه “النار”.
المكان والزمان
يُعدّ “الحساب” في القرءان الكريم نقطة التحول بين “الزمان الدنيوي” و”المكان الأخروي”؛ فهو فعل إلهي يتمّ في لحظة فاصلة، تتحوّل فيها الأعمال من مجرّد وقائع زمانية إلى نتائج مكانية، أي إلى دخول الجنة أو النار. يقول الله عزَّ من قائل: “يَوۡمَئِذٖ يَصۡدُرُ ٱلنَّاسُ أَشۡتَاتٗا لِّيُرَوۡاْ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٭ فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٭ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ” [الزلزلة: 6-8]. في هذه الآيات، تتحول “الرؤية” إلى أداة حسابية، حيث يُترجم الفعل الإنساني إلى جزاء مشهود. فالحساب، هنا، ليس فقط عملية تقييم؛ بل هو “انتقال وجودي” من مجال الفعل أو العمل الإنساني، إلى مجال المقابلة؛ إلى مكان الجزاء الإلهي الآخروي.
كما يُصوَّر الحساب في القرءان باعتباره لحظة “كشف” شامل؛ فالقرآن يجعل من الجنة والنار “نقطتي الانتهاء”، في رحلة الوجود الإنساني، ومشهدا مكانيّا متعاليا يتجلّى فيه ما كان خفيّا في الدنيا من أعمالٍ ونوايا، كما في قوله سبحانه وقال تعالى: “يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ” [الحاقة: 18]. ومن ثم، يتبدى أن “الحساب” في بعده القرءاني هو “العدالة” في حركة الزمان، و”الإنصاف” في تثبيت المكان؛ فهو الذي يُحدّد موضع الإنسان الأخير: الجنة أو النار، حسب استحقاقه الوجودي.
وهنا، تتبدى دلالات قوله تبارك وتعالى: “يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ ٭ فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَٰبِيَهۡ ٭ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ ٭ فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ ٭ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ٭ قُطُوفُهَا دَانِيَةٞ ٭ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَآ أَسۡلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡأَيَّامِ ٱلۡخَالِيَةِ ٭ وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُوتَ كِتَٰبِيَهۡ ٭ وَلَمۡ أَدۡرِ مَا حِسَابِيَهۡ ٭ يَٰلَيۡتَهَا كَانَتِ ٱلۡقَاضِيَةَ ٭ مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ ٭ هَلَكَ عَنِّي سُلۡطَٰنِيَهۡ” [الحاقة: 18-29].
وبالتالي، لعلنا لا نغالي إذا قلنا إن المكان الأخروي، من منظور فلسفي قرءاني، يُمثّل ذروة “التحول من الإمكان إلى التحقيق”: فالدنيا هي “فضاء الإمكان”، بينما الآخرة، والحساب الإلهي فيها، هي “فضاء التحقق”. وبكلمة، الإنسان في الأولى يختبر الحرية والاختيار، وفي الثانية يُواجه نتيجة اختياره. يقول سبحانه وتعالى: “ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ” [غافر: 17]. ولنا أن نلاحظ أن مصطلح “ٱلۡيَوۡمَ”، في هذه الآية، يرد دلالة على “لحظة الحساب” التي تتجسّد فيها العدالة. المكان الأخروي، إذًا، ليس فقط نهاية، وإنما “تجلٍ للحق” في صورته المكانية.. والزمنية أيضا.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن مفهوم “المكان” يحتلّ في القرءان الكريم موقعا جوهريّا في بناء التصور الإسلامي للوجود؛ إذ لا يُفهم الوجود القرءاني بمعزل عن هندسة مزدوجة تجمع بين “المكان الأرضي” المعيش، و”المكان الأخروي” الغيبي الذي يمثّل امتداد المصير الإنساني بعد انقضاء الحياة الدنيا. ومن أبرز تجليات هذا الامتداد المكاني، تأتي ثنائية “الجنة والنار”؛ لا بوصفهما مجرد موضعين في عالم الغيب، ولكن باعتبارهما صورتين مكانيّتين مكثفتين لمعنى العدل الإلهي في تجليه الأسمى عبر مفاهيم “الحساب” و”الجنة” و”النار”.
وللحديث بقية.








