في خطوة تُمثل تحولا استراتيجيا ملحوظا، أعلن الجيش السوداني موافقته على إنشاء قاعدة عسكرية روسية في مدينة بورتسودان الساحلية المطلة على البحر الأحمر، بحسب ما ذكرته صحيفة “وول ستريت جورنال” نقلا عن مسئولين سودانيين. يأتي هذا القرار في خضم تنافس دولي وإقليمي محتدم على السواحل والممرات المائية الحيوية، ما يثير تساؤلات عميقة حول دوافع الجيش السوداني، وانعكاسات هذه الخطوة على الأمن القومي السوداني الهش، والتوازنات الإقليمية والدولية في منطقة تعتبر شريانا حيويا للتجارة والطاقة العالمية.
دوافع سودانية
بالطبع، فإن الموافقة السودانية على إنشاء قاعدة عسكرية روسية، ليست مجرّد صفقة عابرة، بل ناتج توازن بين حاجة عاجلة (أسلحة)، ومكاسب استراتيجية وطبيعية محتملة، مع بحث عن دور إقليمي أكبر في ظلّ تقاطعات النفوذ المتصاعدة في البحر الأحمر وأفريقيا.
ويمكن تفسير موافقة الجيش السوداني على هذه الخطوة من خلال عدة دوافع متشابكة:
من بين هذه الدوافع.. البحث عن حليف قوي؛ إذ يشعر الجيش السوداني، المعزول دوليا إلى حد كبير منذ أحداث عام 2021، بالحاجة إلى دعم سياسي وعسكري واقتصادي من قوة عالمية، لتعزيز شرعيته الهشة ومواجهة الضغوط الغربية. تمثل روسيا، بموقفها الأقل تشددًا تجاه القضايا الداخلية والسيادية، مخرجا ظاهريا من هذا المأزق.
هذا، فضلا عن المكاسب الاقتصادية والعسكرية المباشرة؛ حيث تفيد بعض التقارير بأن الصفقة تشتمل على مساعدات عسكرية وأسلحة وذخائر للجيش السوداني، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل حربه الدائرة ضد قوات الدعم السريع. كما قد تشمل اتفاقيات استثمارية في قطاعات الطاقة والتعدين والبنية التحتية، ما يعد بمنفعة اقتصادية محتملة.
ومن بين الدوافع أيضا.. أن الموافقة تُمثل ورقة ضغط في المعادلة الإقليمية؛ إذ تسعى القيادة السودانية لتحسين موقعها التفاوضي مع القوى الإقليمية والفاعلين الداخليين. قد يُنظر إلى التقارب مع موسكو باعتباره رسالة إلى الخليج ومصر والغرب حول البدائل المتاحة، وطريقة لانتزاع تنازلات أو دعم أكبر. أضف إلى ذلك، تعزيز السيطرة على الميناء الاستراتيجي؛ حيث إن بورتسودان هي الميناء الرئيس للسودان ومنفذه الحيوي إلى العالم. ومن ثم، قد يرى الجيش في الوجود الروسي ضمانة أمنية لإبقاء الميناء تحت سيطرته وحرمان المعارضة منه، في سياق الصراع الداخلي.
إشكاليات متوقعة
رغم المكاسب الظاهرة، فإن إنشاء القاعدة يوحي بإشكاليات تتضمن مخاطر جسيمة على السودان:
من هذه التداعيات.. تفاقم التدخل الخارجي؛ فالقاعدة الروسية سوف تحول السودان إلى ساحة جديدة للتنافس والصراع بالوكالة، بين روسيا وحلفائها من جهة، والقوى الغربية وحلفائها من جهة أخرى، ما يعمّق الانقسامات الداخلية ويزيد من تعقيد الصراع الداخلي في السودان. هذا، فضلا عن تآكل السيادة السودانية؛ فالتاريخ يُظهر أن القواعد العسكرية الأجنبية الكبرى نادرا ما تبقى محايدة في الشؤون الداخلية. فهي قد تقيد الخيارات السياسية والاقتصادية المستقبلية للسودان، بما يجعل البلاد رهينة لأجندة القوة المضيفة.
ومن هذه التداعيات أيضا.. تأجيج الصراع الداخلي؛ حيث ستواجه الحكومة الانتقالية والحركات السياسية المدنية اتهامات بـ”تأجير” السيادة الوطنية، ما قد يوسع قاعدة المعارضة الشعبية ضد الجيش. كما قد تدفع القوى المتمردة، أو الإقليمية المعارضة، للتقارب مع القوى المناوئة لروسيا لموازنة النفوذ. أضف إلى ذلك، العزلة الدبلوماسية المحتملة؛ إذ قد تؤدي الخطوة إلى توتر العلاقات مع الحلفاء التقليديين أو المحايدين، وتقويض فرص الحصول على الدعم المالي المطلوب للإنعاش الاقتصادي.
ومن هذه التداعيات، كذلك.. أن القاعدة المقترحة لروسيا في بورتسودان، تُمثل تحولا في ميزان القوى البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن؛ وهي منطقة تعبر منها شحنات بحرية حيوية تربط أوروبا بآسيا عبر قناة السويس. وتقدّر بعض المصادر أن حوالي 12% من التجارة العالمية تمر عبر هذه الممرات. هذا، يعني وجود روسي دائم بما يوسّع نفوذ موسكو البحري بعيدا عن المتوسط، من خلال قاعدتها في طرطوس، في سوريا، إلى المحيط الهندي عبر البحر الأحمر وخليج عدن. وهذا يعطيها، بالطبع، قدرة على مراقبة حركات السفن التجارية.
ومن ثم، فإن هذا سيثير قلقا دوليا، خصوصا من الجانب الغربي (الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون)، لأن موسكو بهذا تتحكم في ممرات بحرية استراتيجية حيوية. أيضا، فإن لبعض الدول الإقليمية، خصوصا دول الخليج، ومصر، وربّما دول شرق أفريقيا، مصلحة مباشرة في أن يظل البحر الأحمر تحت رقابة بحرية خالية من النفوذ الروسي الدائم؛ من حيث إن هذا النفوذ “الدائم” قد يعيد ترتيب تحالفات أو يولّد منافسة مفتوحة على السيطرة على المنافذ البحرية.
مراهنة مكلفة
اللافت، أن القاعدة الروسية في بورتسودان تربط بين نقاط الوجود الروسي في سوريا (ميناء طرطوس)، وليبيا (النفوذ المتنامي)، وأفريقيا الوسطى (المستشارين العسكريين)، ما يخلق قوسا من النفوذ يمتد على طول السواحل الجنوبية للبحر المتوسط والشرقية لأفريقيا. يعزز هذا من قدرة موسكو على مراقبة وإغلاق مضيق باب المندب إذا لزم الأمر، وهو أحد أهم الممرات المائية في العالم. ومن المنطقي، أن الوجود الروسي، بهذا الشكل، يقوض الهيمنة التقليدية للقوى الإقليمية على البحر الأحمر (مصر والسعودية). بل، ويوفر لموسكو نقطة مراقبة وتأثير على حركة النفط الخليجي المتجه إلى أوروبا، ويزيد من تكاليف أي عمل عسكري غربي في المنطقة.
وبالتالي، فإن موافقة الجيش السوداني على القاعدة الروسية هي رهان استراتيجي محفوف بمخاطر جسيمة على سيادة البلاد واستقرارها. وبينما تهدف النخبة العسكرية الحاكمة إلى تحقيق مكاسب آنية في شرعيتها وقوتها، فإنها قد تدفع بالبلاد إلى قلب عاصفة جغراسياسية أوسع، وتعمق تبعيتها لقوة خارجية في وقت تحتاج فيه أكثر من أي وقت مضى إلى إجماع وطني وإعادة إعمار.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، تمثل القاعدة الروسية قطعة جديدة في لعبة الشطرنج الكبرى على البحر الأحمر، وتؤكد تحول المنطقة إلى ساحة تنافس مفتوحة بين القوى الكبرى. هذا التنافس، إذا لم يُدَرْ بحكمة، لن يهدد أمن السودان الهش فحسب، بل قد يزعزع استقرار أحد أهم الممرات المائية في العالم، مع عواقب اقتصادية وأمنية تطال الجميع.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن موافقة الجيش السوداني على إنشاء قاعدة روسية في بورتسودان ليست قضية محلية، بقدر ما هي تحول استراتيجي له أبعاد إقليمية ودولية. الربح العسكري أو السياسي الذي يسعى له الجيش، قد يأتي على حساب سيادة القرار السوداني المستقبلي.








