التناول السائد في بلادنا لهذا الموضوع ، والمنتشر بشدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو تناول مثالي ، بمعنى أنه يتحدث عن ما يجب أن يكون ، دون رؤية أو وسيلة لتحقيقه . فهو ليس تناولًا واقعيًا أو علميًا . والحقوق والمصالح لا يمكن تحقيقها بالتمني ، والدساتير ليست المواد والبنود التي يتضمنها ، ولكنها القوى صاحبة المصلحة وراءها .
ومن ثم فالسؤال الواجب هو : ما سبب فشل بعض الدول في استنساخ نماذج الديمقراطية الغربية ؟
والحقيقة أن الفشل لا يرجع إلى سبب واحد أو عامل واحد ، بل إلى مجموعة أسباب بنيوية وتاريخية . ويمكن تلخيصها في إطار تحليلي واضح :
أولًا: استنساخ الشكل دون الجوهر: فكثير من الدول اعتمدت دساتير حديثة ، انتخابات ، برلمانات ، لكن لم تتحقق لها الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي أنتجت الديمقراطية . فالديمقراطية ليست نصوصًا ، بل علاقات قوة داخل المجتمع .
ثانيًا: غياب الطبقات المستقلة : ففي التجارب الناجحة وُجِدت طبقة برجوازية مستقلة اقتصاديًا ، وطبقة وُسْطى واسعة ، وطبقة عاملة منظمة . أما في الدول الفاشلة فالبرجوازية تابعة للسلطة ، والطبقة الوسطى ضعيفة، والعمال بلا تنظيم مستقل ، والاقتصاد ريعي . ومن ثم فلا توجد قوى اجتماعية قادرة على فرض المساءلة .
ثالثًا: الدولة أقوى من المجتمع ، حيث تسيطر على الاقتصاد والإعلام والبيروقراطية ، والمجتمع مجزأ مشتت ، يعتمد على السلطة . وحين تكون السلطة أقوى من المجتمع ، تصبح الديمقراطية تهديدًا لا نظامًا .
رابعًا: ضعف سيادة القانون ؛ فالقانون يُطبق انتقائيًا ، والقضاء غير مستقل ، والسلطة فوق القانون ، والانتخابات بلا قانون تُحوّل الديمقراطية إلى واجهة شكلية .
خامسًا: وبطبيعة الحال تعادي النخب الحاكمة التداول ، وترى السلطة غنيمة أو مسألة بقاء ، فتُجهض أي انتقال ديمقراطي حقيقي .
سادسًا: القوى الخارجية تدعم الأنظمة السلطوية باسم الاستقرار ، والتدخلات تُفشل التحولات الداخلية ، والديمقراطية عمومًا لا تُفرض من الخارج ولا تنجح بالوصاية .
والخلاصة فشلت بعض الدول لأن الديمقراطية بلا قاعدة اجتماعية ، وبلا اقتصاد منتج وبلا سيادة قانون. بينما نجحت في دول أخرى لأنها كان نتيجة صراع اجتماعي ومسار تاريخي طويل وتعبير عن توازن قوى داخل المجتمع .
ويساعدنا علم الاقتصاد الاجتماعي لفهم المشكلة . فهو يدرس العلاقة المتبادلة بين النشاط الاقتصادي والبنية الاجتماعية . أي كيف تؤثر العوامل الاجتماعية (كالطبقات ، القيم ، المؤسسات ، الثقافة ، السلطة) في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك . وكيف تؤثر الأوضاع الاقتصادية بدورها في المجتمع . فهو يهتم بتوزيع الثروة والدخل وعدم المساواة والفقر والبطالة كظواهر اجتماعية . وعلاقة الطبقات والسلطة ، بل بدور الدولة والمؤسسات الاجتماعية ، وتأثير الثقافة والعادات على السلوك الاقتصادي .
ولو تتبعنا قضية النظام السياسي في مصر منذ أن ثورة عرابي ، فسنجد أنها قد قامت نتيجة تداخل أسباب سياسية واجتماعية واقتصادية . فسياسيًا كان استبداد الخديوي وتهميش المصريين في الحكم ، وهيمنة الضباط الأتراك والشراكسة على الجيش ، مع غياب أي نظام دستوري . واقتصاديًا كانت الأزمة المالية الخانقة بسبب الديون الأجنبية والتدخل الأوروبي في مالية الدولة . واجتماعيًا كان التمييز ضد المصريين داخل الجيش والإدارة.

