تحتلّ مسألة جزاء العمل الصالح، في التنزيل الحكيم، مكانة مركزية في البنية العقدية والتربوية للإسلام؛ إذ يرتبط ارتباطا وثيقا بفلسفة الاستخلاف الإنساني، وبسُنن الله في الجزاء، وبمفهوم العدل الإلهي الذي يحكم مسار الحياة الدنيا والآخرة. فالقرءان الكريم لا يقدّم العمل الصالح بوصفه فعلا أخلاقيا مجردا؛ ولكن يربطه ربطا عضويا بالنتائج والمآلات، ليكون الجزاء عنصرا محفّزا ومقوّما للسلوك الإنساني، وضابطا للعلاقة بين الإيمان والعمل.
الجزاء في الدنيا
ومن اللافت، في الخطاب القرءاني، أن جزاء العمل الصالح لا يقتصر على الآخرة وحدها، كما قد يُظن؛ بل يمتدّ أثره إلى الدنيا، في صورة الطمأنينة، والبركة، والحياة الطيبة، والنصر، والتمكين، وحسن العاقبة. يقول الله سبحانه وتعالى: “مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ” [النحل: 97]؛ وهي آية تؤسس لمفهومٍ قرءاني عميق، مفاده أن الاستقامة العملية ليست مؤجلة الثمار بالكامل إلى الآخرة، بل تُثمر في الواقع المعاش، على مستوى النفس والمجتمع معا. فالحياة الطيبة هنا، تشمل السكينة القلبية والرضا والتوفيق، وإن لم تتجسّد بالضرورة في وفرة مادية.
وفي مواضع أخرى، يربط التنزيل الحكيم بين العمل الصالح والصلاح الجماعي، وما يترتب عليه من أمنٍ واستقرارٍ وتمكين، كما في قوله سبحانه: “وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ…” [النور: 55]، ما يدلّ على أن العمل الصالح ليس شأنا فرديا صرفا، ولكن هو قوة حضارية فاعلة في صناعة التاريخ وبناء العمران. ومن ثم، يأتي التأكيد على الوعد الإلهي، في موضع آخر، في قوله تعالى: “وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ”. [المائدة: 9]
إذ إن العمل الصالح سبب في صلاح المجتمعات، ورفع الفساد ودفع الهلاك العام، كما يُفهم من قوله تبارك وتعالى: “وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ” [هود: 117]؛ فالإصلاح ـ وهو أرقى صور العمل الصالح ـ سبب للبقاء والعمران. ولأن ذلك كذلك، تأتي المغفرة والرحمة الإلهية لأولئك “ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ”، كما في قوله سبحانه وتعالى: “وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ”. [العنكبوت: 7]
الجزاء في الآخرة
أما في الآخرة، فإن القرءان يوسّع دائرة الجزاء، ويكشف عن أبعاده الكاملة، حيث يتحقق العدل الإلهي التام، وتُوزن الأعمال بميزان الحق، دون ظلم أو نقص. يقول عزَّ وجل: “فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرا يَرَهُۥ ٭ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ”. [الزلزلة: 7-8] وهي آية تؤكد شمول الجزاء ودقّته، وأن العمل الصالح – مهما بدا صغيرا- محفوظٌ في علم الله، ومجازى عليه جزاءً كاملا.
ويتميّز الجزاء الأخروي في التنزيل الحكيم بكونه مضاعفا، غير محدود بالمنطق البشري للحساب، كما في قوله عزَّ من قائل: “مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ” [البقرة: 261] ما يعكس سعة الفضل الإلهي، وأن العلاقة بين العمل والجزاء لا تقوم فقط على العدل، بل على الفضل والرحمة.
ولعل ذلك يتبدى بوضوح عبر تنوع صور الجزاء الأخروي، من حيث كونه هو الأصل والأبقى، تنويعا يوقظ الشوق والرجاء، ويؤكد عدل الله وفضله على العالمين. فمن ذلك ورود التعبير القرءاني “جَنَّٰتُ ٱلنَّعِيمِ” في أكثر من موضع، كـ”جزاء” لأولئك “ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ”.. في قوله سبحانه: “إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلنَّعِيمِ” [لقمان: 8]؛ وقوله تعالى: “ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ” [الحج: 56]؛ مما يدل على عظمة الجزاء، إذ نُسب مباشرة إلى الله.. وهو ما يؤكده قوله تبارك وتعالى: “إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ” [يونس: 9].
بل، إن القرءان الكريم يُقرر مبدأ عدم ضياع العمل الصالح مهما صغر، كما في قوله عزَّ وجل: “إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا” [الكهف: 30]؛ ليس فقط، ولكن إضافة إلى ذلك مضاعفة الأجر، كما في قوله عزَّ من قائل: “مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ” [الأنعام: 160]. وقد يصل التضعيف إلى أضعاف كثيرة بغير حساب، كما في آيات الإنفاق والعمل الخيري.
وفي هذا السياق، لا بد من تثبيت ملاحظة مهمة، تلك التي تتعلق بالتأكيد القرءاني في الجزاء للرجال والنساء، أو تحديدًا للذكور والإناث من الناس؛ وذلك كما يتبدى من خلال قوله سبحانه وتعالى: “فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ…” [آل عمران: 195].
وبذلك، يتأكد أن القرءان الكريم يقدّم تصورا متكاملا لجزاء العمل الصالح، يجمع بين الدنيا والآخرة، ويوازن بين التحفيز الأخلاقي، والتأسيس العقدي، والبناء الحضاري، ليجعل من العمل الصالح محورًا أساسيًا في حركة الإنسان نحو الكمال الفردي، والفلاح الجماعي، والنجاة الأبدية.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن العمل الصالح في القرءان الكريم ليس مفهوما هامشيا؛ بل هو جوهر المشروع القرءاني في بناء الإنسان والمجتمع. فهو التعبير العملي عن الإيمان، والوسيلة لتحقيق العبودية، والطريق إلى سعادة الدنيا والآخرة. وقد حرص التنزيل الحكيم على تحرير هذا المفهوم من الجمود، وربطه بالنية، والإصلاح، والنفع، وجعله متاحا لكل إنسان، دون تمييز، مع وعدٍ إلهي صادق بأن كل عمل صالح محفوظ، محسوب، ومجزى عليه بأفضل الجزاء.
ومن هنا، فإن الأمة التي تعي هذا المفهوم وتُفعّله في واقعها، هي أمة مرشحة للنهوض، والتمكين، والشهادة على الناس، كما أرادها الله.
وللحديث بقية.








