يُمثل اللسان العربي في القرءان الكريم، اللسان العربي المبين أو اللسان القرءاني، قمة الإعجاز البياني؛ حيث يُختار كل لفظ بدقة بالغة ليوحي بدلالات من لفظ إلى آخر، ومن مصطلح إلى آخر. ومن الألفاظ التي تستوقف الباحث “الفعل” و”العمل”؛ حيث يظن الكثيرون أنهما مترادفان، ولكن التتبع القرءاني يكشف عن تمايز دلالي عميق، يمنح كل لفظ منهما مساره الخاص وسياقه المناسب.
بل، إن التفرقة بين الفعل والعمل تتيح للمتأمل في التنزيل الحكيم فهم الديناميكيات الداخلية للسلوك الإنساني: الفعل هو البداية، والعمل هو النتيجة، والقرءان يجمع بين الاثنين ليضع أساسا للعدل الإلهي والمكافأة الأخروية، ويشجع الإنسان على ربط النية بالإنجاز، والرغبة بالاستمرارية، والطموح بالثمر.
بذلك، يصبح الفعل والعمل في القرءان الكريم ليسا مجرد كلمات، وإنما أداة لغوية وروحية لفهم العلاقة بين الإنسان وربه، بين الإرادة والممارسة، وبين النظرية والتطبيق؛ بما يضفي على النص القرءاني بُعدا تربويا وأخلاقيا متفردا، ويبرز دقة استخدام اللسان القرءاني في توجيه الإنسان نحو حياة متوازنة وملتزمة بالقيم العليا.
الاصطلاح والدلالة
لغة، يُشتق الفعل من “فَعَلَ” الذي يدل على إحداث أثر، وهو أعم من العمل. وقد عرفه الراغب الأصفهاني بأنه “إيجاد الأثر في الشيء”. أما العمل فيأتي من “عَمِلَ” الذي يدل على فعل يتطلب جهدا وإتقانا، وغالبا ما يرتبط بالصنعة أو المهارة. ويمكن القول إن كل عمل فعل، ولكن ليس كل فعل عملا.
وفي الاصطلاح القرءاني، يتسع المفهومان ليشملا نواحي السلوك الإنساني الدينية والدنيوية، لكن مع وجود فارق جوهري في الاستخدام يكشف عن رؤية قرءانية للسلوك الإنساني وعلاقته بالنوايا والنتائج.
وهنا، لنا أن نتناول ملامح دلالة كل من الفعل والعمل.. في السياق القرءاني:
أولا: دلالة الفعل في السياق القراءاني
يأتي لفظ “الفعل” في القرءان الكريم غالبا للإشارة إلى الحدث المجرد، أو الفعلة الواحدة، دون ضرورة ارتباطها بنية مسبقة أو تكليف؛ وهو أعم وأشمل من العمل. ومن خصائصه:
1- يستخدم للدلالة على فعل الله سبحانه وتعالى؛ حيث لا يُوصف الله سبحانه بأنه “يعمل”، لأن العمل يتطلب جهدا وتكلفا؛ بل هو يفعل ما يشاء، كما في قوله عزَّ وجل: “… إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ” [هود: 107]؛ وكما في قوله عزَّ من قائل: “فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ” [البروج: 16]؛ وكما في قوله تبارك وتعالى: “… إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ” [الحج: 14].
ولا يتوقف الأمر عند حدود الإرادة الإلهية؛ ولكن يشمل أيضا، المشيئة الإلهية -وبالطبع، هناك فوارق واضحة بين الإرادة والمشيئة- كما في قوله سبحانه وتعالى: “قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ” [آل عمران: 40]. وبالتالي، يأتي التأكيد القرءاني في قوله سبحانه: “لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ” [الأنبياء: 23]. ولنا أن نتأمل كيف يرد هذا التأكيد القرءاني، في سياق التدليل على واحدية الله، وذلك في الآية السابقة مباشرة لهذه الآية؛ نعني قوله سبحانه: “لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ” [الأنبياء: 22].
أيضا، يأتي في سياق التدليل على القدرة الإلهية، في مواجهة الظالمين من الأقوام الإنسانية؛ كما في قوله عزَّ وجل: “أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ” [الفجر: 6]؛ وكما في قوله عزَّ من قائل: “أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ” [الفيل: 1].
2- يرتبط بالسرعة والحدث الفوري؛ كما في قوله سبحانه وتعالى: “وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ” [الأنعام: 93]. فالفعل “ٱفۡتَرَىٰ”، أو “قَالَ” (بشيء غير صحيح)، يدل على فعلة محددة وسريعة.
هذا، فضلا عن كونه، أي لفظ “الفعل” في القرءان الكريم، يشمل الأفعال الحسية والمعنوية، حتى تلك التي لا إرادة للإنسان فيها. ولهل ذلك ما يتبدى بوضوح في قوله سبحانه: “تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُواْ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ” [الأحقاف: 25]. فـ”التدمير”، هنا، فعل؛ وليس عملا بالمعنى الإنساني الإرادي.
3- يرد كثيرا في سياق الأفعال المُنكرة أو الآثام، للدلالة على الفعلة المجردة، المنبوذة أو المكروهة، أو الأفعال الدالة على الجهل والجهالة. في الأولى، يأتي قوله تعالى: “وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ” [الأعراف: 28]. وفي الثانية، يأتي قوله عزَّ وجل: “قَالَ هَلۡ عَلِمۡتُم مَّا فَعَلۡتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذۡ أَنتُمۡ جَٰهِلُونَ” [يوسف: 89]؛ وأيضا، قوله عزَّ من قائل: “يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ” [الحجرات: 6].
ثانيا: دلالة العمل في السياق القراءاني
يأتي لفظ “العمل” في القرءان الكريم غالبًا للدلالة على السلوك المرتبط بالوعي، الإرادة، الاستمرارية، والتكليف. ومن خصائصه:
1- يرتبط بالنية والقصد والإرادة، فالعمل لا يكون إلا من مكلّف عاقل؛ ومن ثم، يأتي قوله سبحانه وتعالى: “وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ” [التوبة: 105].
ولأن الإنسان سيلقى حسابا على الأعمال، سواء الصالحة أو الطالحة، من رب العالمين؛ ولأن الخطوة الأولى في هذا الحساب الإلهي أن يجد الإنسان أعماله أمامه.. لذلك، تأتي القاعدة الإلهية في قوله سبحانه: “يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ” [النحل: 111]. واعتمادا على هذه القاعدة، الإلهية، في الحساب الإلهي للإنسان في ما قام به من أعمال، تكون النتيجة المنطقية هي التي ترد في قوله تعالى: “يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ” [آل عمران: 30].
2- يتجاوز مجرد الفعل إلى الأثر والإنجاز، ويشير غالبًا إلى النتيجة الملموسة لما يقوم به الإنسان، سواء كان ماديا أو معنويا، ويُستعمل لبيان الجزاء والمكافأة، أو لتأكيد القيمة الأخلاقية والشرعية للفعل. يقول الله تبارك وتعالى: “فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٭ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ” [الزلزلة: 7-8]. في هذه الآية، يظهر أن العمل يشمل كل أثر ملموس للفعل، سواء كان خيرا أو شرا؛ إذ يؤكد القرءان أن العمل مرتبط بالجزاء والحساب، أي إن أثر الفعل ونتيجته تتجسد في العمل الذي يحاسب عليه الإنسان يوم القيامة.
ويستخدم القرءان مصطلح “العمل” أيضا للإشارة إلى الطاعة أو المعصية بشكل محدد، بحيث يصبح العمل مؤشرًا على التزام الإنسان بتعاليم الله أو مخالفته لها. لذا، يأتي الجزاء الأخروي على “العمل”؛ كما في قوله سبحانه: “فَٱلۡيَوۡمَ لَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗا وَلَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ” [يس: 54] وأيضا كما في قوله تعالى: “وَمَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ” [الصافات: 39].
في هذا الإطار.. يمكن القول إن التمييز القرءاني بين “الفعل” و”العمل” يُظهر نظرة عميقة للسلوك الإنساني. فالإنسان في القرءان الكريم ليس مجرد فاعل لأحداث، وإنما هو “عامل” مسئول عن أفعاله، يبني بها مسيرة حياته الأخروية. الفعل قد يكون عابرا، لكن العمل هو البصمة الواعية التي يتركها الإنسان في الحياة.








