نقلا عن ميدل إيست مونيتور
صدر عن دار OR Books في شهر أكتوبر الماضي، كتاب بعنوان “التواطؤ: دور بريطانيا في تدمير غزة” للمؤلف بيتر أوبورن.
يبدأ أوبورن كتابه، بنظرة عامة مفصلة على جلسة الاستماع التي عقدتها محكمة العدل الدولية في يناير 2024، والتي تناولت مزاعم جنوب أفريقيا بشأن ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة. ويقارن الكتاب بين واقعين مختلفين: أحدهما قائم على الأدلة، والآخر يناقضها. يكتب أوبورن: “يكمن أحد التحديات في إثبات جريمة الإبادة الجماعية، في أن الجناة غالبا ما يبذلون قصارى جهدهم لإخفاء نواياهم”. وقد فشلت إسرائيل في إخفاء نيتها الإبادة الجماعية. ومع ذلك، أصدرت وزارة الخارجية بيانا يُخالف ذلك: “نرى أن تصرفات إسرائيل في غزة لا يمكن وصفها بالإبادة الجماعية”.
انطلاقا من هذين الواقعين المتناقضين -واقع الإبادة الجماعية وواقع السياسة البريطانية- يُفصّل كتاب “التواطؤ: دور بريطانيا في تدمير غزة” جميع تعقيدات التواطؤ السياسي والإعلامي البريطاني مع إسرائيل، وما قد يكون على المحك بالنسبة للوزراء البريطانيين الذين يُساعدون إسرائيل في ارتكاب الإبادة الجماعية في غزة. يُشير أوبورن إلى أن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها مُدمجة في القانون المحلي البريطاني، وأن المادة 52 تُجرّم أيضا التمكين والمساعدة في الإبادة الجماعية – وهو أمر كشفته الصحافة الاستقصائية في بريطانيا.
يكتب أوبورن: “في أي ديمقراطية، حتى تلك التي تعاني من عيوب مثل بريطانيا، وحتى في مجال الشئون الخارجية المعزول نسبيا، تحتاج المشاريع السياسية إلى قدر من الموافقة الشعبية”.
يُشير الكتاب إلى أن التواطؤ حدث بين الحزبين السياسيين الرئيسيين، وكذلك عبر وسائل الإعلام الرئيسية في بريطانيا؛ حيث عملت الأخيرة، منافذ دعائية للسياسيين الإسرائيليين والبريطانيين. وقد ساهم كلاهما أيضا في قمع المتظاهرين ضد الإبادة الجماعية في غزة، على الرغم من تاريخ بريطانيا الحافل بالاحتجاجات الشعبية. كان غزو العراق عام ٢٠٠٣، آخر مثال على ذلك قبل الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة.
يشير أوبورن، إلى أن بريطانيا أكدت لإسرائيل دعمها منذ بدء الإبادة الجماعية في غزة. والجدير بالذكر أن حزب العمال لم يعارض قرار رئيس الوزراء آنذاك، ريشي سوناك، بتقديم دعم عسكري لإسرائيل، دون طرحه للتصويت في البرلمان. وبعد أيام قليلة من السابع من أكتوبر، أكد زعيم حزب العمال، كير ستارمر، أن لإسرائيل الحق في فرض حصار على غزة، لكن يجب أن يكون كل شيء في إطار القانون الدولي. عارض كل من حزب العمال وحزب المحافظين وقف إطلاق النار، واختارا الهدنات الإنسانية. وفي معرض حديثه عن هجمات إسرائيل على وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، يشير أوبورن، إلى أن بريطانيا لم تتراجع عن موقفها بشأن تعليق تمويل الوكالة، كما فعلت دول أخرى، ما جعلها تتماشى مع موقف الولايات المتحدة، وتدعم الرواية الإسرائيلية بشكل مباشر. وفي معرض حديثه عن الدعم العسكري البريطاني لإسرائيل، كتب أوبورن: “يعكس موقف قيادة حزب العمال تبنيها لسياسة خارجية تقودها الولايات المتحدة”.
يقدم الكتاب تقييما شاملا لكيفية تصوير وسائل الإعلام البريطانية لرواية إسرائيل خلال الإبادة الجماعية. لم يقتصر الأمر على غياب أي اعتراض على الرواية الإسرائيلية، بل أغفلت معلومات سياقية حيوية، مع رفض إبراز أصوات يهودية تعارض العنف الاستعماري الإسرائيلي، مثل إيلان بابي وآفي شلايم.
