مقدمة أصوات:-
لم يعد النقد داخل الكيان المؤقت مجرد ترفٍ فكري أو خلافٍ سياسي عابر، بل بات أقرب إلى اعترافٍ مؤلم بانهيار أسس قامت عليها دولة الاحتلال منذ نشأتها. في هذا السياق، يكتسب مقال أوري مسغاف الذي نشرته صحيفة هآرتس اليوم، أهمية خاصة، ليس فقط لحدة لهجته، بل لأنه يعكس تحوّلا عميقا في الوعي الاستراتيجي الإسرائيلي.
فحين يُقال إن عهد بنيامين نتنياهو شهد “أكبر ثلاث هزائم استراتيجية” في تاريخ إسرائيل، فإننا لا نكون أمام توصيف إعلامي مبالغ فيه فحسب، بل أمام محاولة لإعادة تعريف معنى الهزيمة ذاتها في العقل “الإسرائيلي”.
لقد شكّل هجوم 7 أكتوبر لحظة كاشفة، ليس فقط لخلل أمني عابر، بل لانهيار منظومة إنذار وردع طالما تباهى بها الكيان، غير أن ما تلا هذه الصدمة كان أكثر دلالة: حرب طويلة في غزة والشمال، دون قدرة على حسم الصراع مع حماس أو حزب الله، بما يعكس مأزقا مُركَّبا يتجاوز حدود الميدان إلى عمق التفكير الاستراتيجي. فقد دخلت إسرائيل حربا مفتوحة بزخم هائل، لكنها خرجت -أو تكاد- دون تحقيق أهدافها المعلنة. لا القضاء على الخصوم تحقق، ولا الردع استُعيد، ولا البيئة الإقليمية انصاعت. بل على العكس، بدا أن خصومها اكتسبوا قدرة أعلى على التكيّف، فيما انكشفت الجبهة الداخلية على نحو غير مسبوق.
قامت العقيدة الأمنية التي أرساها دافيد بن غوريون على ثلاثية واضحة: المبادأة، نقل المعركة إلى أرض الخصم، والحسم السريع الذي يُترجم إلى مكاسب سياسية. كانت الحرب، وفق هذا التصور، أداة محدودة الزمن، حاسمة الأثر.
لكن ما جرى في عهد نتنياهو يمثل انقلابا على هذه القاعدة. فالحروب لم تعد خاطفة، بل ممتدة؛ ولم تعد تُخاض في أرض الخصم فقط، بل أصبحت تضرب العمق “الإسرائيلي ذاته”؛ ولم تعد تُفضي إلى تسويات سياسية، بل إلى جولات جديدة من الصراع.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: إسرائيل التي بُنيت على فكرة “الحسم”، تجد نفسها اليوم أسيرة “الاستنزاف”.
تكشف هذه التحولات عن حقيقة أكثر إزعاجا: أن التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يكفي وحده لصناعة نصرٍ سياسي. فالحروب ضد فاعلين غير تقليديين، (حماس وحزب الله) لا تُحسم بالوسائل التقليدية ذاتها التي صُممت لمواجهة جيوش نظامية.
كما أن التورط في مواجهة أوسع مع إيران، حتى بدعم من قوة عظمى، لم يحقق الأهداف المعلنة، بل أسهم في تعقيد المشهد، وتعزيز موقع الخصم، ورفع كلفة الصراع إقليميا ودوليا.
لم يكن دور دونالد ترامب في هذا السياق أقل إثارة للجدل. فالرجل الذي اندفع إلى المواجهة، بدا -من وجهة نظر الكاتب- سريع الانسحاب منها، باحثا عن تقليل الخسائر أكثر من تحقيق الأهداف.
وهنا يتبدى قلق استراتيجي عميق: ماذا لو لم يعد الحليف الأمريكي مستعدا لخوض الحروب حتى نهاياتها؟ وماذا لو أصبحت حساباته الداخلية هي العامل الحاسم في تقرير مصير صراعات المنطقة؟
الأخطر في هذا النقد أنه لا يتوقف عند حدود القيادة، بل يمتد ليطال المجتمع الإسرائيلي ذاته: إعلاما، ومعارضةً، ورأيا عاما. إذ يشير إلى أن الإيمان المطلق بجدوى القوة، وبإمكانية تحقيق “نصر كامل”، لم يكن حِكرا على الحكومة، بل كان جزءا من وعي جماعي ساهم في دفع الدولة نحو هذا المأزق.
وهذا يعني أن الأزمة أعمق من مجرد تغيير سياسي؛ إنها أزمة تصوُّر، وأزمة تعريف لماهية الأمن ذاته.
