رؤى

الانخراط الباكستاني في ليبيا.. دوافع وتداعيات

لم يعد من الممكن فهم السياسة الخارجية الباكستانية، في السنوات الأخيرة، بوصفها نتاجا حصريا لاعتبارات دبلوماسية تقليدية أو لمعادلات توازن القوى الإقليمية في جنوب آسيا فقط؛ بل بات الدور المتعاظم للمؤسسة العسكرية عاملا حاسما في توجيه انخراط إسلام آباد في ملفات بعيدة جغرافيا، من بينها الملف الليبي. فصفقة الأسلحة التي جرى الحديث عنها مع قوات الجيش الليبي في الشرق، بقيمة تقارب 4.6 مليار دولار، لا يمكن قراءتها باعتبارها صفقة تجارية عسكرية فحسب، وإنما حلقة ضمن نمط أوسع من “تدويل” الدور الوظيفي للجيش الباكستاني في النظام الدولي، بما يحمله ذلك من دوافع معقدة وتداعيات متعددة المستويات.

أولًا: دوافع باكستان للانخراط عسكريا في الملف الليبي

ينطلق الانخراط الباكستاني في ليبيا من جملة دوافع متداخلة، يأتي في مقدمتها العامل الاقتصادي–العسكري. فالصناعات الدفاعية الباكستانية، التي تطورت نسبيا خلال العقود الماضية، تحتاج إلى أسواق خارجية لتصريف منتجاتها، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية، وعجز الميزان التجاري، واعتماد البلاد المزمن على المساعدات والقروض الدولية. ومن هذا المنظور، تمثل ليبيا، الغنية بالموارد والطامحة إلى إعادة بناء مؤسساتها العسكرية، فرصة مغرية لتسويق السلاح الباكستاني وتوفير تدفقات مالية مهمة للمؤسسة العسكرية.

غير أن البعد الاقتصادي لا يفسر وحده هذا الانخراط؛ فهناك دافع سياسي- استراتيجي أعمق، يتمثل في سعي باكستان إلى إعادة تعريف موقعها في النظام الدولي، من خلال تقديم نفسها بوصفها فاعلا أمنيا “مرنا” يمكن توظيفه في مناطق الصراع، خارج نطاقها الجغرافي التقليدي. هذا السلوك ينسجم مع منطق “الدور الوظيفي”، حيث تؤدي الدولة أدوارا أمنية محددة تخدم مصالح قوى دولية أكبر، مقابل الحصول على مكاسب مالية أو سياسية، أو ضمانات ضمنية تتعلق بأمنها القومي أو استقرار نظامها الداخلي.

كما لا يمكن إغفال العامل المؤسسي الداخلي؛ إذ إن المؤسسة العسكرية الباكستانية، التي تهيمن تاريخيا على صناعة القرار في السياسة الخارجية، ترى في مثل هذه الانخراطات وسيلة لتعزيز نفوذها الداخلي، وترسيخ سردية “الحارس الضروري” لمصالح الدولة، سواء عبر توسيع شبكة علاقاتها الدولية، أو عبر إثبات قدرتها على لعب أدوار إقليمية تتجاوز حدود جنوب آسيا.

ثانيا: ليبيا ساحة اختبار للدور الباكستاني

تمثل ليبيا، في هذا السياق، ساحة مناسبة لاختبار هذا الدور. فهي دولة منقسمة، ذات سيادة منقوصة، ومفتوحة لتدخلات إقليمية ودولية متعددة، ما يتيح لباكستان هامش حركة دون أن تتحمل كلفة سياسية مباشرة عالية. كما أن الانخراط من خلال صفقات تسليح، وليس عبر وجود عسكري مباشر، يمنح إسلام آباد قدرا من “الإنكار المعقول”، ويقلل من احتمالات التورط الميداني أو الاصطدام المباشر مع قوى كبرى.

إضافة إلى ذلك، فإن دعم الجيش الليبي في الشرق قد ينسجم، جزئيا، مع توجهات بعض القوى الدولية التي ترى في هذا الطرف عامل “استقرار”، أو على الأقل قوة قادرة على فرض نوع من التوازن في مواجهة الجماعات المسلحة والفوضى المستمرة. وهنا، تجد باكستان نفسها منخرطة ضمن شبكة مصالح أوسع، حتى وإن لم تكن صاحبة القرار النهائي فيها.

ثالثًا: تداعيات الانخراط الباكستاني على العلاقة مع تركيا

يطرح هذا الانخراط إشكالية حساسة في علاقات باكستان مع تركيا، التي تُعد من أقرب حلفائها السياسيين والعسكريين. فأنقرة تقف، بوضوح، في صف حكومة طرابلس والقوى المتحالفة معها، وتعتبر الجيش الليبي في الشرق خصما مباشرا لمشروعها الإقليمي في شرق المتوسط وشمال أفريقيا. ومن هنا، فإن أي دعم باكستاني لهذا الطرف قد يُفسر في أنقرة على أنه خروج عن منطق التنسيق الاستراتيجي بين البلدين.

مع ذلك، من غير المرجح أن يؤدي هذا التباين إلى قطيعة حقيقية بين إسلام آباد وأنقرة. فالعلاقة بين الطرفين تقوم على شبكة مصالح أوسع، تشمل التعاون العسكري، والتنسيق السياسي في ملفات مثل كشمير، وتبادل الدعم في المحافل الدولية. وغالبًا ما تميل الدولتان إلى إدارة الخلافات التكتيكية دون السماح لها بتقويض الأساس الاستراتيجي للعلاقة.

لكن في المقابل، قد يدفع هذا التناقض تركيا إلى إعادة تقييم مستوى الثقة في باكستان كشريك “متطابق الرؤى”، وربما إلى التعامل معها بقدر أكبر من البراغماتية والحذر، خصوصا في الملفات الإقليمية التي تتقاطع فيها المصالح بشكل مباشر. كما قد تحاول أنقرة موازنة أي انخراط باكستاني عبر تعميق تحالفاتها مع أطراف أخرى، بما يقلل من هامش المناورة الباكستاني مستقبلًا.

رابعا: التأثير على دول الجوار الجغرافي الليبي

أما على مستوى دول الجوار الجغرافي لليبيا، فإن الانخراط الباكستاني يثير تداعيات متفاوتة. بالنسبة لمصر، التي تدعم الجيش الليبي في الشرق، وترى فيه حائط صد أمام تمدد الجماعات المسلحة والفوضى على حدودها الغربية، قد يُنظر إلى الدور الباكستاني بإيجابية نسبية. فالقاهرة قد ترى في هذا الدعم عاملا يعزز موقف حليفها الليبي، دون أن يفرض عليها التزامات مباشرة، أو يغير من طبيعة التوازنات الإقليمية القائمة.

في هذا السياق، قد يفتح الانخراط الباكستاني بابا لتقارب مصري- باكستاني محدود، قائم على تقاطع المصالح في ملف مكافحة الإرهاب، أو على الأقل على تبادل المصالح دون بناء تحالف استراتيجي عميق. ومع ذلك، ستظل مصر حذرة من أي أدوار خارجية قد تتحول إلى أدوات ضغط أو مساومة في المستقبل.

أما الجزائر وتونس، فالأمر أكثر تعقيدا. فالجزائر تتبنى تقليديا سياسة رفض التدخلات الأجنبية، والدعوة إلى حل سياسي شامل للأزمة الليبية. ومن هذا المنطلق، قد تنظر بعين الريبة إلى أي انخراط عسكري خارجي جديد، حتى وإن جاء في صورة صفقات تسليح. بالنسبة للجزائر، يمثل تعدد الفاعلين الخارجيين عامل إرباك إضافي، يزيد من تعقيد المشهد ويقلص فرص التسوية.

تونس، من جانبها، وإن كانت أقل تأثيرا إقليميا، إلا أنها تتأثر بشكل مباشر بتداعيات الصراع الليبي، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد. ومن ثم، فإن أي خطوة قد تسهم في إطالة أمد الصراع أو تعزيز الانقسام العسكري ستُقابل بقلق تونسي، حتى لو لم يُترجم ذلك إلى موقف دبلوماسي حاد تجاه باكستان.

خامسا: حدود الدور الباكستاني ومآلاته

في المحصلة، يكشف الانخراط الباكستاني في الملف الليبي عن طموح يتجاوز الإمكانات، وحدود يفرضها النظام الدولي غير المتكافئ. فباكستان، رغم محاولتها لعب أدوار أمنية خارج نطاقها التقليدي، تظل دولة ذات خيارات استراتيجية محدودة، تعتمد على التكيف أكثر من المبادرة، وعلى أداء أدوار وظيفية أكثر من صياغة مسارات مستقلة.

إن هذا النمط من الانخراط قد يوفر مكاسب آنية، مالية أو سياسية، لكنه يحمل في طياته مخاطر طويلة الأمد، تتمثل في التورط غير المباشر في صراعات معقدة، أو في استنزاف الرصيد الدبلوماسي مع حلفاء تقليديين، أو في تعزيز صورة الدولة باعتبارها أداةً ضمن صراعات الآخرين، لا فاعلا مستقلا يمتلك رؤية استراتيجية شاملة.

وعليه، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بدوافع باكستان في ليبيا، بل بقدرتها على إدارة تناقضات هذا الدور، وضبط كلفته، وتحويله – إن أمكن – من مجرد وظيفة أمنية مؤقتة إلى رافعة تخدم مصالحها الوطنية على المدى البعيد، دون أن تُقحمها في حسابات أكبر من طاقتها أو خارج نطاق سيطرتها.

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى