رؤى

سُنن القصص القرءاني.. مكانة الإنسان في الكون

يُمثل مشهد سجود الملائكة لآدم عليه السلام أحد أكثر المشاهد القرءانية تأثيرا وعمقا، حيث تتجلى فيه سنن إلهية كبرى تتعلق بتكريم الإنسان، وطبيعة الصراع بين الخير والشر، وأصول العصيان والطاعة. إن هذا المشهد الذي يرد في «خمس» سور قرءانية [البقرة: 34، الأعراف: 11، الحجر: 28-35، الإسراء: 61، الكهف: 50، طه: 116]، يحمل في طياته دروسا عظيمة في فهم سُنن الله في خلقه.

التكريم الإلهي

يبدأ المشهد القرءاني بأمر إلهي عظيم: “وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ” [البقرة: 34]. هذا الأمر يحمل في طياته سُنة التكريم الإلهي للإنسان، حيث جعله الله موضع سجود الملائكة، تكريما وتشريفا لا عبادةً؛ إذ هو سجود تحية وتكريم على اصطفاء الله سبحانه وتعالى لآدم «إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ». يقول سبحانه: “إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ” [آل عمران: 33].

لقد كان هذا التكريم تتويجا لمراحل سابقة؛ حيث خلق الله آدم، ونفخ فيه من روحه، وجعله في الأرض خليفة «وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ» [البقرة: 30]، وعلمه الأسماء كلها «وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا» [البقرة: 31]. فالسجود لم يأت اعتباطا؛ بل جاء بعد أن ثبت تفوق آدم العلمي على الملائكة، حين عجزوا عن الإبانة بأسماء المخلوقات، بينما استطاع آدم ذلك، كما في قوله تعالى: “قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ” [البقرة: 33]. وهذه سنة إلهية: إن التكريم بالقيادة والاصطفاء يقترن بالعلم والمعرفة.

والملاحظ في النص القرءاني أنه استخدم صيغة الجمع في الأمر الإلهي: «قُلۡنَا»، في قوله سبحانه: “وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ”، ما يفيد التعظيم وإطلاقية المقدرة، ثم جاءت الفاء في قوله: «فَسَجَدُوٓاْ» لتدل على سرعة الامتثال والاستجابة الفورية من الملائكة دون تردد. وهذا يعكس سُنة الطاعة الكاملة للملائكة، الذين «لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ»؛ بدليل قوله تعالى: “يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ” [التحريم: 6]. هذا، بالطبع، بالاختلاف عن الإنسان الذي جبله الله تبارك وتعالى على المقدرة في الاختيار «ٱلۡأَمَانَةَ»؛ بالعرض الإلهي «إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ» [الأحزاب: 72].

مفهوم التكريم

التكريم الإلهي للإنسان ليس مجرد تشريف عابر، وإنما هو سنة كونية ثابتة تجلت في مراحل متعددة من خلق الإنسان وتوجيهه. يقول عزَّ وجل: “وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا” [الإسراء: 70]. هذه الآية الكريمة تؤصل لمفهوم التكريم كسُنة إلهية شاملة، لا تقتصر على فرد دون فرد، بل تشمل «بَنِيٓ ءَادَمَ» جميعًا.

وقد تعددت مظاهر هذا التكريم في القرءان الكريم؛ ولكن قصة سجود الملائكة تمثل ذروة هذا التكريم وأبرز تجلياته. فالأمر الإلهي: “وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَم” [البقرة: 34]، يحمل في طياته إعلانا لمكانة هذا المخلوق الجديد في الكون.

وهنا، لنا أن نُلاحظ كيف تتعدد مظاهر التكريم، في قصة سجود الملائكة.

أولا: التكريم بالخلق والإيجاد

لقد سبق أمر السجود مراحل تمهيدية تؤصل لهذا التكريم، فقد خلقه الله، وسوَّاه، ونفخ فيه من روحه. يقول عزَّ من قائل: “وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٭ فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ” [الحجر: 28-29]. هذا النفخ الإلهي يمنح الإنسان خصوصية وجودية، ففيه من روح الله نفخة تشريف وتكريم، تجعله أهلا لأن تسجد له الملائكة.

ثانيا: التكريم بالعلم والمعرفة

لم يأمر الله الملائكة بالسجود لآدم بمجرد أن خلقه أو إعلانه سبحانه بأن يجعله في الأرض خليفة؛ ولكن جاء الأمر الإلهي بعد أن ميز آدم بالعلم والمعرفة. يقول تبارك وتعالى: “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” [البقرة: 31]. هنا، يتبين أن العلم هو أساس التكريم، فآدم تفوق على الملائكة بالمعرفة، فاستحق أن يكون موضع سجودهم؛ بمعنى أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يُعرف الله ويفهم كلامه.

ثالثا: التكريم بالسجود الجامع

سجود الملائكة لآدم هو تتويج لكل مظاهر التكريم السابقة.. لقد كان هذا السجود سجود تحية وتكريم؛ وامتثال الملائكة للأمر الإلهي يدل على مكانة آدم عند ربه، فهم لم يسألوا عن علة السجود، ولكن بادروا بالطاعة؛ كما في قوله سبحانه: “فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٭ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ” [الحجر: 30-31]؛ وكما في قوله تعالى: “وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ” [البقرة: 34].

أبعاد التكريم

كما تعددت مظاهر التكريم، في قصة سجود الملائكة، فقد تعددت، أيضًا، أبعاد التكريم الإلهي في القصة القرءانية..

أولا: تكريم النوع الإنساني

لعل أهم الأبعاد في قصة السجود، أن سجود الملائكة لآدم هو تكريم للإنسان بوصفه نوعا متميزا في الكون. إنه إعلان عن مكانة الإنسان في سلم المخلوقات؛ فهو المخلوق الذي سخر الله تبارك وتعالى له ما في السموات والأرض؛ بدلالة قوله سبحانه وتعالى: “وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ” [الجاثية: 13]. وبكلمة: «الإنسان بهذا المعنى ليس مخلوقًا عاديا فقط، ولا هو حتى مخلوق أرضي وحسب؛ بل، هو أبعد من ذلك وأعظم، إنه مخلوق كوني».

ثانيا: تكريم الحرية والاختيار

تكريم الإنسان يتجلى أيضا، في منحه حرية الاختيار والقدرة على الطاعة أو المعصية. فالملائكة خُلِقوا لا يعصون الله ما أمرهم؛ أما الإنسان فقد كرمه الله بالمقدرة على الاختيار، وهذا ما سيظهر لاحقا في قصة آدم نفسه عندما أكل من الشجرة، ثم تاب فتاب الله عليه. يقول سبحانه وتعالى: “فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ” [البقرة: 37].

ثالثا: تكريم المسئولية الإنسانية

كذلك، يرتبط التكريم بالمسئولية، فمن كُرِم يحمل أمانة. وقد حمل آدم الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها؛ وذلك، كما في قوله سبحانه وتعالى: “إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا” [الأحزاب: 72]. هذا التكريم بالمسئولية يجعل الإنسان أهلا للخطاب الإلهي والتكليف الرباني.

هذا عن سُنة التكريم الإلهي للإنسان؛ فماذا عن سُنة الابتلاء الإلهي له؟

للحديث بقية.

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى