بقلم: عامر سلطان
تكشف وثائق حكومية بريطانية أُفرج عنها حديثا أن فكرة عرض المنفى على صدام حسين، في محاولة محتملة لتجنّب غزو العراق عام 2003، جاءت بمبادرة من ملك الأردن عبد الله الثاني.
كما أبدى الملك اهتمامه بتوسيع نفوذ سلالته الهاشمية إلى العراق بعد سقوط نظام صدام، وذلك بحسب سجلات صادرة عن مكتب رئيس الوزراء البريطاني، أُفرج عنها من قبل الأرشيف الوطني البريطاني.
في مارس/آذار 2003، قادت الولايات المتحدة تحالفا لغزو العراق بهدف الإطاحة بصدام حسين والقضاء على أسلحة الدمار الشامل المزعومة. وعلى الرغم من أن الحملة العسكرية كانت سريعة، فإنها أثارت احتجاجات ومعارضة دولية واسعة، وأدخل الاحتلال اللاحق، العراق في حالة من عدم الاستقرار طويل الأمد، لا يزال العراقيون يعانون منها حتى اليوم.
وفي الأسابيع التي سبقت الغزو، اقترح الملك عبد الله مبادرة على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بموجبها يُعرض المنفى على صدام حسين؛ غير أنه شدّد على أن يأتي هذا العرض من الأميركيين والبريطانيين، وليس من الأردن أو من أي دولة عربية أخرى.
وخلال اجتماع مع رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير في 25 فبراير/شباط 2003، سعى الملك إلى “توضيح أي لبس بشأن مبادرته”. ووفقا لمحضر الاجتماع، رأى عبد الله أن تقديم هذا العرض من شأنه أن يُظهر أن الولايات المتحدة وبريطانيا “أرادتا إعطاء السلام فرصة”. وأضاف أن المبادرة ستزيد من فرص الإطاحة بصدام، وستُحاصر “الروس والفرنسيين والألمان”، الذين كانوا جميعا يعارضون العمل العسكري من دون قرار من مجلس الأمن الدولي.
واعتبر الملك الفكرة بمثابة “خطة احتياطية مفيدة” في حال لم يعتمد مجلس الأمن قرارا. واعتقد أنه إذا رفض صدام العرض، فإن ذلك سيكشفه باعتباره شخصا “مصمّما على جرّ الجميع إلى الهلاك معه”.
وقال عبد الله: “إذا غادر [صدام] أو أُطيح به، فإن على الحلفاء أن يدخلوا العراق على أي حال، لكن من دون إطلاق رصاصة واحدة”.
ورحّب بلير بالاقتراح، وأبلغ الملك بأنه أطلع الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش على ضرورة إظهار أن “كل ما كان ممكنا قد اتخذ لتجنّب الحرب”. وأضاف بلير أنه في حال نزع صدام سلاحه أو قبل بالمنفى، فإن الوضع سيتغير، وإن كان يشك في أن يوافق صدام على ذلك. ووافق عبد الله على هذا التقييم، لكنه شدّد على أن الهدف من العرض هو إضعاف نظام صدام وتحويل الرأي العام ضده.
كما اقترح الملك أن تعمل الولايات المتحدة وبريطانيا والأردن مسبقا على وضع تفاصيل الخطة، بما في ذلك تحديد من يحق له المنفى، والعقبات المتوقعة.
وقال جوناثان باول، رئيس ديوان بلير آنذاك (وهو حاليا مستشار الأمن القومي البريطاني)، إن على بريطانيا إثارة المسألة مع الأميركيين. وأوضح الملك عبد الله أنه سيتحدث أيضا مع مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جورج تينيت، ومع مساعد وزير الخارجية الأميركي لشئون الشرق الأدنى ويليام بيرنز.
في ذلك الوقت، كانت الحكومة البريطانية على علم بمبادرة سعودية مماثلة تدعو فيها الدول العربية صدام إلى الذهاب إلى المنفى. إلا أن الملك عبد الله رفض الخطة السعودية واعتبرها “غير ذات مصداقية”، مشيرا إلى أن الرأي العام العربي سيفترض على أي حال أنها مستوحاة من الولايات المتحدة. كما حذّر من أن صدام قد يقلب الطاولة و”يتهم الحكومات العربية بالخيانة”.
وعندما سُئل عن مواقف الشارع العربي، قال الملك إن الشعور العام كان: “فلننهِ الأمر ونمضي قُدما”. واعتبر أن المظاهرات في الأردن لم تكن دعما لصدام، بل نابعة من القلق حيال الأجندة الأميركية ومعاناة الفلسطينيين.
وتُظهر الوثائق أن المسئولين البريطانيين وجدوا إصرار الملك على أن تأتي مبادرة المنفى من الولايات المتحدة وبريطانيا “مُحيرا”. فقد ناقشوا الأمر مع السعوديين الذين رأوا أن مثل هذه المبادرة يجب أن تصدر عن الدول العربية، وهو منطق وافقت عليه بريطانيا.
وعندما تابعت بريطانيا الأمر لاحقا مع الولايات المتحدة، علمت أن مسئولين أردنيين أبلغوا الأميركيين بأن المملكة المتحدة “حريصة” على أن يأتي الاقتراح من التحالف أو من مجلس الأمن الدولي، بل وادّعوا أن بريطانيا “بحاجة إليه”. ورفض البريطانيون هذه المزاعم واعتبروها مجرد شائعات، مرجّحين أن يكون سعد خير، رئيس جهاز الاستخبارات الأردنية آنذاك وأحد المشاركين في لقاء بلير–عبد الله، وراءها. ووفقا للاستخبارات البريطانية، حاول “خير” دفع بيرنز وتينيت إلى السفر إلى لندن بزعم مناقشة تفاصيل الخطة.
وأبلغ المسئولون الأميركيون نظراءهم البريطانيين أنهم تلقوا مقترحات مشابهة من وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل، ومن الرئيس المصري حسني مبارك.. غير أن الفيصل أبلغ السفير البريطاني في الرياض لاحقا أن السعودية لم تعد تدعم الفكرة.
وأبدى الأميركيون ترددهم في تبنّي المبادرة، مشيرين إلى الحاجة إلى “فرز الجوانب العملية” كما حثّوا الأردنيين على عدم “المضي قُدما بسرعة كبيرة في هذا التصور”.
واتفق المسئولون الأميركيون والبريطانيون على أن الأسئلة التالية تحتاج إلى حسم:
- من مِنْ دائرة صدام سيكون مُدْرجا على قائمة المنفى؟
- إلى أين سيذهبون، وبأي شروط؟
- ما القيود التي ستُفرض على تنقلهم في المستقبل، وعلى أموالهم واتصالاتهم بالعراق؟
- ما الدور الذي قد تلعبه المحكمة الجنائية الدولية؟
- ما أنواع الحصانات التي يمكن تقديمها (لصدام ولغيره)؟
ونصحت مذكرات الإحاطة البريطانية رئيس الوزراء بلير ومسئولين آخرين بالتأكيد لنظرائهم العرب أن المملكة المتحدة منفتحة على خيار المنفى، لكن تجنّب العمل العسكري سيتوقف على التزام القيادة العراقية الجديدة التزاما نشطا وكاملا وفوريا بواجبات نزع السلاح.
ولم يتخلّ عبد الله عن الفكرة. إذ كشف تقرير آخر أنه ظل مُهتما بها بشدة. ووفقا لمسئولين أميركيين، كان الملك “يعيد باستمرار” على مسامع السفير الأميركي في عمّان ما اعتبره الفوائد التكتيكية لمبادرته، والتي شملت:
- محاصرة الفرنسيين والألمان إذا أُدرج عرض المنفى/العفو ضمن قرار أممي.
- تقويض معنويات العراقيين، بما قد يؤدي إلى محاولة اغتيال صدام.
- مساعدة التحالف والحكومات العربية على إدارة الرأي العام بشكل أكثر فاعلية.
وأكد التقرير أيضا أن سعد خير، كان حاضرا في الاجتماع بين الملك والسفير الأميركي.
كما تكشف الوثائق أن الملك عبد الله، كان يأمل في استعادة الحكم الهاشمي في العراق، بعد سقوط صدام. وقد جرى تحذير بلير، من أن خير، كان يشجّع الملك على استكشاف هذا الاحتمال. وتوقع مستشارو بلير، أن يطرح الملك فكرة دور هاشمي في عراق ما بعد صدام، وأشاروا إلى أن الأمير حسن، عمّ عبد الله، كان يروّج لنفسه في بعض الأوساط بوصفه “المرشح المثالي”.
إلا أن الأميركيين أوضحوا بشكل قاطع أنهم “غير مهتمين” بهذه الخطة، وأن الأمير حسن “لا يشكّل جزءا من تخطيطهم”.
وكان الملك الراحل حسين بن طلال، قد عزل شقيقه الأمير حسن، من ولاية العهد قبيل وفاته عام 1999، وعيّن بدلا منه ابنه عبد الله. وقد أنهى هذا القرار فترة طويلة كان خلالها حسن وليا للعهد وحاكما فعليا للأردن، خلال فترات مرض حسين.
وعلى الرغم من أن عبد الله بدا وكأنه تقبّل الموقف الأميركي على أنه ضمانة، فإن المسئولين البريطانيين اعتقدوا أنه ما زال يأمل بألا يستبعد الموقف الأميركي “دورا لهاشميين آخرين”.
ونُصح بلير بـ“تثبيط” أي محاولة لإعادة الحكم الهاشمي بحزم، محذرين من أن مثل هذه الخطوة قد تنقلب عكسيا وتزعزع استقرار الأردن. وأكدوا أنه مهما بدا النموذج جذابا للأردن، فإن تقرير قيادة العراق يجب أن يكون بيد العراقيين أنفسهم، وأن عصر تنصيب أو إعادة الملكيات قد ولّى.
وبعد أكثر من أسبوعين على الغزو، نُصح بلير بالتعبير عن تقديره للملك عبد الله، على “دعمه الخاص الثابت” للتحالف العسكري، على الرغم من إداناته العلنية التي هدفت إلى “استرضاء” الرأي العام الداخلي. ولاحظ المسئولون البريطانيون أن أحدث توبيخ علني وجّهه الملك للسفير الأميركي كان “مدبّرا”، وحذّروا من أنه بعد أي محادثات خاصة، قد يعود عبد الله مُجددا للمطالبة علنا بوقف القتال استجابةً للضغوط الداخلية.
نقلا عن Middle East Monitor








