رؤى

دلالة العمل الصالح.. في الميزان القرءاني

في الخطاب القرءاني يحتلّ مفهوم العمل الصالح موقعا محوريا، حتى يكاد يكون العصب الذي تدور حوله منظومة الإيمان والسلوك والجزاء. فالقرءان الكريم لا يكتفي بتقرير العقائد المجردة، ولكن يربط الإيمان بالفعل، والاعتقاد بالممارسة، ويجعل العمل الصالح المظهر العملي للإيمان الصادق، والميزان الحقيقي لقيمة الإنسان عند الله. ومن ثمّ، فإن تتبع هذا المفهوم من حيث دلالته القرءانية، ومن حيث الفئات التي نُعِتت به، ثم من حيث الجزاء المترتب عليه، يكشف عن رؤية قرءانية متكاملة للإنسان، ودوره، ومصيره.

العمل الصالح

العمل الصالح في التنزيل الحكيم ليس مجرد فعل حسن من الناحية الأخلاقية أو الاجتماعية؛ بل هو مفهوم مركّب يجمع بين الصلاح في ذاته، والصلاح في مقصده، والصلاح في أثره. إذ إن لفظ “الصلاح” في أصلها اللساني، تدل على الاستقامة، وضدّ الفساد؛ ومن هنا، جاء الاستعمال القرءاني لها للدلالة على ما يوافق أمر الله، ويحقق الغاية التي خُلق الإنسان من أجلها، وبسببها جعله سبحانه وتعالى “فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ”، كما في قوله سبحانه: “وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ…” [البقرة: 30].

واللافت أن القرءان نادرا ما يذكر العمل الصالح مفردا دون أن يقرنه بالإيمان، كما في الصيغة القرءانية: “ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ”، وهي صيغة وردت في العديد من الآيات القرءانية، ما يدل على أن العمل الصالح في المنظور القرءاني ثمرة الإيمان ودليله العملي، وليس بديلا عنه ولا مجرد إضافة ثانوية إليه. فالإيمان بلا عمل صالح إيمان ناقص أو مدّعى، والعمل بلا إيمان فاقد للوجهة والغاية الأخروية.

والمثير للتأمل والانتباه -في آن- أننا لو تتبعنا الاقتران بين العمل الصالح والإيمان، في السياق القرءاني، لوجدنا أن العمل الصالح جاء مقرونا بالإيمان في “خمسةٍ وسبعين” موضعا في القرءان الكريم. ومنها قوله سبحانه وتعالى: “وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ…” [البقرة: 25]؛ وقوله سبحانه: “وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ…” [النساء: 57 & النساء: 122]؛ وقوله تعالى: “وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ” [الأعراف: 42]. بل، إن الأمر لا يتوقف عند حدود الاقتران بين العمل الصالح والإيمان في التنزيل الحكيم، ولكن يصل إلى حد “الوعد الإلهي” بـ”مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ”، كما في قوله عزَّ وجل: “وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ” [المائدة: 9].

أيضا، يستخدم القرءان صيغة الجمع “الصالحات” ﴿ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾، للدلالة على تنوّع مجالات العمل الصالح واتساع دائرته؛ فهو يشمل العبادات، والمعاملات، والأخلاق، والإصلاح الاجتماعي، ونفع الناس؛ بل، وعمارة الأرض، بما يتضمنه مصطلح “العمارة” من شمول تعمير الحياة بجوانبها المختلفة على الأرض.. كما ورد على لسان نبي الله صالح عليه السلام، في حديثه إلى قومه ثمود، في قوله عزَّ من قائل: “هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا…” [هود: 61]؛ فالإعمار هنا عمل، وإذا كان على وفق منهج الله كان صالحا. ولنا أن نُلاحظ، هنا، كيف وردت ﴿ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ رسما قرءانيا دون تثبيت حرف الألف، للدلالة على الجوانب المعنوية الوظيفية في عمل هذه الصالحات.

ومن الدلالات المهمة، إضافة إلى ما سبق، أن القرءان الكريم لا يحصر العمل الصالح في صورة شكلية أو طقوسية؛ وإنما يربطه بالقصد والنية، وبالأثر الإصلاحي، كما في قوله سبحانه: “لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ…” [البقرة: 177]؛ فالبر ـ وهو من أعلى مراتب الصلاح ـ عمل قلبي وسلوكي معا.

الميزان القرءاني

عند تتبع الآيات القرءانية نجد أن وصف “العمل الصالح” لم يُخصّص بطبقة اجتماعية، ولا بجنس، ولا بقوم دون قوم؛ بل هو وصف مفتوح لكل من حقق شروطه. فـ”الميزان القرءاني” ليس النسب ولا الانتماء، وإنما الإيمان والعمل.

– المؤمنون والمؤمنات.. حيث يصرّح القرءان الكريم بمساواة كاملة بين الرجال والنساء في ميدان العمل الصالح والجزاء عليه؛ كما في قوله تعالى: “مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ” [النحل: 97]؛ وهذه الآية تقطع الطريق على أي فهم يُقصي المرأة من الفاعلية الدينية أو الاجتماعية، وتؤكد أن معيار الصلاح واحد.

– الأنبياء والصالحون.. فالأنبياء أنفسهم وُصفوا بالعمل الصالح، مع عصمتهم وعلوّ مقامهم، كما في قوله سبحانه عن نبي الله إبراهيم عليه السلام: “وَنَجَّيۡنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا لِلۡعَٰلَمِينَ ٭ وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ نَافِلَةٗۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا صَٰلِحِينَ” [الأنبياء: 71-72]؛ بل ويستمر السياق القرءاني في التأكيد على أن العمل الصالح ليس مرتبة يُستغنى عنها حتى لأعلى الناس مقاما، وإنما هو سمة ملازمة للاصطفاء الإلهي، كما في قوله تعالى، في الآية التالية مباشرة: “وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ” [الأنبياء: 73].

– الصالحون من الأمم السابقة.. إذ يذكر القرءان الكريم أن العمل الصالح ليس حِكرا على أمة محمد عليه الصلاة والسلام؛ وإنما هو قيمة ممتدة في تاريخ الوحي، كما في قوله تبارك وتعالى: “إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ” [البقرة: 62]، فالعمل الصالح هو معيار النجاة، مقرونًا بالإيمان الصحيح. ولنا أن نُلاحظ، هنا، كيف إن الآية الكريمة تُبطل دعاوي البعض من الجهلاء بالتدبر القرءاني، في تقسيم المجتمعات، وكأنه سبحانه قد أعطاهم “صك” جنته (حاشاه).

– العموم من الناس.. حيث لم يجعل القرءان العمل الصالح حِكرا على الخاصة أو النخب؛ ولكن دعا إليه عموم الناس، وفتح بابه للجميع، كما في قوله عزَّ وجل: “وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا” [الإسراء: 19]؛ فالسعي هنا عمل، وكل إنسان قادر على هذا السعي بقدر طاقته.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن مفهوم العمل الصالح يُعَدُّ من المفاهيم المركزية في القرءان الكريم، التي تشكل مع الإيمان مرتكزَ العقيدة الإسلامية وغايتَها. فالعمل الصالح هو التعبير العملي للإيمان، والثمرة الحقيقية للعقيدة السليمة. ويأتي القرءان الكريم ليؤكد أن الإيمان بدون عمل صالح ناقص، والعمل الصالح بدون إيمان لا قيمة له في الميزان الأخروي.

وللحديث بقية.

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى