رؤى

الكوماندوز الإيراني الخفي: القوى الكامنة خلف الصمت

ترجمة: احمد بركات

هندسة الجيش الإيراني لا تتمحور حول قوة نخبوية واحدة، وإنما تقوم على نظام متعدد الطبقات لتحقيق الجاهزية الدائمة وضمان الاستجابة الميدانية المباشرة.

على مدى سنوات، ينحصر النقاش بشأن القدرات العسكرية الإيرانية في وسائل الإعلام العالمية حول اسم واحد، وهو وحدة “فيلق القدس”، باعتبارها القوة المألوفة والواضحة والملائمة لسرديات النفوذ الإقليمي لإيران. ولكن هذا التأطير يتجاهل شيئا أكثر أهمية وإلحاحا عندما ينتقل النقاش من النفوذ طويل المدى إلى المواجهة قصيرة المدى.

فإذا تعرضت جزيرة أو ميناء أو جزء من البنية التحتية الحيوية لغارة محدودة، فلن يكون “فيلق القدس” أول ما يتبادر إلى الأذهان أو يبرز في النقاشات. إلا أن الوحدات التي ستتصدى فعليا لهذا الهجوم وتحدد النتائج في الساعات الأولى أقل شهرة بكثير.

ليس مرد ذلك أنها غير موجودة، ولكن لأن المنظومة العسكرية الإيرانية لم تُهندس في المقام الأول حول تشكيل نخبوي وحيد، بل حول بنية متعددة الطبقات وموزعة على مؤسسات متعددة لا تمثّل فيها القوات الخاصة وحدة بعينها بقدر ما تمثل وظيفة نوعية.

نموذج القوة الموزعة

في القلب من هذه المنظومة يبرز “الحرس الثوري”، وبخاصة القوات البرية التابعة له. ويضم، وهي الكلمة الأكثر شيوعا والتي غالبا ما يُساء فهمها، لواء “الصابرين”.

ويوصف الحرس الثوري أحيانا على أنه “وحدة”، ولكن هذا الوصف لا يُغطي سوى جزء من الصورة. فعلى المستوى الميداني يعمل الحرس الثوري بوصفه فئة عملياتية نوعية، أي مجموعة من قدرات العمليات الخاصة الموزعة على تشكيلات مختلفة.

وتتدرب هذه الوحدات على تنفيذ المداهمات والغارات والإنزال الجوي والعمليات في التضاريس الوعرة. والأهم من ذلك أنها تنتشر في جميع أنحاء إيران.

وتشير تقديرات سابقة إلى أن الوحدات، من قبيل لواء “الصابرين”، تعمل على مستوى الفيالق الإقليمية، وتتناوب عبر مناطق العمليات، في الشمال الغربي ضد الجماعات الكردية المسلحة وفي الجنوب الشرقي ضد شبكات التمرد.

وتحظى هذه التفاصيل بأهمية خاصة، إذ تعني أن القدرات النخبوية العسكرية الإيرانية لا تتمركز في موقع بعينه بانتظار أوامر الانتشار، ولكنها موزعة بالفعل في جميع أنحاء البلاد، ومتكيفة مع البيئات المحلية، ومعتادة على العمل في الصراعات المتفرقة منخفضة الحدة.

ويمثل هذا نموذجا مختلفا تماما عن القوات الخاصة الغربية المُهندَسة في الغالب لتنفيذ عمليات الانتشار السريع (الوصول جوا، وتنفيذ المهمة، والانسحاب)، فيما تقوم هندسة النظام الإيراني على التواجد الدائم.

وإلى جانب لواء “الصابرين”، هناك تشكيلات محددة داخل القوات البرية التابعة للحرس الثوري، مثل لواء “سلمان الفارسي” في الجنوب الشرقي، وغيره من الألوية الخاصة التي تظهر في التدريبات والتقارير الداخلية.

وبرغم أن الصورة العامة لهذه الألوية لا تزال يلفها الكثير من السرية، إلا أن وظيفتها معروفة وواضحة، حيث يتراوح عملها بين قوات الأمن المحلية والوحدات الاستراتيجية العليا، لدعم نقاط الضعف وللتصدي للتهديدات المفاجئة.

ما وراء الحرس الثوري

لا تقف قدرات العمليات الخاصة في إيران عند حدود الحرس الثوري. فداخل الجيش النظامي (القوات المسلحة الإيرانية المعروفة باسم “أرتش”)، يبرز نظام مختلف، ربما يكون أقدم وأكثر تقليدية، إلا أنه لا يزال بالغ الأهمية.

في هذا الإطار، يُعد اللواء 65، وهو وحدة قوات خاصة محمولة جوا، والمعروف باسم “نوهد”، أبرز الوحدات داخل الجيش الإيراني. فعلى عكس تشكيلات الحرس الثوري، يشبه “نوهد” بدرجة كبيرة القوات الخاصة التقليدية من حيث كونه محمولا جوا ومُدربا على الاستطلاع والعمليات المباشرة وقادرا على الانتشار السريع.

وما يجعل “نوهد” مثيرا للاهتمام بشكل خاص ليس فقط تدريبه، ولكن انفتاحه المحدود على العمليات في الخارج، حيث تشير تقارير انتشاره في سوريا عام 2016 إلى أنه، في ظل ظروف معينة، يمكن استخدام القوات الإيرانية الأكثر تقليدية لتنفيذ مهام التدخل السريع.

ومع ذلك، فإن التركيز على القوات البرية دون غيرها يجعلنا نغفل جانبا بالغ الأهمية من الصورة.

التفوق البحري

تتجلى قدرات العمليات الخاصة الإيرانية أكثر ما تتجلى في البحر، إذ يحتفظ سلاح البحرية التابع للحرس الثوري بتشكيل متخصص يُشار إليه غالبا باسم القوة البحرية الخاصة (SNSF). وتتمركز هذه القوة في جزر في الخليج الفارسي، بما في ذلك جزيرة فورور، وتتدرب على الغوص القتالي والهجوم البرمائي وعمليات الصعود إلى السفن.

وعلى عكس الكثير من الوحدات البرية الإيرانية، والتي تعمل في الغالب بعيدا عن الأنظار، فقد تركت هذه القوات البحرية بصمة عملياتية بالغة الوضوح، حيث شاركت في عمليات انتشار لمكافحة القرصنة في خليج عدن، كما يرتبط اسمها على نطاق واسع بقدرة إيران على الاستيلاء على السفن وعمليات الاعتراض في مضيق هرمز.

يعكس ذلك حقيقة استراتيجية بالغة الأهمية. ففي إطار مواجهاتها ضد القوى الخارجية، تلجأ إيران على الأرجح إلى العمليات المحدودة في نطاق جغرافي ضيق، وبخاصة في البحر، بدلا من الحرب التقليدية واسعة النطاق.

إعادة النظر في مفهوم “القوات الخاصة”

يطرح ذلك إشكالية أعمق في إطار المقارنة مع الغرب. فمحاولة إيجاد مكافيء إيراني لوحدات من قبيل “سيل تيم 6” أو “دلتا فورس” الأمريكيتين يغفل جوهر المسألة.

فالمنظومة العسكرية الإيرانية ليست مهَندسة لإنتاج تشكيل عسكري نخبوي واحد ظاهر للعيان، بل لضمان توافر قوات قادرة على الاستجابة السريعة ومنسقة محليا، سواء في البر أو البحر أو في جميع قطاعات الأمن الداخلي.

وهنا تبرز قوات “الباسيج”، والتي غالبا ما تُتجاهل رغم أهميتها الهيكلية. فبينما يُوجَّه جزء كبير من “الباسيج” صوب التعبئة والسيطرة في الداخل، تتلقى بعض عناصرها، مثل وحدات “الفاتحين”، تدريبات على مستوى أعلى، وقد وردت تقارير عن انتشارها في جبهات خارجية، مثل سوريا.

والأهم من ذلك أن وحدات الباسيج تُدمج في عمليات الحرس الثوري على المستوى التكتيكي لتوفير الدعم والمعلومات المحلية والكوادر البشرية. وفي السيناريوهات الحقيقية، تكون هذه الوحدات على الأرجح ضمن أول القوات المشاركة، ليست بوصفها قوات كوماندوز نخبوية، ولكن باعتبارها جزءا من نظام دفاعي مُركب ومتعدد الطبقات يعمل على توفير الدعم وتعزيز عمل الوحدات الأكثر تخصصا.

منظومة وُجدت لتستمر

تفسر هذه الهيكلية الصعوبة البالغة في تحديد مواقع القوات الخاصة الإيرانية وتعسر وضعها موضع المقارنة.

فهذه القوات لم تُصمم للظهور، إذ أنها -على العكس من العمليات الخاصة الغربيةـ لا تنتظم حول قيادة واحدة ولا تعمل بالأساس في مهام عالمية بارزة، وإنما تطورت خبراتها في ميادين عملياتية أكثر هدوءا، مثل الصراعات الحدودية وعمليات الأمن الداخلي والانتشار الانتقائي في سوريا والعراق.

وتقوم هذه الخبرات بالأساس على القدرة على التكيف، والدراية العميقة بالطبيعة التضاريسية لمسرح العمليات، وإمكانية العمل ضمن منظومة أكبر وليس بشكل مستقل. ورغم أن هذا النوع من العمليات لا يثير قدرا كبيرا من الاهتمام، إلا أن ذلك لا يعني بحال عدم أهميته.

ومن ثم فإن الاستجابة لغارة خارجية محدودة لا يكون -في النظام العسكري الإيراني- عبر وحدة بعينها، وإنما من خلال تسلسل ينجم عن التقارب والقدرة والتصعيد.

وتتحرك عناصر الحرس الثوري والباسيج المحلية في المقام الأول لتأمين المنطقة المحيطة مباشرة، ويتبعها تشكيلات، من قبيل لواء “الصابرين”، كتعزيزات متنقلة.

وبالتوازي، إذا توافرت الشروط البحرية، تتحرك القوات البحرية الخاصة التابعة للحرس الثوري للسيطرة على الممرات البحرية، أو تعطيلها، بينما تتدخل الوحدات التابعة للجيش الإيراني، مثل “نوهد”، كتعزيز من مستوى أعلى، إذا ما اقتضت ضرورة التصعيد.

تعمل هذه المنظومة إذن عبر هيكلية مهندَسة لامتصاص الصدمات، وتعزيز نقاط الضعف، وضمان الاستمرارية العملياتية.. وذلك هو جوهر المسألة.

ورغم أن قدرات العمليات الخاصة الإيرانية لا تزال تلفها حالة من عدم الوضوح، إلا أن ذلك لا يعود بحال إلى ضعفها أو إلى طبيعة سرية خاصة، وإنما إلى عدم توافقها مع التصورات السائدة بشأن ما يُفترض أن تكون عليه القوات الخاصة. فلا يوجد شعار واحد، ولا قوة بعينها ترمز إليها، وإنما، بدلا من ذلك، توجد منظومة يصعب تحديدها، ويتعذر إلى الحد الأقصى تعطيلها.

https://thecradle.co/articles/irans-unseen-commandos-the-forces-behind-the-silence

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى
زر الذهاب إلى الأعلى