رؤى

الحرب البرية على إيران.. ستكون ڤيتنام جديدة لأمريكا

جيني ويليامز* نقلا عن ميدل إيست مونيتور

لدى واشنطن كلمة مفضلة لمثل هذه اللحظات: “خيارات”. تبدو الكلمة رصينة، بل ومسئولة. توحي بالحكمة والمرونة، وكأن القائد الأعلى يُبقي جميع الأبواب مفتوحة. لكن في الواقع، غالبا ما تكون “الخيارات” مجرد أسلوب مهذب لتجنب قول الحقيقة. إنها تُهيئ نفسها، خطوة بخطوة، للذهاب إلى أبعد مما صرّحت به.

هذا ما يجعل الحديث حول إيران مُقلقا للغاية. تُصرّ الإدارة على أنها ليست بحاجة إلى حرب برية. صرّح مسئولون كبار بأن الولايات المتحدة قادرة على تحقيق أهدافها في إيران دون قوات برية، حتى مع حشد آلاف إضافية من القوات الأمريكية في المنطقة للحفاظ على “أقصى قدر من الخيارات”. اقرأ هذه الجملة مرتين. إذا كانت القوات البرية غير ضرورية، فلماذا لا تزال واشنطن مُصرّة على إبقاء الفكرة حاضرة؟

ليس هذا تشاؤمًا، بل هو تذكير بالأحداث.

بعد شهر من هذا الصراع، حتى المراقبون المتعاطفون سيجدون صعوبة في تحديد شكل النجاح بثقة. يبدو أن البيت الأبيض يواجه الآن خيارات صعبة: إما تصعيد الموقف، وربما حتى على الأرض، أو محاولة التفاوض للخروج من حرب باتت أهدافها أكثر غموضا مع مرور الوقت. غالبا ما تظهر المشاكل في واشنطن بهذه الطريقة – ليس بقرار كارثي واحد، بل بسلسلة من القرارات الأصغر التي تُتخذ في غمرة الرغبة في تجنب الظهور بمظهر الضعيف.

ومهما كانت طبيعة هذه الحرب، فهي ليست بلا ثمن. هذا واضحٌ جليّ في الداخل. مضيق هرمز من الأماكن التي لا يسمع عنها الأمريكيون إلا في أوقات الأزمات، لكنهم يدفعون ثمنها فورا.

في عام ٢٠٢٤، كان يمر عبر المضيق نحو ٢٠ مليون برميل من النفط يوميا -أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية- ولا توجد بدائل عملية تُذكر في حال تعطلت حركة الملاحة بشدة. بعبارة أخرى: عندما يُصاب هذا الممر المائي بالمشاكل، ترتفع أسعار الوقود وتكاليف الشحن، وتتأثر ميزانيات الأسر.

لا تكمن أهمية هذه الأرقام في أن الرأي العام يجب أن يملي الاستراتيجية لحظة بلحظة، بل في أنها تُظهر أمرا بالغ الأهمية: فالبلاد ليست مستعدة لحرب أخرى تُسوَّق بلغة السيطرة وتُختتم بلغة التضحية.

ثمة سؤال عسكري أساسي أيضا؛ ينبغي طرحه بشكل متكرر، والإجابة عليه بمزيد من الصراحة. إذا كان الرد الإيراني قد أظهر بالفعل ضعف القوات والمنشآت الأمريكية في المنطقة، فما النظرية الكامنة وراء وضع المزيد من الأمريكيين في مرمى النيران؟ الحرب البرية ليست مجرد “مزيد من الضغط”، بل هي مزيد من الجنازات، ومزيد من الإصابات الكارثية، ومزيد من العائلات التي تُبلَّغ بتغيير المهمة بعد أن كانت قد حُدِّدت بالفعل. من السهل التظاهر بالعزم في قاعة الاجتماعات، لكن من غير المقبول مطالبة الشباب الأمريكي بتحمُّل ثمن هذا التظاهر بأجسادهم.

يبدو أن بعض دعاة التصعيد يعتقدون أن مجرد احتمال شن عملية برية يُعزز موقف واشنطن. ربما، من الناحية التكتيكية الضيقة، يكون الأمر كذلك.

يبدو أن حلفاء أمريكا يُدركون ذلك. أوضح المسئولون الأوروبيون، علنا وعبر الخطاب الدبلوماسي، أنهم يرون الولايات المتحدة أكثر غموضا وعدم وضوح في رؤيتها لمسار هذه الحرب. إن الدعوات إلى ضبط النفس، وحماية المدنيين، واستعادة الملاحة الآمنة عبر مضيق هرمز، ليست مجرد ضجيج دبلوماسي، بل هي إشارات قلق عميق. تبدو الحرب الآن أوسع نطاقا وأكثر فوضوية وأخطر اقتصاديا مما أوحت به تصريحات واشنطن الأولية.

ترامب، أكثر من غيره، يجب أن يدرك المأزق السياسي هنا. لقد عاد إلى السلطة متعهدا بعدم تكرار العادة القديمة التي يتبناها الحزبان، والمتمثلة في تحويل الشرق الأوسط إلى مقبرة للمصداقية الأمريكية، والأموال، والأرواح.

إن الحرب البرية مع إيران ستفعل ذلك تماما. لن تبدو هذه الحرب قوة، بل ستبدو كعودة واشنطن إلى ردة فعلها القديمة: عندما يفشل استخدام القوة في تحقيق الوضوح، ترد بمزيد من القوة وتتظاهر بأن الوضوح بات وشيكا.

لكن هذا نادرا ما يحدث.

لا يزال هناك وقت لتجنُّب أسوأ سيناريو. لكن تجنُّبه يتطلَّب أكثر من مجرد قول “لا توجد خطط في الوقت الحالي”. يتطلب الأمر إغلاق الباب أمام أي غزو بري، ليس بشكل استعراضي، ولا مؤقت، بل بحزم. ويتطلب الاعتراف بأن السياسة قد تكون مكلفة حتى قبل أن تتحول إلى كارثة. ويتطلب تذكر أن أخطر الحروب غالبا ما تكون تلك التي يشنها قادة يصرون، طوال الوقت، على البقاء مسيطرين.

لا تحتاج أمريكا إلى حرب أخرى من الضياع. ولا تحتاج إلى مهمة “محدودة” أخرى تتوسع لأن لا أحد في السلطة يريد أن يكون أول من يقول كفى. وبالتأكيد لا تحتاج إلى إرسال المزيد من الأمريكيين إلى صراع باتت حدوده أصلا أكثر غموضا من تكاليفه.

رابط المقال:

https://www.middleeastmonitor.com/20260406-a-ground-war-with-iran-risks-another-vietnam-for-america/

*جيني ويليامز صحفية وكاتبة أمريكية مستقلة، تُركز على السياسة الخارجية وحقوق الإنسان والنزاعات. تهدف إلى توضيح النقاشات الأمنية المعقدة وإبراز التداعيات المحلية للتدخلات الخارجية.

زر الذهاب إلى الأعلى