ثقافة

“ألغام الهويات: تحديات الدين والدولة في العالم العربي”.. كتاب جديد لـ هاني نسيرة

لماذا الهوية السؤال الأهم؟ تعد إشكالية الهوية سؤال العصر ومسألته، ومن أكثر القضايا تعقيدا وإلحاحا في الخطاب العربي والعربي المعاصر، فهي لم تعد مجرد سؤال فلسفي؛ بل غدت شاغلا للحكومات والمجتمعات على السواء، في عصر الحداثة، وما بعد الحداثة وصراعات العولمة وصدامات الهويات.

ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الجديد للكاتب الدكتور هاني نسيره، الذي يدخل حقل ألغام الهويات، وجاء عنوانه: “ألغام الهويات: تحديات الدين والدولة في العالم العربي” في طرحه إلى سبر أغوار الهوية في تجلياتها الراهنة، متجاوزا التعريفات الساكنة ليركز على أبعادها الحركية؛ سواء بوصفها أداة للهيمنة، أو وسيلة للمقاومة، أو إطارا للمواطنة في الدولة الحديثة.

ينطلق الكتاب الذي صدر حديثا عن دار رؤية؛ من فرضية رئيسة مفادها أن الهوية لا تكون إلا مركبة، ولا توجد هوية أحادية، وإن كانت هناك أنواع للهويات، التي يتكون كل منها من عدة مكونات، وتحضر الهوية وفق قوانين التحدي والاستجابة فتحدد النوع الأبرز، كما أنها لا تقف عند سؤال الانتماء؛ ولكن تمتد إلى أسئلة السلطة والحقوق والاعتراف، والمقاومة والنضال من أجل ذلك.

يعتمد الكتاب مقاربة تحليلية تكاملية تجمع بين مناهج متعددة، في تحليل المفاهيم وممارسة الخطاب، وإلى تاريخ الأفكار، مع توظيف أدوات علم النفس والاجتماع السياسي. ويهدف هذا المزيج المنهجي إلى تفكيك أنساق المقومات والعلاقات والعوامل المؤثرة في تشكيل أيديولوجيا الهوية، ورصد ممارساتها الخطابية وقدرتها الفائقة على الحشد والتعبئة وتوجيه الرأي العام، في هذا السياق، يتناول خطاب الهوية بوصفه بناءً سرديا وذاكرة حية تتسم بالديمومة والاستمرارية؛ فهي تستنفر قواها الكامنة عند تصاعد التحديات الوجودية لها، سعيا وراء غايتها المركزية المتمثلة في سياسة الاعتراف. كما يرتكز على أدوات النقد الثقافي، الذي يولي اهتماما خاصا برصد الأنساق الثقافية -الظاهرة والمضمرة على حد سواء- بهدف الكشف عن العلامات والدلالات المرتبطة بحضور الذات واستجاباتها.

ولتحقيق فهم أعمق لظاهرة الهويات وما تنطوي عليه من “ألغام” اعتمد البحث على منهجي الاستقراء والتحليل؛ تتبعا للعلامات الدالة في خطابات الجماعات (سواء كانت تاريخية أو متخيلة)، والرموز المقدسة، وسرديات الهوية ومستوياتها المختلفة.

ديناميكيات فهم الهوية:

يتناول الفصل الأول من الكتاب إشكالية “الهوية” بوصفها مفهوما حركيا عابرا للحقول المعرفية، منطلقا من نقد المقاربات التقليدية التي اختزلت الهوية في أبعادها السكونية أو الجوهرانية المنغلقة.

بدأ الفصل الأول بتمهيد تاريخي يرصد الظهور المتأخر لمفهوم الهوية في الفكر العربي الحديث، مقارنةً بالسياق العالمي الذي شهد طفرة في دراسات الهوية منذ منتصف القرن العشرين، خاصة مع إسهامات إريك أريكسون في صياغة مفهوم “أزمة الهوية”.

تتمحور الإشكالية المركزية في المبحث الأول حول أزمات الفهم وإشكالات المفهوم؛ حيث ينقد الرؤية الشائعة التي تربط سؤال الهوية بلحظات “الفقد” أو “الأزمة” فحسب، مؤكدا أن الهوية قد تنبعث في سياقات النهضة والاستفاقة الرمزية بقدر ما تبرز في لحظات الانكسار. كما يفكك الفصل فخ الاختزال الثقافي الذي يحصر الهوية في سمات ما قبل الدولة كـ(القبيلة والعرق والدين)، مُعتبرا أن هذا الاختزال يُضعف القدرة على فهم “الهويات المركبة” في الدولة الوطنية الحديثة.

وفي المبحثين الثاني والثالث، ينتقل البحث نحو تحليل الهوية بوصفها بناءً اجتماعيا ونفسيا، مستعينا بمفهوم “الهابيتوس” (التطبع) لفهم كيفية تشكل الهوية باعتبارها فعلا يوميا يولِّد الفوارق ويميِّز الذات عن “الآخر”.

ويطرح الفصل رؤية نقدية للهوية بوصفها “جوهرانية ثقافية” قد تتحول إلى أداة للصراع، مقابل طرح “الهوية المركبة” باعتبارها ضرورة حتمية لإدارة التنوع وحماية حق الاختلاف. إن الهوية هنا ليست مجرد تعريف للذات، بل هي ميزان القوى الذي يحدد مسارات السلم والحرب، والاندماج والانقسام، في السياسة الدولية والاجتماع المحلي.

الهوية أصل صراع الدولة والمرجعية:

يركز الفصل الثاني على تفكيك العلاقة الجدلية المعقَّدة بين مفهوم الهوية من جهة بمسألتي “الدين” و”السياسة” في الفضاء العربي، معتبرا أن الهوية الدينية في السياق المشرقي تتجاوز كونها ملاذا روحيا فرديا لتتحول إلى أداة للهيمنة على المجالين العام والخاص. فينطلق النقاش من مقارنة جوهرية؛ فبينما استقر الحال في أوروبا ما بعد الأنوار على خصخصة الدين وترك المجال السياسي للاجتهاد البشري، ظلت الهويات الدينية في منطقتنا نزَّاعة لفرض سطوتها على السلوك والهيئة والرؤية الكونية للفرد والمجتمع، مدفوعة ببعد سياسي يطغى على الروحانية.

يستهل الفصل بتمهيد تاريخي يرصد التحول من “تيار الهوية الإسلامية” العام إلى “حركات الإسلام السياسي” المنظمة، مستعرضا محطات فاصلة في الفكر العربي الحديث. يبدأ بالموقف الإصلاحي للإمام محمد عبده من مسألة الخلافة والشورى، ثم ينتقل لمعركة كتاب “الإسلام وأصول الحكم” لعلي عبد الرازق، محللا السياقات النفسية والاجتماعية التي جعلت من هذا الكتاب شرارة لصراع ممتد حول مدنية الدولة مقابل ثيوقراطية الحكم، وكيف أدت مآلات هذه المعركة إلى تكريس القطيعة بين التيارين المدني والأصولي.

وينتقل الفصل في مباحثه المتأخرة نحو تحليل “الشمولية الأصولية”، حيث تستلب الهوية الدينية التاريخية لصالح مفاهيم مستحدثة مثل “توحيد الحاكمية”، حيث يرصد البحث أخطر التحولات البنيوية في الفكر الأصولي؛ وهي الانتقال من “الخلافة” بوصفها نموذجا تاريخيا لإدارة الحكم إلى “الحاكمية” باعتبارها شرطا للعقيدة والإيمان.. هذا التحول أنتج ما يسميه المؤلف “الهوية المقاتلة”، التي تستند إلى ثنائية (الولاء والبراء) ومنطق (الفسطاطين)، ما شرعن العنف المسلح ضد الدولة والمجتمع تحت ذريعة “كفر الديار” أو غياب الخليفة الشرعي. هذا الحصر للهوية في قالب تنظيمي ضيق أدى إلى ظهور “الهوية المسلحة” التي تستدعي نماذج تاريخية صدامية مثل (اغتيالات الحشاشين) لمواجهة الدولة الوطنية الحديثة.

