في عالم يموج بالتنوع والتباين، يبرز الاختلاف بوصفه ظاهرة طبيعية وحقيقة كونية لا يمكن إنكارها. فمنذ بدء الخليقة، والناس مختلفون في ألوانهم وألسنتهم وطبائعهم وثقافاتهم. وهذا التنوع ليس عشوائيا؛ بل هو جزء من النظام الكوني المحكم الذي أقامه الخالق سبحانه وتعالى. والقرءان الكريم، باعتباره الكتاب الهادي للبشرية، تناول هذه السنة الكونية بمنظور عميق، بيَّن فيها الحكمة الإلهية والمقصد الرباني.
ومن ثم، فإن فهم الاختلاف بوصفه “سُنَّة كونية” يخلق وعيا مختلفا تجاه التنوع البشري والطبيعي، ويُخرج الإنسان من دائرة الصراع إلى دائرة التعارف والتعاون، ويجعل من الكون كتابا مفتوحا تتجلى فيه آيات الله للعالمين. وهذا الفهم القرءاني يقدم حلا جذريا لإشكالية التنوع في المجتمعات الإنسانية، من خلال تأصيلها في رؤية كونية شاملة تجعل من الاختلاف نعمة تستحق الشكر، لا نقمة تستدعي النفور.
وهنا، يمكن الاقتراب من مظاهر الاختلاف في الكون، والمجتمعات الإنسانية، وبين الناس.. كما يلي:
الاختلاف في الكون
يُعد الاختلاف والتنوع سمة بارزة في هذا الكون الفسيح، فكل ذرة من ذراته تحمل بصمة تختلف عن الأخرى؛ ويأتي التأكيد على هذا الاختلاف في الكون كما في قوله سبحانه وتعالى: “إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ” [البقرة: 164]. ففي هذه الآية الكريمة يربط الله سبحانه بين خلق السماوات والأرض -وهي من أعظم الآيات الدالة على عظمته- وبين صور الاختلاف في الكون، بما يجعل من هذا الاختلاف آية دالة على قدرة الخالق وعظمته، وتستحق التدبر والتأمل.
واللافت، أن الربط بين خلق السموات والأرض وبين صور الاختلاف في الكون، خاصة اختلاف الليل والنهار، يرد في أكثر من موضع ضمن آيات التنزيل الحكيم.. كما في قوله سبحانه: “إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ” [آل عمران: 190]؛ وكما في قوله تعالى: “إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ” [يونس: 6].
بل، ويجعل القرءان الكريم من اختلاف المخلوقات دليلا على عظمة الخالق وإتقان صنعه سبحانه. فالتنوع الهائل في الأنواع والأشكال والألوان والأحجام ليس فوضى؛ ولكن هو نظام دقيق يدل على الحكمة الإلهية.. ولنا هنا أن نتأمل قوله عزَّ وجل: “أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٌ وَحُمۡرٌ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُود ٭ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَۗ إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 27-28]؛ هذا الاختلاف في الألوان واللغات والثمرات ليس عبثيًا؛ وإنما هو آية تُستدل بها على وحدانية الله وعظمته.
الاختلاف بين الناس
في عالم الإنسان، يأخذ الاختلاف أبعادا أعمق، فهو ليس مجرد تنوع شكلي، ولكن يمتد إلى الفكر والعقيدة والمنهج. وقد جعل الله هذا الاختلاف ابتلاءً وامتحانا للناس؛ إذ، يقول سبحانه وتعالى: “وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ ٭ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ…” [هود: 118-119]. فالآية تبين أن الاختلاف إرادة إلهية، وهو واقع لا مفر منه، “إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ” من الذين اهتدوا إلى الحق. ولعل ذلك، ما يتأكد في قوله سبحانه: “وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ” [يونس: 19]
والواقع، أن هذا الاختلاف بين الناس يتعدد في مجموعة من الصور.. أهمها:
– الاختلاف في الطبائع والميول.. إذ يصوّر القرءان الإنسان بطبائع متباينة وميول مختلفة، وهذا التنوع جزء من تصميم الخلق. فإضافة إلى الآيات الكريمة في سورة “هود” [118-119]؛ يأتي قوله تبارك وتعالى لتوضيح أن الاختلاف في الطبائع والميول، يمتد ليصل إلى اتهام البعض للآخرين بـ”عدم الاستناد إلى الحق”: “وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ” [البقرة: 113].
