يعاين معظم أبناء الأجيال القديمة -مواليد القرن الماضي- ألما كبيرا وغُصة إزاء اختفاء المعالم التي تفتّح وعيُهم على رؤيتها ومثولِها؛ فقد شكّلت تلك الشواهد ذاكرتهم البصرية، وصنعت على نحوٍ ما حالةً من الارتباط؛ حفّز الشعور بالانتماء، وساهم في بناء الهوية.
المحو المتلاحق والمتسارع الذي يعجز الراصد عن تتبعه- يُزكي حالة الاغتراب المتفاقمة لدى إنسان هذا العصر؛ لأسباب متعددة يطول شرحها.
وتتعرض المدن التاريخية في البلاد التي تقع فريسة للرأسمالية المتوحشة لمحاولات عديدة هدفها محو معالمها وطمس هويتها، وتحويلها إلى سلعة للمتاجرة بها؛ فتهدم أحيائها القديمة بشكل متسارع؛ تمهيدا لغزوها بالأبراج والمراكز التجارية ومطاعم الوجبات السريعة، وغيرها من مظاهر النيوليبرالية التي تهدف ظاهريا للكسب السريع وتحقيق أعلى عائد، مع توفير وسائل لابتلاع فوائض القيمة من أجل تأجيل حدوث الفجوة الحتمية في الدورة الرأسمالية؛ إلا أن الهدف الخفي لها هو إزهاق روح المدينة التاريخية، التي تشكل -دائما- نبض المجتمعات، وصانعة كتلتها الحرجة، وحراكها الوطني.. فالنيوليبرالية لا تغفل عن أعدائها ولا تمهلهم من الوقت ما يسمح بتنظيم الصفوف وإعادة بث روح النضال القديم، واستقطاب أفراد جدد مناصرين للفكرة؛ لأنها تدرك جيدا مكامن القوة والضعف فيها ما يحتم عليها ألا تسمح بخروج هذه التنظيمات (المدينية) للوجود؛ لأن وجودها حتى في حال الضعف يمثل تهديدا كبيرا لها.
في مدينتي القديمة.. وعيتُ طفلا -في السبعينات- عددا من هذه المعالم، ولما كبرت قليلا زاد شغفي لمعرفةٍ أدق بها.. قصور ومنازل ومبان.. مساجد ووكائل وأسبلة وزوايا؛ كانت ملء السمع والبصر والذاكرة.. انمحت تماما.. صارت في طي النسيان.
هل كان الدافع وراء محو تلك المعالم، النهم الرأسمالي فقط بعد ارتفاع سعر الأرض عدة أضعاف، وتكالُب محدثو الثروة على اقتناء أماكن للسكن في مواقع متميزة، ما دفع الورثة بعون بعض المسئولين إلى المسارعة باستخراج تصاريح الهدم، قبل أن يكمل البناء مئة عام، فيصير أثرا؟ وماذا لو صار أثرا.. لم يعد بعيدا أيضا عن معول الهدم!
هل وُظِّفت الأموال التي دخلت جيوب المصريين من العمل في دول الخليج، أو جزءٌ منها لهذا الغرض تحديدا؛ سعيا إلى هدف آخر غير معلن؟
وهل كان للفكر السلفي الذي يُغري السفهاء بهدم كل ما هو قديم؛ خوفا من أن ينال شيئا من القداسة؛ فيكون بابا من أبواب الشرك؛ حسب مزاعم بَلهَاء تسللت إلى العقول والقلوب من باب تنقية العقيدة، وسد الذرائع؟
وهل من الأفضل أن نرى ذلك من طبائع الأمور، ونغضَ الطرف عن دلائل كثيرة، تخرج بالفعل إلى نطاق استهداف الذاكرة الجمعية للشعب، ومحو الهوية بهدم التراث؟
وهل الإحلال والتجديد والتطوير المنشود؛ حتما ولابد أن يكون على هذا النحو التدميري المبالغ فيه لكل ما هو قديم؟ وهل لدينا ما يوازي كل هذا الجمال المغدور أو يدانيه؛ لنجترئ على استبداله بهذا الشكل؟
وهل منا من يُقدّر خطورة أن تنفصمَ عُرى التواصل الحضاري بين الأجيال بمحو الذاكرة البصرية؛ ليُضاف ذلك إلى الأثر المدمر للتكنولوجيا الرقمية التي صنعت فجوة كبرى يصعب تجسيرها بين جيل الآباء والأبناء؟
هل نحن مبالغون إذا قلنا أننا بصدد جيل يتخلّق وعيه بمعزلٍ عن هويته وثقافته الأصيلة وانتمائه إلى وطنه وأمته؟
وإذا كانت هذه محاولة للدفاع عن التاريخ والحضارة؛ إنقاذا للحاضر وحرصا على المستقبل- فإن ذلك أدعى أن نبحث عن إجابات لتلك الأسئلة في وقائع مماثلة، بعضها موغلٌ في القِدَم، وبعضها عايناه خلال النصف قرن الأخير.
يشير متخصصون إلى أن محو الرموز البصرية لعصر سابق- يُعرف في الدراسات التاريخية، وتراث الفنون؛ اصطلاحا باسم “أيكونوكلازم” وقد عُرف هذا الأمر في بلاد الإغريق قبل الميلاد، وكان الهدف منه استبدال الشرعية الجديدة بالقديمة، وإحلالَ رموزٍ حديثةٍ مكانَ البائدة؛ تغليبا لثقافة أو مذهب على آخر في إطارٍ تاريخي متنوع.
إن ذلك التنوع الثقافي القائم على التجاور واحترام التراث؛ هو ما يصنع حالة التآلف والائتلاف بين أفراد الشعب.. لأنه يُمثل للجميع مرجعية حاضرة و”شاهدة” تصرفهم عن العدوان، وتحول بينهم وبين الاحتراب وتدفعهم إلى التآخي ونبذ الخلاف.. يعني ذلك أيضا أن انتفاء كل هذا بمحو الذاكرة البصرية، يسهم على نحوٍ فاعلٍ في إزكاء الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية، وتهرُّؤ نسيج المجتمع على طريق انهياره وتحلله.