لكن السؤال الأهم.. هل يمكن لدولة قامت على فكرة القوة أن تعيد تعريف نفسها خارج هذا الإطار؟ إن ما تكشفه هذه اللحظة ليس مجرد فشل عسكري أو تعثر سياسي، بل اهتزاز في النموذج ذاته. فحين تتحول القوة من أداة لتحقيق الأهداف إلى عبء يفاقم الأزمات، يصبح من المشروع التساؤل: هل يواجه الكيان أزمة إدارة، أم أزمة وجود.. أم كليهما معا؟
المقال:
أوري مسغاف هآرتس 9/4/2026
تشير تغريدات ترامب الصبيانية، بعد بضع ساعات على وعده بـ “تدمير الحضارة” إلى أن القصة انتهت. سيصبح وقف إطلاق النار المؤقت وقف دائم. ترامب يتحدث بالفعل عن “أموال كثيرة” و”عصر ذهبي” و”سلام عالمي”. لقد نفد صبره واهتمامه، وانتقل الى اللعبة التالية (غرينلاند؟ كوبا؟). المفلس الذي لديه شهادة قرر تقليص خسارته السياسية والمالية وأوضح أن “إيران يمكنها البدء في إعادة الإعمار”. وماذا بخصوص إعادة إعمار إسرائيل؟
هذه كانت، وما زالت، حرب كارثية وخادعة. اثنان من الأبناء الضالين أغرقا المنطقة بالدم والنار والدخان، وأغرقا العالم في أزمة طاقة عالمية. ترامب اعتقد، أو أقنع بذلك، أن الأمر سيستغرق ثلاثة ايام. بعد انتهاء أربعين يوم من الكوابيس والليالي المجنونة، أصبح واضحا أنه لم يتحقق أي هدف من أهداف الحرب العلنية والمهووسة بالعظمة، سواء تدمير المشروع النووي أو ازالة تهديد الصواريخ أو إسقاط النظام. الرابح الأكبر هو المجلس العسكري للحرس الثوري الذي سيطر على السلطة في إيران بدلا من آيات الله، والذي سيقود من الآن خط أكثر تشددا تجاه الغرب، وبالطبع ضد الشعب الإيراني المنكوب، الذي استبدل القلق الصادق على سلامته بالسحق والاضرار بالبنى التحتية وإعداد الظروف لتغيير الحكومة في المستقبل.
الاعتقاد السائد الآن هو أن الحرب انتهت بفتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوح قبلها. ولكن ذلك غير دقيق أيضا. فقد منح ترامب الحرس الثوري اعتراف رسمي بسيادته على المضيق. لقد تعزز موقف ايران. فقد واجهت هجوم استباقي مشترك من قبل “الشيطان الأكبر” و”الشيطان الأصغر”، رغم تدني وضعها العسكري والجوي ألا أنها تمكنت من الصمود أمامهم. أما وضع إسرائيل فقد تدهور بشكل لا يمكن وصفه: قتلى ومصابون، مبان مدمرة، جهاز تعليم مشلول
ومطار بن غوريون مغلق. من أجل ماذا كل ذلك؟ لا نريد التحدث عن ضربة قاضية أخرى للشمال وسكانه الشجعان، الذين بالكاد بدأوا يتعافون من الحرب السابقة، ليكتشفوا، للدهشة، أن حزب الله “لم يختف” و”لم يتم إرجاعه إلى سنوات كثيرة للوراء”، بل على العكس، هو تعافى وتأقلم.
موارد الحكمة والبراغماتية والاعتدال لمؤسسي الدولة استبدلت في عهد بيبي ستان بالغطرسة المسيحانية وعدم التخطيط الاستراتيجي وشهوة لا تنتهي للعمليات التكتيكية (أجهزة البيجرات وتصفية القادة والضباط). كان المفهوم الامني لبن غوريون وورثته يقوم على الحرب الخاطفة ونقل القتال إلى أرض العدو وتحقيق انتصار سريع وترجمته إلى إنجازات سياسية. نتنياهو، الذي تجرّأ، هو وأبواقه في بداية الحرب على تشبيه نفسه ببن غوريون وتشرتشل، أسس مفهوم أمني مختلف: الحروب الطويلة التي تشنها على الجبهة الداخلية الاسرائيلية لا تنتهي أبدا بالنصر ولا تؤدي إلى اتفاقات دائمة أو أفق سياسي.
هذا الشخص الفاشل والمهزوم ألحق بإسرائيل في أقل من ثلاث سنوات أكبر ثلاث هزائم استراتيجية في تاريخها: مذبحة 7 اكتوبر، حرب غزة والشمال التي استمرت لسنتين وانتهت بدون هزيمة حماس وحزب الله، والآن جرَّ الإدارة الأمريكية للحرب المشتركة ضد إيران، الأمر الذي أثار دهشة العالم واشمئزازه، بما في ذلك غالبية الشعب الامريكي. الحساب والانتقام أيضا سيقدم لإسرائيل وليهود العالم. ولكن لا يمكن لوم نتنياهو وحكومته المنعزلة وحدهم. فقد أيدت غالبية الشعب في إسرائيل والإعلام الإسرائيلي وما يسمى بالمعارضة في إسرائيل، الحرب ضد حماس وآمنوا بعدالتها المطلقة وإمكانية تحقيق أهدافها الوهمية. إذا تمكنت إسرائيل في الانتخابات القادمة من التحرر من قبضة التحالف “البيبي”، الكهاني والحريدي، فهي ستحتاج إلى إعادة تأهيل وفطام من الإدمان على استخدام القوة والقوة المفرطة فقط. فالحياة أسمى من مجرد التفكير في متسادا والدفاع عن أسبرطة الشرق الأوسط.







