في توقيت سياسي شديد الحساسية، أعادت حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا، برئاسة عبدالحميد الدبيبة، ملف التعديل الحكومي إلى واجهة المشهد الليبي، معلنةً عزمها إجراء تغييرات وصفتها بـ”الإصلاحية” خلال أيام. الإعلان الصادر في 16 ديسمبر، لم يكن مجرد خطوة إجرائية داخل حكومة قائمة، بل فتح بابا واسعا للتأويل والجدل، في ظل واقع سياسي مأزوم، وانقسام مؤسسي عميق، وشرعية متنازع عليها منذ تعثر المسار الانتخابي نهاية 2021.
اللافت في هذا التطور ليس فقط توقيته؛ بل أيضا سياقه المركب: حكومة تصف نفسها بأنها “الشرعية الوحيدة المنبثقة عن اتفاق سياسي معترف به دوليا”، في مقابل مجلس نواب يعتبرها “منتهية الولاية”، وسلطة قضائية بدأت تدريجيا تلعب أدوارا أكثر حضورا في الصراع السياسي، كما عكسته مؤخرا أحكام محكمة استئناف بنغازي. في هذا الإطار، يصبح التعديل الحكومي المقترح أكثر من مجرد إعادة توزيع حقائب، ليغدو أداة سياسية بامتياز.
دوافع التعديل
يمكن قراءة دوافع حكومة الدبيبة من عدة زوايا متداخلة. على السطح، تروّج الحكومة للتعديل بوصفه استجابة لحالة الجمود التنفيذي، وضعف الأداء في بعض القطاعات الخدمية والاقتصادية، وتزايد الانتقادات الشعبية، خصوصا في ملفات الكهرباء، والوقود، والإنفاق العام. ومن هذا المنظور، يبدو التعديل محاولة لإعادة تنشيط الحكومة، وضخ دماء جديدة، وتحسين صورتها أمام الرأي العام المحلي والدولي.
لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن الدافع السياسي يتقدم على الدافع الإداري. فالدبيبة، منذ فشل إجراء الانتخابات، يخوض معركة بقاء سياسي في بيئة معادية، تحاول فيها أطراف عدة تقويض حكومته أو تجاوزها. وعليه، فإن أي تعديل حكومي يُفهم بوصفه رسالة مزدوجة: للداخل الليبي بأن الحكومة ما تزال فاعلة وقادرة على المبادرة؛ وللخارج الدولي بأنها شريك مستقر يمكن التعامل معه، في غياب بديل توافقي واضح.
إضافة إلى ذلك، يسعى الدبيبة -عبر التعديل- إلى إعادة ترتيب تحالفاته داخل مؤسسات الدولة، وتحييد بعض مراكز النفوذ التي باتت تشكل عبئا سياسيا أو أمنيا عليه. فالتعديل قد يطال وزارات سيادية أو خدمية حساسة، بما يسمح له بإعادة توزيع الولاءات، وتقليص نفوذ خصومه داخل الجهاز التنفيذي نفسه.
إشكالية الشرعية
لا يمكن فصل خطوة التعديل الحكومي عن إشكالية الشرعية. فخصوم حكومة الوحدة يرون أن أي تعديل يصدر عنها يفتقر إلى الأساس الدستوري، باعتبار أن الحكومة فقدت ولايتها بانتهاء المرحلة الانتقالية. ومن هنا، يذهب معارضو الخطوة إلى اعتبارها مناورة لإطالة عمر الحكومة، وفرض أمر واقع جديد، بدل الانخراط في تسوية سياسية شاملة تقود إلى حكومة موحدة وانتخابات.
في المقابل، تراهن حكومة الدبيبة على منطق “الشرعية الوظيفية”، أي الاستمرار في أداء المهام طالما لا يوجد بديل متفق عليه، وطالما تحظى بدعم ضمني من قوى دولية ترى في تغيير الحكومة مخاطرة بفتح جبهة صراع جديدة. التعديل الحكومي، في هذا السياق، يصبح أداة لتعزيز هذا المنطق، عبر الإيحاء بأن الحكومة تتطور وتُصلح نفسها بدل أن تتآكل.
حكم بنغازي
يثير تزامن إعلان التعديل الحكومي مع حكم محكمة استئناف بنغازي، القاضي بإلغاء قرارات المجلس الرئاسي المتعلقة بتشكيل “الهيئة الوطنية للاستفتاء والاستعلام”، تساؤلات مشروعة حول وجود رابط سياسي غير معلن بين المسارين.
من الناحية القانونية، يعكس الحكم تصاعد دور القضاء في النزاع السياسي، ومحاولة بعض الأطراف استخدام المسار القضائي لإعادة رسم حدود الصلاحيات بين المؤسسات. أما سياسيا، فيمكن النظر إلى الحكم بوصفه رسالة مباشرة إلى المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة معا، مفادها أن شرعيتهما الإجرائية ليست مطلقة، وأن قراراتهما قابلة للطعن والإلغاء.
في هذا السياق، قد يكون التعديل الحكومي ردا استباقيا من الدبيبة على بيئة قانونية وسياسية باتت أقل تساهلا. فإعادة تشكيل الحكومة، ولو جزئيا، قد تهدف إلى امتصاص الصدمة، وتحويل الأنظار من النقاش حول صلاحيات المجلس الرئاسي إلى نقاش حول “الإصلاح الحكومي”. كما أن التعديل قد يمنح الدبيبة مساحة للمناورة، عبر إشراك شخصيات محسوبة على مناطق أو تيارات تسعى الحكومة إلى كسبها، في ظل تصاعد الضغط القضائي والسياسي من الشرق.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة بين الحكم القضائي والتعديل، بقدر ما يمكن الحديث عن تقاطع في السياق العام: كلاهما يعكس احتدام الصراع حول الشرعية، وحدود السلطة، ومن يملك حق اتخاذ القرار في المرحلة الانتقالية.
الانقسام السياسي
على مستوى الانقسام السياسي، تبدو تداعيات التعديل الحكومي مزدوجة. فمن جهة، قد يؤدي الإعلان عن التعديل إلى تعميق الاستقطاب القائم؛ إذ سيُنظر إليه من قبل مجلس النواب وحلفائه بوصفه تحديا مباشرا، وربما ذريعة لتصعيد سياسي أو قانوني مضاد، سواء عبر بيانات الرفض، أو عبر خطوات أحادية تهدف إلى نزع الاعتراف بالحكومة.
ومن جهة أخرى، قد يفتح التعديل، إذا ما أُحسن توظيفه، نافذة محدودة لإعادة ترتيب المشهد، خاصة إذا شمل شخصيات تحظى بقبول نسبي عابر للمناطق، أو إذا ترافق مع تعهدات واضحة بالذهاب نحو تسوية سياسية وجدول زمني للانتخابات. غير أن هذا السيناريو يظل ضعيفا في ظل غياب أي مؤشرات على توافق وطني شامل.
الأخطر أن يتحول التعديل إلى عامل تفجير جديد داخل الحكومة نفسها، إذا ما أُقصيت أطراف أو تيارات دون توافق، أو إذا فُرضت تغييرات تُفسر بوصفها انتصارا لمحور سياسي على حساب آخر. في هذه الحالة، قد نشهد مزيدا من التفكك داخل مؤسسات الدولة، بدل توحيدها.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن التعديل الحكومي المقترح يقف عند تقاطع دقيق بين الحاجة الموضوعية للإصلاح، والرغبة السياسية في البقاء. لا شك أن ليبيا تحتاج إلى حكومة أكثر فاعلية، وأقل ارتهانا للصراعات، لكن الإشكال يكمن في أن أي إصلاح حقيقي يظل ناقصا ما لم يكن جزءا من مسار سياسي جامع، يعالج جذور الأزمة لا أعراضها.
خطوة الدبيبة قد تنجح مؤقتا في إعادة خلط الأوراق، وكسب وقت إضافي، وربما تحسين الأداء في بعض الملفات. لكنها، في غياب توافق وطني وإطار دستوري واضح، قد تُضاف إلى سلسلة المبادرات الجزئية التي أطالت عمر الأزمة بدل حلها.