– الاختلاف في الأرزاق والمقادير.. حيث يؤكد التنزيل الحكيم أن اختلاف الناس في الأرزاق والمقادير ليس ظلمًا، وإنما هو جزء من الحكمة الإلهية والابتلاء؛ تمامًا كما في قوله سبحانه: “وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ…” [النحل: 71]؛ وكما في قوله تعالى: “أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ” [الزخرف: 32].
– الاختلاف في العقول والفهم.. فالقرءان يعترف باختلاف قدرات الناس العقلية والفهمية؛ وهو ما يتبدى بوضوح في قوله عزَّ وجل، بخصوص قوم لوط عليه السلام: “وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ” [العنكبوت: 43]؛ وفي قوله عزَّ من قائل: “… قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ” [الزمر: 9].
لكن هذا الاختلاف ليس لعنة؛ بل هو وسيلة للتعارف والتعاون بين الناس، أو بالأحرى بين الشعوب والقبائل، كما ورد في قوله سبحانه وتعالى: “يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ” [الحجرات: 13]. فالتنوع العرقي والقبلي لم يجعل للتفاضل، وإنما هو وسيلة للتعارف والتفاعل الإيجابي، حيث المعيار الحقيقي للتفاضل هو التقوى والعمل الصالح “إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ”.
الاختلاف في الدين
من أعمق صور الاختلاف التي تناولها التنزيل الحكيم، الاختلاف في المعتقد والدين؛ فالله يقرر حرية الاعتقاد كحق أصيل للإنسان، وذلك كما ورد في قوله سبحانه: “لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ…” [البقرة: 256]. وهذه الحرية تقترن بالمسؤولية، فكل إنسان سيجازى على اختياره، كما في قوله تالى: “وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ…” [الكهف: 29].
وتتعدد الآيات الكريمات التي تذكر مسائل الاختلاف في الدين؛ منها قوله عزَّ وجل: “إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ” [آل عمران: 19]؛ ومنها قوله عزَّ من قائل: “ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ” [البقرة: 176]؛ ومنها قوله تبارك وتعالى: “وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ” [النحل: 64]. ولعل هذه الآية الأخيرة، توضح بشكل بيِّن أن “ٱلۡكِتَٰبَ” إنما أنزله الله، ليس فقط لتبيان “ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ”، ولكن أيضًا لأجل أن يكون “هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ”.
ومن اللافت، أن القرءان يميز بين نوعين من الاختلاف: الاختلاف المذموم الذي يقوم على الهوى والجهل والتعصب، والاختلاف المحمود القائم على البحث عن الحق والتنافس في الخير. فالمذموم منه ما ورد في قوله سبحانه: “إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ” [الأنعام: 159].
الاختلاف بين الأفكار
حتى بالنسبة إلى دائرة الإيمان، يقر التنزيل الحكيم بوجود مساحة للاختلاف في الفهم والاجتهاد؛ بل، وفي عدم إكراه أحد على الإيمان. إذ، يقول الله تبارك وتعالى: “وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ” [يونس: 99]؛ فالآية تؤكد أن الإيمان القسري لا قيمة له، وأن الهداية بيد الله سبحانه.
وفي الشريعة نفسها، نجد سعة لأوجه الاختلاف الاجتهادي، كما في قوله تعالى: “وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ أَيۡنَ مَا تَكُونُواْ يَأۡتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ” [البقرة: 148]؛ فالآية تشير إلى اختلاف القبلة قبل نسخها، وتدعو إلى التسابق في الخيرات مع اختلاف الجهات.. وهو ما يتبدى بوضوح في الآية التالية مباشرة، حيث يقول تبارك وتعالى: “وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ” [البقرة: 149].
في هذا الإطار.. يمكن القول إن القرءان الكريم يطرح رؤية شاملة للكون والحياة والإنسان، تجعل من “الاختلاف” سنة كونية وسُنَّة إلهية في الخلق والتكوين، وليس مجرد ظاهرة عارضة أو حالة طارئة. هذا التصور يمنح التنوع والتعدد بُعدًا وجوديًا وحكمة إلهية، تحول الاختلاف من مشكلة إلى نعمة، ومن عيب إلى آية.
وللحديث بقية.








