يمثّل إعلان رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، أول أمس الأحد- عودة الحكومة رسميا إلى العاصمة الخرطوم، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، خطوة تتجاوز بكثير بعدها الإداري أو الرمزي المباشر، لتلامس عمق المشهد السياسي والأمني في السودان، وتفتح بابا واسعا للتأويل حول طبيعة المرحلة المقبلة في مسار الصراع، وحدود التحولات التي طرأت على موازين القوة، واتجاهات الدولة السودانية بعد واحدة من أعنف الحروب التي شهدتها العاصمة منذ الاستقلال.
فالخرطوم ليست مجرد مقر للحكم؛ بل هي مركز الثقل السياسي، والعقدة الرمزية للدولة السودانية، والسيطرة عليها -أو العودة إليها- تحمل دائما دلالات سيادية، ورسائل داخلية وخارجية لا يمكن فصلها عن طبيعة الصراع القائم.. ومن ثم فإن قرار الحكومة الانتقال من بورتسودان، التي تحولت اضطرارا إلى عاصمة مؤقتة، والعودة إلى الخرطوم، يشكّل إعلانا سياسيا عن استعادة جزئية أو كلية لزمام المبادرة، أو على الأقل عن السعي إلى تكريس صورة جديدة للواقع الميداني.
من الناحية السياسية، تعكس هذه الخطوة رغبة واضحة من الحكومة في إعادة ترسيخ مفهوم “الدولة الحاضرة”، بعد فترة طويلة من الغياب القسري عن مركزها الطبيعي. فالعمل من خارج العاصمة -مهما طال- يبقى في الوعي الجمعي حالة استثنائية مرتبطة بالضعف أو الاضطرار. والعودة إلى الخرطوم تحمل رسالة مفادها أن الحكومة لم تعد ترى نفسها سلطة منفية داخل البلاد، بل سلطة تسعى لاستعادة انتظام مؤسسات الدولة، ولو بشكل تدريجي أو رمزي في المرحلة الأولى.
كما أن توصيف إدريس للحكومة بـ”حكومة الأمل” ليس توصيفا عابرا، بل يحمل محاولة لإعادة بناء سردية سياسية جديدة، تُخرج السلطة التنفيذية من حالة الدفاع والتبرير، إلى خطاب المبادرة وإعادة الإعمار وتحسين الخدمات. فربط العودة بوعود تتعلق بالكهرباء والمياه والمستشفيات والجامعات، وعلى رأسها جامعة الخرطوم، يعكس سعيا لإعادة تعريف الشرعية، لا بوصفها مجرد سيطرة أمنية، وإنما بوصفها قدرة على تلبية الحد الأدنى من احتياجات المواطنين، واستعادة الوظائف الأساسية للدولة.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن العودة إلى الخرطوم تشكّل محاولة لإعادة وصل السياسة بالحياة اليومية للناس، بعد أن هيمنت لغة الحرب والنجاة والبقاء على الخطاب العام لأكثر من اثنين وثلاثين شهرا. فالدولة التي تعِد بإعادة تأهيل المدارس والمستشفيات، هي دولة تحاول الانتقال -ولو خطابياـ من منطق الطوارئ العسكرية إلى منطق الإدارة المدنية، حتى وإن ظل الواقع الميداني معقّدا وغير مستقر بالكامل.
أما على الصعيد الأمني، فإن العودة تحمل دلالات أكثر حساسية وتعقيدا. فالخرطوم كانت -وما تزال- الساحة الأبرز للاشتباكات، ومسرحا لدمار واسع، وتداخل شديد في مناطق النفوذ والسيطرة. وبالتالي، فإن قرار العودة لا يمكن فصله عن تقدير أمني مفاده أن مستوى التهديد لم يعد في ذروته السابقة، أو أن الحكومة ترى أن المخاطر أصبحت “قابلة للإدارة”، على الأقل في بعض مناطق العاصمة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الخرطوم باتت آمنة بشكل كامل، أو أن الحرب انتهت فعليا؛ ولكنه يشير إلى تغيّر نسبي في ميزان السيطرة، أو إلى قناعة سياسية بأن البقاء خارج العاصمة بات أكثر كلفة من العودة إليها، حتى في ظل بيئة أمنية غير مثالية. فالسلطة -في لحظات التحول الكبرى- لا تنتظر دائما اكتمال شروط الاستقرار، وإنما قد تصنع جزءا من هذا الاستقرار عبر الفعل الرمزي والسياسي نفسه.
ومن زاوية أخرى، فإن العودة إلى الخرطوم تشكّل رسالة ردع ضمنية، مفادها أن العاصمة لم تعد ساحة مفتوحة بلا مركز سيادي، وأن الدولة مهما ضعفت، ما زالت ترى نفسها صاحبة الحق والوجود. وهذه الرسالة موجّهة ليس فقط إلى الأطراف المسلحة؛ بل أيضا إلى القوى السياسية، والفاعلين الإقليميين والدوليين، الذين يراقبون تطور المشهد السوداني عن كثب.
إقليميا ودوليا، تحمل الخطوة دلالة على سعي الحكومة لاستعادة الاعتراف العملي بكونها السلطة المركزية القادرة على إدارة البلاد من عاصمتها، لا من مدينة بديلة. فالعمل من بورتسودان، رغم أهميته في مرحلة معينة، كان يكرّس صورة الانقسام الجغرافي والوظيفي للدولة. أما العودة إلى الخرطوم، فهي محاولة لإعادة توحيد الجغرافيا السياسية للدولة، أو على الأقل إعادة رسم مركزها الرمزي.
لكن السؤال الأهم يظل: هل تؤشر هذه الخطوة إلى مرحلة جديدة في مسار الصراع الممتد منذ أشهر في السودان؟
الإجابة هنا ليست أحادية.. فمن ناحية، يمكن القول إن العودة تعكس انتقالا من مرحلة “الصدمة والانهيار” إلى مرحلة “إدارة ما بعد المعارك الكبرى” أي إن الصراع -وإن لم ينتهِ- قد تجاوز ذروته الأكثر تدميرا داخل العاصمة. وهذا بحد ذاته تحوّل مهم، لأن الحروب لا تنتهي فجأة، بل تمر عادة بمراحل من الانحسار النسبي، وإعادة التموضع، والتكيّف السياسي.
ومن ناحية أخرى، فإن العودة قد تكون أيضا جزءا من معركة الرموز، ومحاولة لفرض أمر واقع سياسي، حتى في ظل استمرار النزاع في أطراف أخرى من البلاد. فالسودان، بحجمه وتعقيداته، لا يمكن اختزال صراعه في الخرطوم وحدها، لكن العاصمة تظل نقطة الارتكاز النفسية والسياسية، والسيطرة عليها -أو العودة إليها- تمنح أفضلية في صياغة السردية الوطنية.
كما أن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام مسارات تفاوض جديدة، أو على الأقل تغيّر شروط التفاوض. فالحكومة التي تعود إلى عاصمتها تتفاوض من موقع مختلف عن حكومة تعمل من المنفى الداخلي. وهذا لا يعني بالضرورة تصلّب المواقف، ولكن قد يعني محاولة فرض معادلة جديدة: تفاوض من داخل الدولة، لا من هامشها.
في المقابل، لا يمكن تجاهل المخاطر الكامنة في هذه العودة. فإذا لم تُترجم الوعود الخدمية والأمنية إلى تحسّن ملموس في حياة الناس، فقد تتحول الخطوة من رافعة سياسية إلى عبء إضافي على الحكومة. فالخرطوم مدينة مجروحة منهكة، وسكانها عانوا ما لم يعانوه منذ عقود، وأي عودة رمزية غير مصحوبة بإجراءات عملية سريعة قد تُقابل بخيبة أمل واسعة.
كذلك، فإن التحدي الأمني يظل قائما، فإعادة تشغيل مؤسسات الدولة في بيئة ما بعد الحرب تتطلب ضبطا أمنيا دقيقا، وتنسيقا عالي المستوى، وإدارة ذكية للتوترات الكامنة، حتى لا تتحول العاصمة مرة أخرى إلى بؤرة انفجار.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن عودة الحكومة السودانية إلى الخرطوم تشكّل حدثا مفصليا في سياق الصراع، لا بوصفه إعلانا لنهايته، بل باعتباره مؤشرا على تحوّل في طبيعته. فهي خطوة تحمل في طياتها محاولة للانتقال من منطق البقاء والنجاة إلى منطق استعادة الدولة، ومن إدارة الأزمة من الأطراف إلى مواجهتها من المركز. غير أن نجاح هذه الخطوة، وتحولها إلى بداية مرحلة جديدة فعلا، سيظل مرهونا بقدرة الحكومة على تحويل الرمزية إلى واقع، والوعود إلى سياسات، والعودة إلى مشروع وطني جامع يعيد للسودانيين ثقتهم في الدولة، وفي المستقبل.








