رؤى

الجيش الإسرائيلي شدَّ نفسه حتى آخر حد.. وبقي بلا هواء في جبهة الشمال

يقدم هذا التحليل الذي كتبه عاموس هرئيل في هآرتس أمس الأربعاء، صورة واضحة عن وضع جيش الاحتلال الذي وصل إلى أبعد نقطة في القدرة على تحمل تبعات حرب متواصلة منذ السابع من أكتوبر 2023، وهو ما يعيد إلى الأذهان تصريح رئيس أركان الجيش إيال زامير، الذي قال فيه أن الجيش يوشك أن ينهار على نفسه.. بعد استدراجه لحرب استنزاف طويلة ومفتوحة على عدّة جبهات، ويركِّز الكاتب على الجبهة الشمالية مستعرضا عددا من المعطيات تفيد أن جيش العدو لا يستطيع الحسم، وأن حزب الله أعاد بناء قدراته العسكرية جزئيا، ما يجعله قادرا على تهديد شمال الأرض المحتلة، والتفوق في الميدان في حرب العصابات التي يجيدها وتهديد قوات الاحتلال المتواجدة على الأرض اللبنانية.


بعد قتل الضابط والجنود الثلاثة من كتيبة الهندسة في لواء ناحل مساء يوم الإثنين الماضي في جنوب لبنان، ارتفع عدد القتلى الإسرائيليين منذ بداية الحرب الجديدة مع إيران إلى 30 قتيلا. وهو نفس عدد القتلى في حرب الـ 12 يوم مع إيران في حزيران الماضي، من بينهم 11 قتيلا في جبهة لبنان. ولكن هذا ليس العدد الحقيقي بالطبع. فهذه هي نفس الحرب ولكن بأشكال مختلفة منذ المذبحة في 7 اكتوبر، حيث قُتل فيها أكثر من 2000 إسرائيلي، بينهم 900 جندي من الجيش.

هذا بدون حساب عشرات الجنود الذين انتحروا بعد المشاركة في الحرب، ومن خلال صلة مباشرة معها.

الاشتباك مع مقاتلي حزب الله، الذي قُتل فيه جنود الناحل الأربعة، كان في قرية بيت ليف، التي كانت قبل جيل؛ جزءا من القطاع الغربي في المنطقة الأمنية في جنوب لبنان. ويتذكر آباء الجيل الحالي للمقاتلين الذين ينتظرون الآن بقلق في البيت، أسماء مثل بيت ليف، دبل وياطر، من ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وحتى الانسحاب من لبنان في أيار 2000. بل إن بعضهم تمكَّن من الوصول إلى هذه القرى من جديد في حرب لبنان الثانية في 2006. يلاحظ تذبذب واضح في موقف المجتمع الإسرائيلي من لبنان. لقد نقشت حرب لبنان الأولى في الذاكرة العامة بوصفها حربَ خدعةٍ، بدأت -رغم تحقيق انتصار ظاهري على منظمة التحرير الفلسطينية- صراعا دمويا طويلا مع حزب الله والشيعة. وقد حصل الانسحاب الكامل في العام 2000، على موافقة بالإجماع، بعد اعتبار سفك الدماء السنوي -الذي كان بمتوسط من 15- 20 قتيلا في تسعينيات القرن الماضي في السنة- عبثيا.

لقد أثار اختطاف جنود الاحتياط، الذي أدَّى إلى حرب العام 2006، الجدل من جديد حول صحة الانسحاب، ولكن بعد انتهاء تلك الحرب، التي انتهت بالتعادل المرير، عادت القوات الإسرائيلية إلى الحدود الدولية. وقد تغيَّر ميزان القوى بعد المذبحة في غلاف غزة في 7 اكتوبر. لقد خرج الجيش الإسرائيلي من الصراع مع حزب الله في خريف 2024، بانتصار واضح، ولكنه لم ينسحب كليا من لبنان، حيث بقيت خمسة مواقع عسكرية داخل لبنان على مسافة قصيرة من الحدود الشمالية. ورغم وقف إطلاق النار إلا أن إسرائيل استمرت في عملياتها ضد حزب الله بدون أي رد منه. الصورة الآن أصبحت معقَّدة أكثر. فقد كشف انضمام حزب الله للحملة بعد اغتيال إسرائيل للمرشد الأعلى علي خامنئي، عن ثغرة في الرواية التي سوَّقتها الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي للرأي العام. ورغم القصف اليومي الذي تعرَّض له إلا أن حزب الله استغل تلك الفترة لإعادة تنظيم صفوفه وبناء قدراته العسكرية في المناطق التي تسمح بذلك. الحزب لا يمكنه إطلاق مئات الصواريخ كل يوم على مركز البلاد كما خُطِّطَ له، لكنه قادرٌ على شن حرب عصابات ومهاجمة القوات الإسرائيلية في المنطقة التي تتركز فيها أربع فرق إسرائيلية بين الحدود ونهر الليطاني.

في نفس الوقت يطلق حزب الله تقريبا 200 صاروخ ومسيرة كل يوم نحو البلدات الشمالية والقوات التي دخلت إلى جنوب لبنان لحمايتها. هذا على الأرجح يفوق ما كان يتخيله المواطن العادي عند اندلاع الحرب ضد تنظيم كان يفترض أنه هُزم. بناءً على ذلك قررت الحكومة -هذه المرة- عدم إخلاء المواطنين من البلدات الموجودة على خط المواجهة.

تشمل القوات التي تعمل في الشمال معظم ألوية الجيش الإسرائيلي النظامية، باستثناء الألوية التي بقيت في قطاع غزة. عدد ألوية الاحتياط التي شاركت في العملية البرية في لبنان أقل في هذه المرة. الأغلبية الساحقة من جنود الاحتياط الذين يبلغ عددهم 120 ألف جندي، الذين استدعوا للخدمة، يستبدلون بالقوات النظامية في الضفة الغربية وفي قطاع غزة وعلى الحدود الأخرى. إضافة إلى ذلك حشدت كتائب احتياط من الجبهة الداخلية والجنود التابعين للمقرات. وقد سيطر الجيش الإسرائيلي على الخط الثاني للقرى في جنوب لبنان، على بعد 8 – 10 كم شمال الحدود. وهذا يقلل من التهديد المباشر للصواريخ المضادة للدروع على بلدات الشمال، ولكنه لا يحل المشكلة تماما، لأن حزب الله نشر أيضا صواريخ في هذه المنطقة لا تعتمد على خط رؤية مباشرة للهدف. بل إن حزب الله يُطلق صواريخ لها مسار شديد الانحدار من المناطق الموجودة في شمال الليطاني. وقد حدَّد الجيش الإسرائيلي جيوبا نشطة لقوة الرضوان هناك، وهو يركّز النار عليها في محاولة لوقف اطلاق النار.

إن النزول نحو الليطاني هو جزئي فقط، وذلك لوجود مناطق النهر فيها يكون أكثر بُعدا عن الحدود، وأيضا من أجل تجنُّب أن تكون القوات في وضع متدني من ناحية جغرافية. الهدف هو السيطرة على النيران شمالا باتجاه الليطاني والمناطق القريبة من الشمال، وفي نفس الوقت تمشيط المناطق جنوبا باتجاه الحدود، في المناطق التي سُيطِر عليها. ما زالت توجد هناك خلايا لحزب الله في القرى التي تشهد اشتباكات، أيضا ما زالت هناك بُنى تحتية قتالية واسعة مثل مراكز قيادة ومخابئ وربما أنفاق، لم يُتعامل معها في السابق. ويُقدِّر الجيش الإسرائيلي أن 1.4 مليون شخص تقريبا، معظمهم من الشيعة، تركوا قرى الجنوب بسبب الهجمات الإسرائيلية، وما زال يوجد الكثير من سكان القرى المسيحية هناك، ونادرا ما ينفذ الجيش الإسرائيلي عمليات هناك؛ بسبب عدم تواجد حزب الله فيها.

في بداية الأسبوع زار رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، قيادة المنطقة الشمالية، وفي نهاية الزيارة نشر مقطع فيديو حماسيا وعد فيه بتعميق الحملة في الشمال حتى هزيمة حزب الله، وتفاخر بالانتصارات التاريخية التي زعم تحقيقها.

في حرب 2006 كان المقدم احتياط حانوخ دوبا قائد كتيبة دبابات نظامية. وعندما واجهت قوة مظليين في بنت جبيل مشكلة وتكبدت خسائر، تطوع دوبا للذهاب في دبابة واحدة لإنقاذهم، وفي طريق العودة أصيبت دبابته بأربعة صواريخ وأصيب هو وجنوده. دوبا أُعطيَّ وسام الشجاعة وعاد إلى القتال في الاحتياط أثناء حصار قطاع غزة، وهو الآن غير متفائل فيما يتعلق بمجريات القتال الحالية. ويقول أن حجم القوات التي حشدها الجيش في لبنان محدود، مقارنة مع حجم المهمة التي يتحدث عنها السياسيون. وأن الوعد بتحقيق النصر المطلق على حزب الله لا يتوافق مع ما يحدث على الأرض. وهو يخشى في نهاية المطاف من تكرار ما حدث في السابق: تمركز الجيش الإسرائيلي على سفوح الجبال سيعرِّضه لمزيد من الهجمات بالصواريخ المضادة للدروع، وأن الأمر سينتهي بمناوشات أشد ضراوة. ولكن اتخاذ القرار يحتاج إلى جهد كبير وحشد المزيد من القوات وذلك إزاء استمرار الحرب في إيران واستمرار استنزاف الضفة الغربية لكثير من القوات.

 

زر الذهاب إلى الأعلى