ويشير أوبورن، مُلاحظًا تأثير جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل على وسائل الإعلام البريطانية، إلى أن هذا التأثير لم يستهدف الصحفيين الذين خرجوا عن خط الدعاية فحسب، بل أثر أيضا على التغطية الإخبارية: “استخدمت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) مصطلح “مجزرة” ما يقرب من ثمانية عشر ضعفا عند الحديث عن الضحايا الإسرائيليين مقارنةً بالضحايا الفلسطينيين، ولم تستخدمه أبدا في عناوين الأخبار المتعلقة بالفظائع الإسرائيلية”.
كما أغفلت الكثير من أعمال العنف الاستعماري الإسرائيلي في التقارير، ليس فقط التسلسل الزمني للأحداث التاريخية، بل أيضا التوجيهات العسكرية الإسرائيلية، مثل توجيه “هانيبال” ومبدأ الضاحية، والتي كان من شأنها أن تضع الكثير من الأعمال العدوانية الإسرائيلية في سياقها الصحيح، وأن تفند التقارير السابقة التي استندت فقط إلى أكاذيب إسرائيلية.
لم يُتَطَرَّق إلى نية إسرائيل في ارتكاب الإبادة الجماعية، والتي صرّح بها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وسياسيون إسرائيليون آخرون بوضوح. ويشير أوبورن إلى أن هذا يتناقض مع قضية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية. ويذكر الكتاب أيضا أن “مذيعي بي بي سي دحضوا مزاعم الإبادة الجماعية التي أدلى بها ضيوفهم في أكثر من مئة مناسبة”.
كما أن مناقشة أوبورن للمشهد السياسي والإعلامي البريطاني منذ 7 أكتوبر2023، متجذرة في السياق التاريخي لإمبريالية بلفور والتطلعات الصهيونية.
يقدم الكتاب لمحة موجزة عن الأحداث الرئيسية المتعلقة باستعمار فلسطين ودور بريطانيا أو رد فعلها، مشيرا إلى أنه منذ انهيار الإمبراطورية البريطانية، أصبح دور بريطانيا هامشيا في السياسة العالمية، وعكس في نهاية المطاف الموقف الأمريكي الذي عزز الاستعمار الصهيوني، كما رفضت بريطانيا إجراء محادثات مع حماس عام 2007، على الرغم من نصيحة لجنة الشئون الخارجية في مجلس العموم، وانحازت بدلا من ذلك إلى السياسة الغربية التي تدخلت في السياسة الفلسطينية في محاولة لإسقاط حماس.
إن صمت ستارمر حيال الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة يثير اهتماما بالغا. يستذكر أوبورن رفضه الدعوة إلى وقف إطلاق النار، ما جعل موقف حزب العمال متوافقا مع المصالح الجيوسياسية البريطانية. وعلى النقيض من عمله السابق محاميا لحقوق الإنسان، مدافعًا عن كرواتيا أمام محكمة العدل الدولية، في قضية الإبادة الجماعية التي ارتكبتها القوات الصربية عام ١٩٩١، اتخذ ستارمر موقفا معاكسا تماما بشأن غزة، على الرغم من أن الحجج التي استخدمها في المحكمة لتسليط الضوء على قضية كرواتيا، كان من الممكن تكييفها مع الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة.
كما يُبرز أوبورن كيف أصبح تحالف بريطانيا مع الولايات المتحدة بشأن إسرائيل أكثر صعوبة في ظل إدارة ترامب. فقد تحول الخطاب في بريطانيا ليحاكي خطاب الدول الأوروبية، وحذت وسائل الإعلام البريطانية حذوها. مع ذلك، استمرت الحكومة في حماية إسرائيل من اتهامات الإبادة الجماعية، وحافظت على مساعداتها العسكرية ورحلات الاستطلاع الجوية: “صدّرت بريطانيا معدات عسكرية بقيمة 127.6 مليون جنيها إسترلينيا في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2024 – بعد تعليق حكومة حزب العمال لتسعة وعشرين رخصة تصدير – أكثر مما صدّرته في الأعوام 2020-2023 مجتمعة”.
أما فيما يتعلق بالعدالة، فقد فتح التواطؤ الدولي مع الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، بما في ذلك بريطانيا، آفاقا جديدة، ولا سيما التحالفات التي تعمل دوليا على السعي إلى اللجوء إلى القضاء: “حتى لو فشلت دولة واحدة – حتى لو فشلت المحكمة الجنائية الدولية – فلن تفشل 195 دولة”. يُقدّم أوبورن في خاتمة كتابه السلطة للشعب، بدلا من تركها حكرا على
أعلى المستويات.