يخلص الفصل إلى أن صراع الهوية والمرجعية في العالم العربي هو صراع بين “عقلنة السلطة” و”تأطيرها بالمقدس”. مشيرا إلى نجاح الحركات الأصولية في حشد القواعد الشعبية تحت شعارات براقة مثل “الإسلام هو الحل”، محولةً الهوية من إطار قيمي جامع إلى “حصن أيديولوجي” يرفض التعددية ويعتبر التحديث غزوا ثقافيا. إن هذا الانقسام العميق، الذي تراوح بين الجدال السياسي والصدام الميداني، يؤكد أن معضلة الهوية في شرقنا لا تزال تكمن في قدرتها على استدعاء التاريخ لتعطيل الحاضر، وتوظيف النص لخدمة الصراع على السلطة.

أسئلة الهوية الوطنية والعولمة:

ينطلق الفصل الثالث من رؤية نقدية ترفض حبس “الهوية” في أطر الماضوية الساكنة، مؤكدا أنها كائن ديناميكي يتشكل وفق إحداثيات الزمان والمكان. فالإشكالية الجوهرية التي يطرحها البحث هنا أن الهوية ليست “جدارا أصم”، بل هي نهر متدفق يمتلك قدرة فائقة على التكيف والتحول؛ ويستدل التاريخ بنماذج كبرى، تحوُّل الإمبراطورية الرومانية للمسيحية، أو تقلُّد الأتراك والمغول لراية الإسلام، ما يثبت أن الهوية ابنة التجربة ورفيقة التحول وليست قدرا بيولوجياً أو تاريخيا محضا.

في المبحث الأول، يشرّح البحث علاقة الهوية بالدولة الوطنية في العالم العربي، حيث يرصد خارطة الصراع التي تشكلت عقب سقوط نموذج الخلافة عام 1924. ويحلل الفصل كيف أخفقت “الدولة القومية” في استيعاب التنوع، حين قدست العنصر واللغة على حساب المكونات الحضارية الأخرى، ما ولَّد شعورا حادا بالإقصاء لدى الهويات الفرعية (الأكراد والأمازيغ). هذا الفشل في إنتاج “هوية جامعة” حوّل هذه المكونات من نسيج مجتمعي مندمج إلى حركات مطلبية وتحديات سيادية تهدد استقرار الكيانات الوطنية.

ويفرد المبحث هنا مساحة واسعة لتحليل قضية الأقليات والطائفية، مُحذرا من تراث ثقيل من الكراهية غُذّيَّ عبر “مركزية التطرف”. ومع ذلك، يستدعي المؤلف نماذج مضيئة من الوعي الوطني الفطري، متمثلة في مواقف رموز مثل سلطان باشا الأطرش والشيخ صالح العلي، اللذين رفضا إغراءات “الدويلات الطائفية” الاستعمارية، مؤكدين أن أمن “الهوية الصغرى” لا يتحقق إلا في أحضان “الهوية الكبرى”. وفي سياق معاصر، يشير البحث إلى خطورة توظيف الورقة الطائفية في التجاذبات الإقليمية، مستشهدا بمواقف المرجعية الدينية (السيستاني في أواخر 2025) التي رفضت تحويل الانتماء المذهبي إلى أداة جيوسياسية، لا سيما في ظل الأزمات الراهنة التي تلت أحداث السابع من أكتوبر وتداعياتها على الدولة اللبنانية.

أما المبحث الثاني، فينتقل بالنقاش نحو أفق الحداثة الرقمية، حيث يناقش “خوف الجديد” المتمثل في تحديات الذكاء الاصطناعي والهوية الرقمية. يحلل هذا القسم المنظور “الميديولوجي” لأزمة الهوية، وكيف يساهم الفضاء السيبراني العابر للحدود في تذويب الخصوصيات الوطنية. كما يناقش الفصل المخاطر المتخيلة والواقعية لهذه التحولات على سيادة الدول، معتبرا أن غياب “استراتيجيات شاملة” لمواجهة هذا التحدي الرقمي قد يؤدي إلى استلاب ثقافي يفوق في خطورته الأزمات السياسية التقليدية.

يخلص الفصل إلى أن معضلة الهوية في العالم العربي ليست في وجود “الأغيار” أو التنوع، بل في غياب “عقلنة السلطة” التي تضمن المواطنة المتساوية والكرامة المصونة. فالدولة التي تفشل في إدارة تنوعاتها عبر المؤسساتية، تظل عُرضة للتفتيت الطائفي والتدخل الخارجي. واستعادة التوازن تتطلب الانتقال من الهويات التصادمية إلى رحاب هوية وطنية حديثة تؤمن بثراء الاختلاف، وتستوعب منجزات العصر الرقمي باعتبارها أدواتٍ للتمكين لا معاول للهدم، لضمان السلم النفسي والأهلي في عالم مضطرب.

علامات الهوية من القبيلة الى التراث الشعبي:

يخصص الفصل الرابع مساحة تحليلية واسعة لتفكيك بنية الهويات أحادية البعد، متخذا من “النزعة الكيميتية” نموذجا حيا لدراسة كيفية استدعاء التاريخ لخدمة غايات أيديولوجية راهنة. حيث يتبنى الفصل منهجية نقدية تفرق بين “الاعتزاز الحضاري” بوصفها رافدا من روافد الهوية، وبين “الأدلجة العرقية” التي تسعى لفرض مرجعية أحادية تتصادم مع الطبيعة المركبة والمتجانسة للشخصية المصرية. وينقسم الفصل إلى محورين أساسيين؛ ينتقل أولهما من سياقات التأسيس الفكري، بينما يرصد ثانيهما تجليات الهوية في الوجدان الشعبي والممارسة اليومية.

في المبحث الأول، يستعرض البحث الجذور السياقية للحركة الكيميتية، موضحا نشأتها التاريخية في فضاءات “الشتات الإفريقي” خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. فقد ولدت هذه الحركة استجابةً دفاعية للمثقفين الأفارقة في الغرب ضد المركزية الأوروبية البيضاء التي سعت لتهميش الدور الحضاري للسود. إلا أن الفصل يرصد تحولا نوعيا في “الكيميتية المصرية” التي صعدت بقوة في العقد الأخير؛ حيث انتقلت من حيز الفخر بالتاريخ القديم إلى طور “الطائفة الوجدانية” التي تنادي بقطيعة تامة مع المكونات العربية والإسلامية، بل ووصلت في تطرفها إلى الدعوة لإحياء المعتقدات الوثنية القديمة بوصفها “النبع الأصيل”، وتصنيف الأديان الإبراهيمية “وافدا استعماريا”.

يحلل الفصل هذا النزوع بوصفه “هروبا نحو توابيت التاريخ”، مُحذرا من خطورة حبس الهوية في أبعاد عرقية متوهمة تتجاهل صيرورة الزمن وتراكم الحضارات.

أما المبحث الثاني، فينتقل بالنقاش نحو تحرير الهوية من سكونية التعريف، ليقدمها بوصفها “فعلا واستجابة” وذاكرة حية لا تتوقف عن النبض. ويطرح البحث رؤية مفادها أن الهوية الحقيقية لا تسكن الكتب بقدر ما تسكن المشاعر والرموز والمارسات اليومية. وتتجلى هذه الهوية في “التراث الشعبي” من أغاني وأطعمة ورقاصات خالدة، تشكل في مجموعها ترسانة وجدانية تحمي الذات من الذوبان.

إن الهوية هنا هي “حضور في مضمار المجابهة”، تستنفر قواها لتمجيد الأبطال وتهميش الخيانة، وتظل تلح على حضورها بالعلامات المادية والمعنوية التي تميز كل جماعة ثقافية.

ويتعمق الفصل في رصد سيكولوجيا “الهوية الموقوتة”، موضحا أن الهويات الفرعية أو الطائفية غالبا ما تدخل في طور “السبات” ولا تستيقظ بحدة إلا عندما يمسها ضرُ التهميش أو الاضطهاد. ويحلل المؤلف كيف تتحول “مشاعر المظلومية” إلى رباط وثيق يجمع القلوب حول مطالب العدالة والخلاص، مستشهدا بنماذج عالمية مثل حركات تحرير المرأة ونضال السود في أمريكا. إن هذه التجليات تؤكد أن الهوية ليست قدرا بيولوجيا ثابتا، بل هي كيان يتشكل ويتصلب في مواجهة القهر، وينفتح ويتناغم في ظل الاعتراف والكرامة.

يخلص الفصل إلى أن معالجة أزمات الهوية تتطلب الانتقال من “الأحادية الإقصائية” إلى “معقولية التنوع”. فالهوية الحية هي التي تتنفس هواء العصر وتؤمن بحق العيش المشترك دون استعلاء عرقي أو تمييز أيديولوجي. كما أن تصحيح سياسات الهوية يكمن في إدراك ثراء الاختلاف ومساواة البشر، واعتبار الهوية الوطنية الكبرى هي المظلة التي تستوعب كافة الهويات الصغرى وتحولها من مشاريع للصراع إلى روافد للإبداع وبناء المواطنة.

ضرورة فلسفة التنوع والتعددية:

يُمثل الفصل الخامس البيان الختامي للبحث، حيث ينتقل من مرحلة التشخيص الأركيولوجي لأزمات الهوية إلى مرحلة “العلاج الاستراتيجي”. ينطلق الفصل من اعتراف صريح بأن التربة العربية تحولت في كثير من أركانها إلى حقل ألغام معرفي وسياسي، نتيجة تداخل الولاءات الضيقة مع هشاشة الدولة الوطنية. ويطرح المؤلف مفهوم “الأنسنة” و”التدين الحضاري” باعتبارها أدوات نقدية وعملية لفك الارتباط بين المقدس وبين أيديولوجيات الصراع، مؤكدا أن تجاوز محنة التعايش يتطلب ثورة في المفاهيم تضع الكرامة الإنسانية فوق كل اعتبار أيديولوجي.

فيسلط الضوء على إشكالية تمكين الهوية الإنسانية، معتبرا أن غياب “الأنسنة” في الفهم الديني المعاصر هو المسئول الأول عن تحويل الهويات إلى أدوات للدمار. كما يحلل الفصل كيف استُلب المشترك الإنساني لصالح تصورات “شمولية” تقسم العالم إلى فسطاطين، وتستدعي نصوصا تاريخية لتبرير “الاستعلاء الإيماني” ونفي الآخر.

إن هذا الفهم “الصدامي” لم يُنتج إلا هويات مقاتلة، لا تبصر في التنوع ثراءً، بل تراه تهديدا يستوجب الاستئصال. ومن هنا، يدعو إلى ضرورة استعادة “التدين الحضاري”؛ ذلك النمط من التدين الذي ينشد السكينة الفردية والرفق الاجتماعي، ويؤمن بأن الإنسان هو غاية الدين وليس وسيلة لتمكين المؤسسة أو الجماعة. حيث إن أنسنة الهوية الدينية تعني تحريرها من “زنزانة التعصب” وفتحها على رحاب الوعي الكوني الشامل، حيث يصبح صون كرامة البشر هو البوصلة الحقيقية لأي إيمان.

ينتقل المؤلف إلى القسم الثاني من الفصل فيرسم خارطة طريق عملية لنزع ألغام الهوية، مؤكدا أن الشعارات العاطفية حول التسامح لم تعد تكفي لمواجهة ضراوة النزاعات الطائفية والجهوية. ويقترح البحث استراتيجية ثلاثية الأبعاد:

1- المحور التربوي والمعرفي: ضرورة إعادة صياغة المناهج التعليمية لتقوم على “معقولية التنوع”. فالهوية لا تُبنى بالكراهية، بل بالقدرة على فهم الآخر واستيعابه شريكا في الوجود. إن التعليم هو المختبر الأول الذي تُصنع فيه الهويات؛ فإما أن ينتج مواطنا منفتحا، أو ينتج “ذاتا منغلقة” تقتات على أوهام النقاء العرقي أو العقدي.