والمطالب الأساسية لها كانت الدستور، وتوسيع المشاركة السياسية ، ومساواة المصريين في الجيش ، والحد من التدخل الأجنبي . وكانت أول محاولة للانتقال من حكم فردي مطلق إلى ملكية دستورية ، لكنها انتهت بالاحتلال البريطاني 1882، ما أجهض تطور النظام السياسي الوطني .
ثم نشأت حركة مصطفى كامل (1895–1908) في ظل الاحتلال البريطاني، لكنها اختلفت عن عرابي في الوسائل والسياق . فلقد تأثر مصطفى كامل بالليبرالية الأوروبية وفكرة الوطنية ، كما مثّلت حركته انتقالًا من التمرد العسكري إلى النضال السياسي المدني والإعلامي ، وأسست لفكرة العمل الحزبي والشرعية الدستورية ، بالاعتماد على الضغط الخارجي (فرنسا، الدولة العثمانية) ، بدلًا من الثورة المسلحة لتحقيق الجلاء ، مع الحفاظ على علاقة مع الخلافة العثمانية ، وإنشاء دستور، وبناء رأي عام وطني.
ثم جاء فرض بريطانيا الحماية على مصر عام 1914، وما تحملته كل طبقات الشعب من ويلات بسبب الحري العالمية الأولى . فكانت ثورة 1919 كنتيجة تراكمية لفشل كل الصيغ السابقة ، وبتأثير إعلان مبدأ ويلسون لحق تقرير المصير بعد الحرب ، ثم نفي سعد زغلول وقيادات الوفد . وكانت المشاركة الواسعة من العمال والفلاحين والطلاب والنساء .
ولكن بريطانيا خدعت قادة الثورة بإعلان 28 فبراير 1922، وقدمت لهم نظام ملكي دستوري برلماني بديلًا عن الاستقلال . فكان الدستور منحة من الملك – وليس باستفتاء شعبي – فيسحبه وقت يشاء ، وحكومة يستطيع إقالتها وقت تخالف أوامره . ومن ثم انقسم القادة وتنافسوا على كراسي الحكم . وظل جيش الاحتلال البريطاني في خلفية المشهد ، يضبط إيقاع النظام السياسي وفقًا لأهدافه .
والخلاصة أن التاريخ السياسي المصري الحديث ، هو صراع طويل مع الاستبداد والاحتلال من جهة ، مع استمرار حالة الفقر والتخلف من جهة أخرى ، مما أدى إلى موجة ثورية ثانية عام 1935، اعادت دستور 23 الذي ألغاه الملك فؤاد . كما أدت لعقد معاهدة 36 ، والتي لم يحقق الاحتلال البريطاني البند الرئيسي فيها ، وهو ترك المدن إلى قاعدة قناة السويس ، فقامت موجة ثورية ثالثة عام 1946 ، ولكنها انقسمت بين الشيوعيين والإخوان المسلمين . ورغم أنها دفعت الانجليز للانسحاب من المدن إلى قاعدة قناة السويس ، إلى أن الاحتلال ظل مسيطرًا ، والأحزاب تتنازع على الحكم دون شرعية . وقد أُضِيف إلى ذلك نكبة فلسطين عام 1948 ، وزج الملك بالجيش غير المجهز للحرب ، فتعرض لهزيمة ومؤامرات ، جعلته ساخط على أوضاع البلاد . وقد حاول الوفد التفاوض مع الاحتلال البريطاني للمرة الأخيرة – بعد مفاوضات استمرت أكثر من ثلاثين عامًا – دون جدوى فأعلن إلغاء المعادة من طرف واحد . فانطلق الكفاح المسلح ولكن دون تنظيم ، فأنهته قوات الاحتلال باعتداء وحشي على مديرية أمن الإسماعيلية يوم 25 يناير 1952، قتلت وجرحت أعدادًا كبيرة من أفرادها وأسرت الباقي ، وفي اليوم التالي أُحْرِقَت القاهرة . وطلب الملك من النحاس باشا رئيس الحكومة وزعيم الوفد ، إعلان حالة الطوارئ فلما أعلنها ، أقال الملك الحكومة وحل البرلمان المنتخب .

