يشهد النظام الدولي، في عام 2026، لحظة مفصلية يمكن وصفها بأنها انتقال من طور “الإجهاد البنيوي” إلى طور “التفكيك المتعمد”. هذا التحول لم يعد مجرد توصيف نظري في أدبيات العلاقات الدولية، ولكنه كان خطابا حاضرا بقوة في مداولات مؤتمر ميونيخ للأمن لعام 2026، الذي انعقد بين 13 و15 فبراير، وطرح في تقريره السنوي تصورا لعالم “تحت الدمار”، حيث تتقدم إرادة الهدم على منطق الإصلاح.
ومن ثم، لم يعد السؤال المطروح هو كيف يمكن ترميم النظام الذي تأسس بعد عام 1945؛ بل ما إذا كانت القوى الفاعلة الكبرى ما تزال راغبة أصلا في بقائه؟!
بعبارة أخرى، ما الدلائل على تفكيك، أو محاولة تفكيك، النظام الدولي؟
دلائل التفكيك
أولى الدلائل، على تفكيك النظام الدولي، كما تجلت في المؤتمر، تمثلت في تحوّل الخطاب من الدفاع عن التعددية إلى التشكيك في جدواها. لقد بدا واضحا أن مفهوم “النظام القائم على القواعد” لم يعد يحظَ بالإجماع الغربي، الذي كان يُفترض أنه يشكل حاضنته الطبيعية. النقاشات لم تتركز على تحديث المؤسسات الدولية، وإنما على تجاوزها أو الالتفاف عليها. هذا التحول يعكس تراجع الثقة في فعالية الأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية، وحتى التحالفات الأمنية التقليدية، بوصفها أدوات عاجزة عن التعامل مع عالم سريع التحول، تتصاعد فيه المنافسات الجغراسياسية والضغوط الاقتصادية والتكنولوجية.
الدليل الثاني، تمثل في صعود خطاب سيادي صريح داخل المجتمعات الغربية، يرى في القيود المؤسسية الدولية عائقا أمام استعادة “القدرة الوطنية على الفعل”. هذا الخطاب، الذي يجد جذوره في الشعبويات اليمينية واليسارية على السواء، يعتبر أن المؤسسات العابرة للحدود كرّست بيروقراطية معولمة منفصلة عن إرادة الناخبين. وبالتالي، لم تعد الدعوة إلى الانسحاب من بعض الالتزامات الدولية، أو إعادة التفاوض عليها تُعدّ خروجا على الإجماع، بل خيارا مشروعا يحظى بتأييد متزايد.
أما الدليل الثالث، فتمثل في التباينات الحادة بين الحلفاء أنفسهم. فقد كشف المؤتمر عن فجوة متنامية بين ضفتي الأطلسي بشأن تعريف التهديدات وأولويات المواجهة. لم يعد هناك تصور موحد لطبيعة الخطر الروسي أو الصيني، ولا حتى حول حدود استخدام القوة الاقتصادية والعقوبات. هذا التباين يعكس تفككا في الرؤية الاستراتيجية المشتركة، التي كانت تمثل العمود الفقري للنظام الغربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
في هذا السياق، برزت الولايات المتحدة، تحت قيادة دونالد ترامب، بوصفها العامل الأكثر تأثيرا في هذا التحول. الدولة التي قادت تأسيس النظام الليبرالي، بعد 1945، عبر خطة مارشال، وبناء التحالفات الأمنية، ودعم المؤسسات متعددة الأطراف، باتت اليوم تتبنى مقاربة مختلفة تقوم على إعادة تعريف الالتزامات وفق مبدأ “الصفقة” لا “التحالف”. هذه المقاربة ترى أن التحالفات ليست قيما استراتيجية ثابتة، بل ترتيبات قابلة لإعادة التفاوض تبعا للمصالح المباشرة.
مؤشرات التحول
تجلت مؤشرات هذا التحول (التحالفات ليست قيما ثابتة)، في عدة مواقف طُرحت خلال المؤتمر..
أولا، التشديد الأمريكي على ربط الضمانات الأمنية بمدى التزام الحلفاء بزيادة إنفاقهم الدفاعي، لا سيما داخل حلف شمال الأطلسي. صحيح أن مسألة تقاسم الأعباء ليست جديدة، لكنها اتخذت طابعا أكثر حدة، حيث أُلمح “الشريك” الأمريكي إلى إمكانية تقليص الانخراط إذا لم يتحقق “الالتزام العادل”. بهذا المعنى، لم تعد المظلة الأمنية الأمريكية غير مشروطة؛ بل أصبحت أداة ضغط لإعادة هندسة التحالف.
ثانيا، اتجهت الإدارة الأمريكية إلى تفضيل الترتيبات الثنائية، أو الصفقات المرحلية، على حساب الأطر متعددة الأطراف. في ملفات وقف إطلاق النار أو النزاعات الإقليمية، بدت واشنطن أكثر استعدادا لعقد تفاهمات مباشرة، حتى لو همّشت الأطر الأممية. هذا النمط يعكس رؤية تعتبر أن البيروقراطية الدولية تعرقل الحسم، وأن الضغط الأحادي يمكن أن يحقق نتائج أسرع، ولو على حساب الاستدامة المؤسسية.
ثالثا، حمل الخطاب الأمريكي نبرة نقدية تجاه فكرة “النظام الليبرالي” نفسه، بوصفه هيكلا سمح لمنافسين استراتيجيين بالاستفادة من انفتاح الأسواق دون الالتزام بالقواعد ذاتها. من هذا المنظور، فإن إعادة فرض الرسوم الجمركية أو القيود التكنولوجية لا يُنظر إليها بوصفها خرقا للنظام، ولكن تصحيحا لاختلالاته. إلا أن هذا “التصحيح” يسرّع عمليا من تفكك منظومة التجارة الحرة التي شكّلت أحد أعمدة النظام الدولي، منذ ما قبل بداية الألفية الثالثة.
في المقابل، بدا الموقف الأوروبي أكثر تعقيدا وترددا. فمن جهة، تدرك العواصم الأوروبية أن الضمانة الأمنية الأمريكية ما تزال عنصرا حاسما في معادلة الردع، خصوصا في ظل الحرب في أوكرانيا واستمرار التوتر مع روسيا. ومن جهة أخرى، يتنامى إدراك بأن الاعتماد المفرط على واشنطن بات مخاطرة استراتيجية. لذلك، عاد الحديث بقوة عن “الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية”، وعن ضرورة تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة داخل الاتحاد الأوروبي.
غير أن أوروبا ليست كتلة واحدة متجانسة. فدول شرق القارة تميل إلى التشبث بالالتزام الأمريكي التقليدي، بينما تدفع بعض القوى الغربية الكبرى نحو قدر أكبر من الاستقلال. هذا الانقسام يحدّ من قدرة أوروبا على تقديم بديل متماسك للنموذج الأمريكي الجديد. فهي عالقة بين الحاجة إلى الحفاظ على الشراكة الأطلسية، والرغبة في بناء قدرة ذاتية تقيها تقلبات السياسة الأمريكية.
المنطقة العربية
انعكاسات هذا التحول على المنطقة العربية والإقليم الشرق أوسطي عميقة ومتعددة الأبعاد..
أولا، إن تراجع مركزية النظام الدولي القائم على القواعد، يفتح المجال أمام سياسات أكثر براغماتية وأقل تقييدا بالمؤسسات. بالنسبة لبعض الدول العربية، قد يُنظر إلى ذلك باعتباره فرصة لتعزيز هامش المناورة، عبر تنويع الشراكات بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وعدم الارتهان لمحور واحد.
ثانيا، غير أن هذا التفكك يحمل مخاطر واضحة. فضعف الأطر متعددة الأطراف، يعني تراجع القدرة على إدارة الأزمات الإقليمية ضمن قواعد متفق عليها. في ظل غياب مظلة دولية قوية، قد تتصاعد المنافسات الإقليمية، سواء في الخليج أو شرق المتوسط أو شمال أفريقيا، دون آليات فعالة لاحتوائها. كما أن تسييس قضايا الطاقة والتجارة والتكنولوجيا في سياق المنافسة الكبرى، يضع الدول العربية أمام ضغوط متزايدة للاصطفاف.
ثالثا، في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وسائر ملفات النزاع، فإن تفضيل الصفقات الثنائية قد يؤدي إلى حلول جزئية أو مؤقتة، تفتقر إلى “الشرعية الدولية” الواسعة. هذا النمط قد يحقق تهدئة آنية، لكنه لا يعالج جذور الصراع. وفي غياب توافق دولي واسع، تبقى احتمالات الانتكاس قائمة.
رابعا، على المستوى الاقتصادي، فإن تفكك النظام التجاري العالمي ينعكس على الدول العربية المصدّرة للطاقة والسلع، كما على تلك المعتمدة على الاستيراد. تصاعد الحمائية وتجزئة سلاسل الإمداد العالمية قد يعيدان تشكيل خريطة الاستثمار والتجارة، ما يفرض على الاقتصادات العربية تسريع مسارات التنويع وتعزيز الاكتفاء النسبي.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، كشف أن العالم لا يعيش مجرد أزمة عابرة في إدارة النظام الدولي، ولكن لحظة إعادة تعريف عميقة لأسسه. الولايات المتحدة، باتت تتعامل مع إرث “الاستقرار المؤسسي”، بوصفه قابلا للمراجعة وإعادة التفاوض. أوروبا تحاول التكيف دون القطيعة، فيما تسعى قوى أخرى إلى استثمار الفراغ النسبي.
أما المنطقة العربية، فهي تقف أمام مفترق طرق: إما أن تتحول إلى ساحة تنافس في نظام متفكك، أو أن توظف التحولات الجارية لبناء موقع أكثر توازنا وفاعلية في عالم يتشكل على أنقاض القديم.








