ثقافة

سفينة مولى رسول الله.. نفسٌ تتوق إلى المعالي

هو مهران بن فرّوخ الفارسي، على أرجح الأقوال.. وربما كان مهران من المناذرة اللخميين.. كان سفينة مولى لأم المؤمنين أم سلمة (هند بنت أبي أميّة) رضي الله عنها، وقد أعتقته مشترطة عليه أن يخدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما بقي على قيد الحياة، وقد دامت خدمته للنبي عشر سنين، إلى أن التحق صلوات ربي وسلامه عليه بالرفيق الأعلى.

لا تخبرنا المصادر المعتبرة عنه الكثير، ربما أسر في إحدى المعارك، وأتيَّ به عبدا مسترقا إلى مكة فبيع في أسواقها، حتَّى اشترته أم سلمة.

قال سفينة: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر، ومعه أصحابه، فثقل عليهم متاعهم، فقال لي: “ابسط كساءك”، فبسطته، فجعلوا فيه متاعهم، فقال: “احمل”، فحملت، فقال له الرسول: “احمل فما أنت اليوم إلا مثل السفينة”. قال سفينة: فلو حملت يومئذ وِقْرَ بعيرٍ أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة ما ثقل عليّ.

لقد اعتز هذا الصحابي الجليل بتلك التسمية، حتّى أنه كان لا يرد على من يناديه باسمه الحقيقي، ليس هذا فحسب؛ بل إنه كان لا يجيب من يسأله عن اسمه الحقيقي، اعتزازا بتلك التسمية التي أطلقها عليه الحبيب محمد ﷺ.

نفهم من ذلك أن سفينة كانت قوي البنية له همة لا تفتر، يحب مساعدة الناس ولا يأنف من تحمّل الأعباء عنهم، فلقد كان -رضي الله عنه- من أطيب الناس نفسا وأكثرهم تواضعا، كيف لا وقد لازم الرسول الكريم ﷺ لعشر سنين، شهد معه فيها المشاهد كلها، ولم يفارقه أبدا.

بعد وفاة النبي ﷺ خرج أبو عبيدة عامر بن الجراح -رضي الله عنه وأرضاه- في زمن خلافة أبي بكر-رضي الله عنه وأرضاه- على رأس جيش لفتح الشام، وكان سفينة من فرسان الجيش.

أثناء الغزو أمر القائد أبو عبيدة بتجهيز سرية من مئتي فارس للإغارة على بعض نواحي بلاد الروم، وكان سفينة من ضمنهم؛ لكن السرية حوصرت من جيش الروم، وصمد الرجال صمود الأبطال واستشهد منهم عدد كبير، ووقع الباقون في الأسر، وكان منهم سفينة الذي استطاع الفكاك من الأسر، وركب البحر مع نفر من الناس في مركب صغير؛ لكن الرياح حطمت القارب.. ونجا سفينة إلى الشاطئ، بعد أن ركب لوحا من القارب المحطم، يقول سفينة: “فطرحني اللوح في أجمة فيها الأسد فأقبل إليَّ يريدني، فقلت يا أبا الحارث وهي كنية الاسد، أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطأطأ رأسه وأقبل إليَّ فدفعني بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة، ووضعني على الطريق وهمهم، فظننت أنه يودعني، فكان ذلك آخر عهدي به”. رواه الطبراني والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم.

عاد سفينة إلى الجيش بعد جهد، واستعاد عافيته سريعا وكان أحد جنود فتح الشام وكان من أوائل من دخلوا مدينة بيت المقدس منتصرا ظافرا.

كان سفينة من أهل العلم الربانيين، وقد روى عددا كبيرا من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لا يخشى في الحق لومة لائم.. وقد امتد به العمر حتى عاش زمن الدولة الأموية فأنكر على حكامها ما كانوا يروِّجون عن أنفسهم، بما يخالف الحقيقية، فقد رُوِيَّ عن سعيد بن جمهان أنه قال: لقيت سفينة مولى أم سلمة -رضي الله عنها- ببطن نخل في زمن الحجاج، فأقمت عنده ثمان ليال أسأله عن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثني سفينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خلافة النبوة في أمتي ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله بعد ذلك ملكه من شاء، قال سعيد: فقلت له: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم، فقال أخطأ بنو الزرقاء بل هم ملوك من شر الملوك.. قال سعيد: ثم قال لي سفينة رضي الله عنه: أمسك عليك، خلافة أبي بكر سنتين وخلاقة عمر عشرا وخلافة عثمان ثنتي عشرة وخلافة علي ست سنين، قال سعيد فوجدناها ثلاثين سنة أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود.

وكان من تلاميذ سفينة -رضي الله عنه- عدد من كبار التابعين منهم: الحسن البصري وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مطر (ويُعرف أيضًا بأبي ريحانة) كما حدَّث عنه ابناه: عمر وعبد الرحمن وغيرهما.

لقد عمّر سفينة إلى عام سبعين من الهجرة، وقد كان مثلا وقدوة في العلم والجهاد والبذل والوفاء والتواضع.. رضي الله عنه وأرضاه فقد كان ذا نفسٍ تتوق إلى المعالي، وما قصّرت في ابتغاء ذلك أبدا.

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى