رؤى

انضمام الجزائر إلى مجموعة “بريكس”.. دوافع وأهداف

في لقائه الدوري مع وسائل الإعلام، كشف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لأول مرة، عن اهتمام الجزائر بالانضمام إلى مجموعة “بريكس” الاقتصادية، التي تضم دول العالم الأسرع نموًا في الوقت الحالي. وقد تحدث تبون عن “حظوظ كبيرة” للجزائر في الانضمام إلى المجموعة، لكونها “قوة اقتصادية وسياسية”، معتبرًا أن الالتحاق بها سيبعد الجزائر عن “تجاذب القطبين”.

ويأتي تعليق الرئيس الجزائري بعد عدة أشهر من دعوة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في مارس الماضي، لقادة دول مجموعة بريكس إلى التحرك نحو تشكيل “نظام متعدد الأقطاب” على مستوى العلاقات  الدولية؛ وذلك بعد تعرض روسيا لعقوبات غربية، بسبب الحرب في أوكرانيا.

بوتين

رهان سياسي

تتطلع الجزائر للانضمام إلى مجموعة بريكس، في مسعى لتعزيز حضورها، ليس فقط الاقتصادي، ولكن السياسي أيضًا، خارج محيطها المغاربي والأفريقي؛ خاصة أن مسألة عضوية المجموعة ترتبط بالعلاقات الدولية والحسابات الاستراتيجية والتحالفات، بالنظر إلى ما يشهده العالم من تحولات جيوسياسية راهنًا.

ولعل الرهان السياسي الذي تعتمد عليه الجزائر في السعي إلى عضوية بريكس، يستند إلى عدد من الدوافع..

أهم هذه الدوافع، تأكيد النهج السياسي المتعلق بالشراكة مع روسيا والصين؛ فمن الناحية التاريخية، ترتبط الجزائر بعلاقات قوية مع الصين وروسيا. وبالتالي، فالطلب الجزائري لعضوية بريكس يمثل خطوة سياسية ترمي من خلالها الجزائر إلى تأكيد تحالفاتها مع القوتين الآسيويتين؛ حيث إن الموافقة على طلب العضوية تمتد ربما إلى سنوات.

واللافت للنظر، أن سياق الدعوة الجزائرية بالانضمام إلى تلك المجموعة يتماشى مع تحالفاتها المساندة لروسيا خصوصاً؛ حيث امتنعت الجزائر عن التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، في مارس الماضي، الذي كان يطالب روسيا بالانسحاب الفوري من أوكرانيا، متشاركة في موقفها هذا مع كل من الصين والهند وجنوب أفريقيا.

من الدوافع أيضًا، تعزيز الحضور السياسي والاقتصادي، خارج المحيط الإقليمي؛ إذ تسعى الجزائر لأجل تعزيز حضورها خارج المنطقة المغاربية. وفي ظل التعثرات الدبلوماسية بالمنطقة، أصبحت الجزائر تفكر في البحث عن تحالفات دولية وإقليمية جديدة؛ بما يشمل هذه المجموعة (بريكس)، الهادفة إلى تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي بين أعضائها؛ فضلاً عن عضوية بريكس لـ”جنوب أفريقيا” التي تمثل حليفًا استراتيجيًا للجزائر.

ولعل ذلك يبدو بوضوح عبر تصريحات الرئيس الجزائري؛ ففي المقابلة التليفزيونية، التي كشف فيها الرئيس تبون عن الاهتمام بعضوية مجموعة بريكس، قال: “إن بريكس تهمنا، كبديل لمراكز القوى التقليدية… إنهم يشكلون قوة اقتصادية وسياسية”.

وكان تبون قد سبق وشارك في قمة بريكس، عبر تقنية الفيديو، في نهاية يونيو الماضي؛ وتحدث وقتذاك عن “مقاربة الجزائر حول ضرورة السعي نحو إقامة نظام اقتصادي جديد، يضمن التكافؤ والمساواة بين مختلف الدول”، حسب ما نقلت عنه وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية.

تبون

من هذه الدوافع كذلك، تنشيط الدور الإقليمي للجزائر في شمال أفريقيا؛ حيث أسهمت التحولات الراهنة التي طرأت على دول الجوار الإقليمي للجزائر، إلى تعرض دوائرها الجيوسياسية لتحديات متزايدة، أهمها: انهيار الدولة في ليبيا، وصعوبة إعادة الاستقرار إلى مالي، وطول المرحلة الانتقالية في تونس؛ فضلًا عن قضية الصحراء الغربية، والمشكلات المثارة مع المغرب بشأنها، مع تنامي الوجود العسكري الأجنبي الفرنسي في الساحل الأفريقي.

ومن ثم، تجد الجزائر نفسها مضطرة إلى تنشيط وتفعيل دورها الإقليمي، بشكل يتناسب مع إمكاناتها، خاصة المتعلقة بالطاقة، في جنوب المتوسط وشمال أفريقيا؛ فهي وإن كانت أكبر مُصَّدِرٍ للغاز في أفريقيا، إلا أنها في الوقت نفسه، تضع نصب أعينها الوضع التنافسي سياسيا، خصوصا مع مصر، في منطقة الشمال الأفريقي؛ حيث إن الأخيرة تأتي من بين الدول التي تقدمت بـ”طلب انضمام” إلى المجموعة، مثلها في ذلك مثل: إيران والأرجنتين وتركيا وإندونيسيا، فضلا عن السعودية.

طموح اقتصادي

ينبع اهتمام الجزائر بالانضمام إلى مجموعة بريكس، من قوة المجموعة الاقتصادية التي لا يمكن صرف النظر عنها على مستوى العالم؛ ويبدو الطموح الاقتصادي الجزائري عبر عدد من الأهداف..

من هذه الأهداف، البحث عن شراكات اقتصادية دولية كبرى؛ فالاقتصاد الجزائري يحتاج إلى المليارات حتى يتعافى، ويتحول إلى اقتصاد منتج ومنافس. وفضلًا عن العلاقات الدبلوماسية الجيدة، والتعاون الاقتصادي مع دول بريكس، فإن انضمام الجزائر إلى المجموعة، يُمثل خطوة متقدمة من حيث إن المجموعة هي كيان اقتصادي مؤثر وفاعل في العلاقات والتبادلات الدولية.

فهذه المجموعة تُسهم بحوالي 23 % من الاقتصاد العالمي، و18 % من تجارة السلع، و25 % من الاستثمارات الأجنبية. فضلا عن أن عدد سكان دول المجموعة يبلغ 40 % من سكان العالم. ووفقًا لبيانات صندوق النقد الدولي، فإن إجمالي الناتج المحلي لدول المجموعة يصل إلى 44.1 تريليون دولار، وهو ما يُمثل 25 % من إجمالي الناتج العالمي؛ وبذلك يتجاوز حجم اقتصادات دول بريكس، إجمالي الناتج المحلي لدول مجموعة السبع الكبرى، الذي يبلغ 40.7 تريليونًا.

أضف إلى ذلك هدف التحول إلى قوة اقتصادية في المتوسط الجنوبي؛ فالجزائر عبر رغبتها في اكتساب مكانة اقتصادية مهمة في ظل “نظام اقتصادي متعدد الأقطاب”، بحسب تصريحات عبد المجيد تبون، تحاول الاستفادة من سعي دول بريكس لخلق توازنات جديدة في العالم، عبر تعزيز التعاون الاقتصادي.

وتعتمد الجزائر، في طلب الانضمام إلى المجموعة، على ما تمتلكه من إمكانات اقتصادية، خصوصا في مجال النفط والغاز، فضلا عن كونها دولة متحررة من الديون الخارجية، ولها احتياطي جيد من العملات “الصعبة” يفوق 44 مليار دولار، وهي ثالث دولة في العالم من حيث احتياطي الذهب، الذي يصل إلى 173 طنًا.

أضف إلى ذلك، محاولتها في الدخول على خط رغبة الدول أعضاء بريكس في توسيع دوائر أعمال المجموعة في مختلف المجالات  التجارية والمالية والاستثمارية، والتي تتضح من خلال تصريحات رئيسة المنتدى الدولي للمجموعة، وأيضًا الرئيس الروسي الذي أعلن خلال المنتدى الأخير لـ”بريكس” في بكين، أنه يجري العمل على مسألة إنشاء “عملة احتياطية دولية”، على أساس سلة من عملات دول المجموعة، ومؤكدًا على أن دوائر أعمال بريكس تتوسع باستمرار.

وأخيرًا، يأتي الهدف الخاص بتقوية الاقتصاد وإنجاز مشاريع طموحة؛ فالجزائر تراهن على جعل عام 2022، عامًا للمشاريع الاقتصادية الطموحة، وسط توجه إلى مراجعة قوانين مهمة مثل قانون الاستثمار، وقانوني البلدية والولاية اللذين يرتبطان بالتنمية على نحو وثيق.

وبحسب معطيات رسمية، نقلًا عن لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني، فقد أنهى الاقتصاد الجزائري عام 2021، بأرقام مُشجعة؛ حيث عرفت السنة الماضية ارتفاع الصادرات غير النفطية، التي قاربت 4.5 مليار دولار، في نهاية شهر نوفمبر الماضي، محققة طفرة استثنائية (وصلت إلى 160 %، مقارنة بالعام 2020).

دوافع وأهداف

في هذا السياق، يبدو أن صانع القرار الجزائري قد قرأ بعناية تصريحات رئيسة المنتدى الدولي لدول مجموعة بريكس، بورنيما أناند، بأن “مجموعة من الدول قد تنضم قريبا إلى المجموعة”؛ وقرأ أكثر توجه دول بريكس إلى الاهتمام، منذ سنوات، بإعادة توسيع نفوذ المجموعة، من خلال الانفتاح على اقتصادات ناشئة، ذات استقلالية نسبية عن الغرب.

ومع التحولات الدولية الأخيرة، وتحديدا منذ بداية الحرب الروسية في أوكرانيا، بدا أن اقتراح الصين توسيع “بريكس”، يعد مؤشرًا على فرصة تاريخية بالنسبة إلى الجزائر، لابد من الاستفادة منها.. إن لم يكن اقتصاديا في المستقبل القريب، فعلى الأقل سياسيًا لتفعيل مكانة الجزائر، كـ”قوة إقليمية” في جنوب المتوسط وشمال أفريقيا.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock