لم يعد المشهد العراقي، في أعقاب إعلان عدد من الفصائل المسلحة الموالية لإيران استعدادها القبول بحصر السلاح بيد الدولة، مجرد تطور سياسي عابر أو مناورة خطابية ظرفية؛ بل بات يحمل مؤشرات على انتقال محتمل من مرحلة تاريخية كاملة، حكمت العراق منذ عام 2003، إلى مرحلة أخرى لم تتضح ملامحها بعد. فالسؤال الجوهري اليوم لا ينحصر في صدقية هذا التحول، بل يتجاوز ذلك إلى طبيعة المسار الذي يقف خلفه: هل نحن أمام أفول فعلي لمرحلة نفوذ الميليشيات وازدواجية السلطة، أم أمام إعادة ترتيب مدروسة تقودها واشنطن لإعادة هندسة النظام السياسي العراقي، بما يضمن استقراره الوظيفي ضمن معادلات إقليمية ودولية جديدة؟
إن قراءة ما يجري خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة تشير إلى أن العراق يشهد واحدا من أسرع التحولات السياسية والأمنية منذ سقوط نظام صدام حسين. فاللغة التي بات يستخدمها قادة فصائل، لطالما عرّفت نفسها بوصفها “قوى مقاومة” أو “حماة السيادة”، تشهد تغيرا لافتا، حيث يجري الحديث صراحة عن “الدولة”، و”الشرعية”، و”الالتزام بالدستور”، وهي مفردات كانت حتى وقت قريب تُستخدم بحذر شديد أو ضمن سياقات انتقائية.
أولا: دوافع التحول في موقف الميليشيات
يمكن تفسير هذا التحول من خلال تداخل ثلاثة مستويات من الضغوط: دولية، وإقليمية، وداخلية. على المستوى الدولي، لا يمكن تجاهل الضغط الأميركي المتراكم، الذي بلغ ذروته خلال الشهرين الأخيرين، خصوصا بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في نوفمبر 2025. فالولايات المتحدة، التي راقبت عن كثب نتائج الانتخابات وتركيبة البرلمان الجديد، بدت أكثر استعدادا للانتقال من سياسة الاحتواء الناعم للميليشيات إلى سياسة أكثر صرامة، قائمة على ربط الاستقرار السياسي والاقتصادي للعراق بإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت.
وقد ترافق هذا الضغط مع رسائل واضحة، بعضها علني وبعضها غير معلن؛ تتعلق بالعقوبات، وبمستقبل الدعم المالي الدولي، وبموقع العراق في شبكات الطاقة والتجارة الإقليمية. وبالنسبة للفصائل التي تمتلك أجنحة سياسية وتشارك في العملية الانتخابية، فإن كلفة التحدي باتت أعلى من أي وقت مضى، خصوصا في ظل اقتصاد هش، واحتجاجات اجتماعية كامنة، ورأي عام أكثر حساسية تجاه الفساد والسلاح خارج إطار الدولة.
على المستوى الداخلي، لعبت نتائج الانتخابات دورا مُهمًّا في إعادة حسابات هذه الفصائل. فالتراجع النسبي في شعبيتها، وصعود قوى سياسية ترفع شعارات الدولة والمؤسسات، جعلا الاستمرار في خطاب التحدي المسلح مغامرة قد تؤدي إلى العزلة السياسية، أو حتى إلى صدام داخلي غير مضمون النتائج. من هنا، بدا القبول بحصر السلاح بيد الدولة خيارا دفاعيا، يهدف إلى الحفاظ على المكاسب السياسية المتحققة، لا إلى التخلي الطوعي عن النفوذ.
أما على المستوى الإقليمي، فإن تراجع هامش الحركة الإيرانية في المنطقة، نتيجة الضغوط العسكرية والاقتصادية المتصاعدة، انعكس مباشرة على سلوك وكلائها، ومن بينهم الفصائل العراقية. فهذه الفصائل لطالما استمدت جزءا كبيرا من قوتها الرمزية والعملية من المظلة الإيرانية، ومع اهتزاز هذه المظلة، بات من الضروري إعادة التموضع.
ثانيا: انقسام داخل البيت الميليشياوي
لا يمكن فهم هذا التحول دون التوقف عند الانقسام المتزايد داخل معسكر الفصائل المسلحة نفسها. فهناك اليوم تمايز واضح بين فصائل تمتلك أجنحة سياسية، وشاركت في الانتخابات، وتبحث عن شرعية طويلة الأمد داخل النظام، وبين فصائل أخرى أكثر أيديولوجية وعسكرة، ترى في حصر السلاح “انتحارا سياسيا” وتفكيكا لهويتها ووظيفتها.
الفصائل الأولى تدرك أن استمرار ازدواجية السلاح والسلطة لم يعد قابلا للاستدامة، وأن التحول إلى فاعل سياسي “طبيعي” يتطلب تقديم تنازلات مؤلمة، لكنها محسوبة. أما الفصائل الرافضة، فهي ما تزال تراهن على منطق القوة، وعلى احتمال تغيّر المعادلات الإقليمية لصالحها، أو على فشل الدولة في فرض سلطتها فعليًا.
هذا الانقسام لا يعني بالضرورة صداما وشيكا، لكنه يعكس حالة سيولة داخل بنية “المقاومة” نفسها، ويطرح احتمالين متناقضين: إما تفكيك تدريجي للفصائل الرافضة عبر الضغوط السياسية والأمنية، أو إعادة إنتاجها بأشكال أكثر تطرفًا وخروجًا عن السيطرة.
ثالثا: الحرب الإسرائيلية-الإيرانية وتآكل الردع
لا يمكن عزل التحول في خطاب الميليشيات العراقية عن السياق الإقليمي الأوسع، وتحديدا الحرب الإسرائيلية-الإيرانية غير المعلنة، التي اتخذت خلال الفترة الأخيرة أشكالا أكثر مباشرة وحدّة. فهذه الحرب كشفت حدود القدرة الإيرانية على حماية وكلائها، سواء في العراق أو لبنان أو اليمن، وأظهرت أن شبكة النفوذ التي بنتها طهران خلال عقدين ليست محصنة كما كان يُعتقد.
في العراق، كان هذا الإدراك صادما لكثير من قادة الفصائل، الذين وجدوا أنفسهم مكشوفين أمام ضربات دقيقة، أو تهديدات مباشرة، دون أن تتدخل إيران بشكل حاسم لحمايتهم. هذا الشعور بـ”الانكشاف” دفع بعضهم إلى إعادة تقييم جدوى الاستمرار في دور “رأس الحربة” في صراع إقليمي أكبر من قدرتهم على تحمّل كلفته.
كما أن إدراك الولايات المتحدة وإسرائيل لضعف الردع الإيراني النسبي شجّع على تصعيد الضغوط، مع تقديم خيار واضح للفصائل: إما الاندماج التدريجي في الدولة، أو مواجهة مسار تصادمي قد يؤدي إلى تفكيكها بالقوة أو بالعقوبات.
رابعا: هل يكفي التحول الخطابي؟
يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل يكفي هذا التحول في الخطاب لكي يتحقق على أرض الواقع؟ التجربة العراقية، بل وتجارب دول أخرى، تشير إلى أن الفجوة بين الخطاب والممارسة قد تكون واسعة. فحصر السلاح بيد الدولة لا يعني فقط تسليم الأسلحة الثقيلة، بل يتطلب تفكيك شبكات اقتصادية، وأمنية، وإعلامية، ونفوذية تشكلت على مدى سنوات.
كما أن نجاح هذا المسار مرتبط بقدرة الدولة نفسها على فرض سيادتها، وتقديم بديل مقنع للفصائل، سواء على مستوى الضمانات الأمنية، أو المشاركة السياسية، أو حتى إعادة دمج العناصر المسلحة ضمن مؤسسات رسمية. من دون دولة قوية وشرعية، قد يتحول حصر السلاح إلى مجرد إعادة انتشار، لا إلى إنهاء فعلي لظاهرة الميليشيات.
في المحصلة، يبدو العراق واقفا على عتبة مرحلة انتقالية شديدة الحساسية. فالتحول في مواقف بعض الفصائل الموالية لإيران يعكس إدراكا متزايدا بأن زمن العمل المسلح خارج الدولة يقترب من نهايته، لكنه لا يضمن بالضرورة نهاية هذا المسار. فالمشهد ما يزال مفتوحا على احتمالات متعددة: تسوية تدريجية تنهي ازدواجية السلطة، أو إعادة تدوير النفوذ بأشكال جديدة، أو إعادة هندسة النظام السياسي العراقي.