وظلت الحياة السياسية في حالة فراغ سياسي مدة ستة أشهر ، لم يتقدم خلالها أي حزب لمواجهته . فتقدم مجموعة من شباب الضباط بزعامة جمال عبد الناصر ، برؤية جديدة تمامًا غيرت وجه التاريخ . ثم أقام نظامًا أوتوقراطيًا ، تمكن من إنهاء الاحتلال البريطاني ، وتغيير البنية الاجتماعية المستقرة للبلاد لمئات السنين ، وإقامة علاقات دولية جعلتها قطب عالمي . وبذلك حقق إنجازات سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة ، تمثلت طبقة متوسطة عريضة ، وطبقة عاملة واعدة .
لكنه أخفق في الحفاظ على حيوية العملية السياسية التي تحفظ كل هذه الإنجازات – كما حدث في الصين وفيتنام – ليس لأنه لم يحقق الديموقراطية – فالديموقراطية لا تصنعها السلطة ، وخطأ متكرر في مصر: انتظار “الرئيس الديمقراطي” فالديمقراطية لا تبدأ من القمة – ولكن لأنه نَصَّب وزير الداخلية أمينًا للتنظيم السياسي .
ويكشف ذلك الحوار الذي دار بين شعراوي جمعة وقادة التنظيم ، وجميعهم كانوا معترضين على اختياره لأنور السادات رئيسًا للجمهورية . ولكنه في النهاية فَرض اختياره على الجميع ، وكان لهذا القرار آثارًا بعيدة المدى . وقد كان الأمر سيختلف لو أن الحوار حول القرار كان بين أعضاء التنظيم ، وليس بينهم وبين السلطة التنفيذية .
مع ذلك فقد عادت التعددية الحزبية في عهد السادات ولكن لأسباب أخرى . فعندما تولّي الرئيس أنور السادات الحكم عام 1970 ، كان أمامه ثلاث أزمات ؛ هيمنة تيار معارض داخل الدولة والاتحاد الاشتراكي ، كذلك أزمة شرعية فهو ليس زعيمًا ذا كاريزما مثل عبد الناصر ، والأهم هو التحول الاستراتيجي ، الذي تمثل في الانفتاح الاقتصادي والاقتراب من الغرب .
ومن ثم فالتعددية كانت أداة سياسية أكثر منها إيمانًا ديمقراطيًا . فقد قام السادات بتفكيك الاتحاد الاشتراكي من الداخل بفكرة المنابر 1974 – 1975 فقد سمح السادات بإنشاء منبر اليسار ومنبر الوسط ومنبر اليمين . وفي عام 1976 حدث التحول الحاسم بتحويل المنابر إلى أحزاب ؛ حزب مصر العربي الاشتراكي (حزب السلطة) – حزب الأحرار الاشتراكيين (يمين) – حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي (يسار)هنا بدأت التعددية الحزبية الشكلية رسميًا. ثم حزب الوفد الجديد وحزب العمل الاشتراكي عام 1978 . وكان حزب السلطة مهيمنًا رغم الشكل التعددي والمعارضة ضعيفة ومقيدة . وجاءت اعتقالات سبتمبر 1981 لتكشفت السقف الحقيقي للتعددية .

كانت التعددية أداة في يد الدولة ، لا آلية لمحاسبتها . وتحولًا وظيفيًا يخدم تغيير التوجه الاقتصادي والخارجي ، وهي تعددية مُدارة Controlled Pluralism، أي قرار فوقي وليس نتيجة لصراع اجتماعي . ففي التجارب الديمقراطية الناجحة ، التعددية نتجت عن صراع طبقي – حركات اجتماعية – تفاوض بين قوى حقيقية
كما كانت في المرة الأولي منحة من الاحتلال البريطاني بإعلان 28 فبراير عام 1922 ، لاحتواء ثورة 1919 . مُنحت التعددية من الدولة المرة الثانية في السبعينيات ، ولم تُنتزع من المجتمع ، والدولة احتفظت بحق تحديد من يدخل السياسة وتحت أي سقف ، وبالطبع ما يُمنَح يمكن سحبه في أي لحظة .
استمرار الدولة السلطوية خلف واجهة تعددية .الأجهزة الأمنية فوق السياسة . الأمن يراقب ويتدخل ، والانتخابات تُدار لا تُتنافس والقضاء والإعلام غير مستقلين بالكامل، الديمقراطية ليست انتخابات فقط، بل مؤسسات ضابطة.
من جهة أخرى انفتاح بلا عدالة . فقد نشأت طبقة ثرية: مرتبطة بالدولة ، لا تحتاج الديمقراطية ، وطبقات فقيرة منشغلة بالبقاء ، لا تملك أدوات تنظيم . بينما في أوروبا البرجوازية مستقلة قاتلت من أجل البرلمان والقانون والمحاسبة . بينما في مصر تعيش البرجوازية من قربها من السلطة ، لا من استقلالها عنها..
كان فشل التعددية الحزبية في التحول إلى ديمقراطية حقيقية في مصر ، نتيجة بنية تاريخية كاملة تشكّلت منذ دولة محمد على واستمرت بعدها ، حيث الدولة تصنع الثروة وليس العكس . والمشاركة ضعيفة لأن السياسة بلا جدوى ، والعزوف لأن النتائج معروفة مسبقًا ، ولا يمكن لوم المجتمع على نظام صُمم لإقصائه.
ليس معنى ذلك أن التحول الديمقراطي في مصر يكون عبر انهيار الدولة ، لأن الانهيار فوضى لا ديمقراطية . لكن المطلوب هو تحييد الدولة عن الصراع السياسي ، لا تدميرها كيف ؟ وتقليص دور الأجهزة الأمنية في الانتخابات والأحزاب والإعلام . وإعادة تعريف “الأمن” باعتباره حماية النظام العام ، لا إدارة المجال السياسي وبدون هذا ، أي حديث عن ديمقراطية وهم . وهذا لا يتحقق إلا بنشوء قوى اجتماعية ، لها مصلحة في الديمقراطية . فالديمقراطية لا يصنعها المثقفون وحدهم .
لكن من هم اللاعبون الواقعيون المحتملون؟ . طبقة وسطى مستقلة اقتصاديًا ؛ أصحاب أعمال صغار ومتوسطين – مهنيون (محامون – أطباء – مهندسون) – شركات لا تعيش على العقود الحكومية . وهؤلاء يحتاجون: قانون – قضاء – شفافية . فأي تحسن اقتصادي خارج ريع الدولة يساعد الديمقراطية ونقابات حقيقية (ليست تابعة) . فالنقابات في أوروبا كانت مدارس الديمقراطية ، أما في مصر تم تفريغها أو السيطرة عليها. وإعادة بناء السياسة من أسفل (لا من القصر) .
والثقافة السياسية نقطة مهمة ، لكن الثقافة ليست أصل المشكلة ، بل نتيجتها . فهناك مثقفون ساهوا في تدمير أحزابًا كانت واعدة ، فرفعت السعيد أضعف حزب التجمع وعادل حسين دمر حزب العمل والناصريون انقسموا لعدة أحزاب . عام 1987 كان هناك فرصة سياسية نادرة ، فقد قرر الأحزاب الخمسة (الوفد – العمل – التجمع – الأحرار – الإخوان المسلمون) في مؤتمر جماهيري أنهم سيدخلون انتخابات مجلس الشعب كجبهة واحدة ، وكان ذلك سيعد تحولا سياسيا تاريخيا ، لأنه كان سيخلق معارضة تاريخية ، لكن فجأة تراجع كل من حزب الوفد وحزب التجمع عن الاتفاق . وكانت تلك فرصة عادل حسين لإقامة ما أطلق عليه التحالف الإسلامي، بين العمل والأحرار والإخوان ، ظنًا منه أنه سيستطيع قيادته ، لكنه فشل فشلًا ذريعًا أودى بحزب العمل ذاته .
ثم تأتي مرحلة أحزاب 25 يناير وقد وصلت لنفس النتيجة ، فالبرادعي تخلى عن شباب حزبه الدستور ، وتركهم دون استئذان ، وعمروا حمزاوي انفصل عن المصري الديموقراطي الاجتماعي ، ليكزن حزبًا وجده (الحرية) وبعد ذلك ترك البلاد هو الآخر ، والمصري الديموقراطي نفسه تهاوى بعد تنحي محمد أبو الغار ، وانقسام الحزب بعد انتخاب رئيس آخر .
كان الضعف السياسي ، يحتم على هؤلاء جميعًا ، أن يشكلوا جبهة وطنية تستهدف بناء تنمية صناعية وطنية ، مستقلة عن سياسات صندوق النقد الدولي من أجل تغيير البناء الاجتماعي . مع التركيز على مجالس محلية منتخبة فعليًا – وصلاحيات حقيقية للمحليات – وميزانيات تُدار محليًا ، حتى يظهر سياسيون حقيقيون – يدرّبون المجتمع على المحاسبة ، ويقلّل كلفة التغيير على الدولة المركزية .