2- المحور القانوني والسياسي: يشدد الفصل على أن “المواطنة” هي الدواء الناجع لسموم الطائفية. ولا تستقيم المواطنة إلا في ظل دولة القانون والمساواة، التي تنبذ التمييز بكل أشكاله (الديني، العرقي، اللغوي). وتجريم خطاب الكراهية قانونيا هو ضرورة أمنية قومية، لحماية السلم الأهلي من الانفجار. فالدولة الوطنية المتعثرة هي التي تسمح للهويات الفرعية بالاستقواء بالخارج، بينما الدولة العادلة هي التي تكفل الحقوق للجميع، فتحول دون انزلاق الهوية إلى هاوية الخيانة أو الاحتراب الدامي.

3- المحور الثقافي والميديولوجي: تجفيف منابع “الوعي التكارهي” المتغلغل في الموروثات الشعبية والمدونات التقليدية، واستبدال ثقافة حية تُعلي من شأن المحبة والعيش المشترك به.

ويخلص الفصل إلى تحذير شديد اللهجة من مغبة الاستمرار في “العزلة خلف جدران الخوف”. فالتاريخ يخبرنا أن الانغلاق لم يورث الأمم إلا الهزائم الحضارية والتمزق الداخلي، كما هو مشهود اليوم في جراح السودان واليمن وليبيا. وأن البديل الحقيقي هو “عقلنة الهوية”؛ تلك العقلنة التي تمنحنا الشجاعة لرؤية مثالبنا وفضائل الآخر، وتجعل من الهوية نافذة نطل منها على العالم بوعي “تاريخي” يستفيد من الماضي دون أن يسكن فيه.

كما ينتهي الفصل بالتأكيد على أن الحياة في جوهرها هي حركة متدفقة لا تقبل الجمود، وأن الهوية الحية هي تلك التي تتنفس هواء العصر وتستجيب لتحديات الذكاء الاصطناعي والعولمة بروح مبدعة. وأن الهدف الأسمى لهذا البحث هو الانتقال من هويات “متصادمة” إلى هوية “إنسانية جامعة”، تؤمن بأن حق الاختلاف فريضة أخلاقية، وأن العدالة هي القانون الإلهي الذي لا تستقيم بدونه كرامة. إنها دعوة للتحرر من “أغلال الماضي المظلمة” والمضي قدماً نحو آفاق “المواطنة الرقمية والمدنية” التي تضمن للسلم العالمي ديمومته وللإنسان معناه.

ختاما، يؤكد دكتور نسيرة، في أطروحته الكلية على ضرورة الانتقال من الهويات الصدامية إلى رحاب المواطنة الجامعة، لاسيما في المناطق المتضررة من النزاعات. وأن تفعيل سياسات الدمج الواعية يهدف بالدرجة الأولى إلى تفكيك المبررات الأيديولوجية للاحتراب الأهلي، واستبدالها بخطاب مساواة يتجاوز الاستهلاك الإعلامي ليصبح واقعا مؤسسيا. كما يؤكد على حقيقة أن الهوية التي تنكفئ على ذاتها في عزلة إقصائية تنتهي بالضرورة إلى التحلل والصراع؛ بينما الهوية التي تتبنى “الأنسنة” والإنصاف بوصفهما مرجعية عليا هي التي تمتلك القدرة على البقاء والرقي الحضاري. كذلك، تفكيك ألغام التعصب هو المطلب الأخلاقي والسياسي الأكثر إلحاحا في العصر الراهن لإعادة صياغة العلاقة بين الشركاء في الوطن على أسس من الاحترام المتبادل والعدالة القانونية.

 

 

 

 

 

 

 

محمد عبد الكريم

باحث دكتوراة
زر الذهاب إلى الأعلى