ثقافة

نصف قرن على رحيل الشيخ.. أحمد سليمان السعدني

تمر اليوم الذكرى الخمسون لرحيل أحد عظماء دولة التلاوة، الشيخ أحمد سليمان السعدني الذي رحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم عام 1976، عن عمر ناهز الثالثة والسبعين.

ورغم أن الشيخ السعدني عاصر وصادق كبار دولة التلاوة، الشيخ محمد رفعت، والشيخ علي محمود، والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي والشيخ مصطفى إسماعيل.. إلا أنه كان متفردا في قراءته، وكان يرى أن لكل قارئ “بصمة ربانية” يجب عليه أن يحافظ عليها ويرعاها؛ بينما يقتل التقليد الإحساس الصادق بالآيات واستشعار جلال آي الذكر الحكيم؛ لذلك حافظ السعدني على نبرة صوته الهادئة والرزينة دون محاولة محاكاة عمالقة عصره؛ فاعتبر صاحب مدرسة اعتمدت أدواتٍ أخرى تميزت بها عن غيرها من مدارس التلاوة، مثل إحكام الأحكام.. فلقد كان الشيخ شديد التدقيق في مخارج الحروف وأحكام التجويد؛ معتبرا أن “النغم يجب أن يخدم النص القرآني لا أن يطغى عليه”. كما كان -رحمه الله- متمكنا من القراءات السبع، وكان يوظفها في تلاوته لإبراز المعاني التفسيرية المختلفة للآيات، خاصة في المحافل الرسمية. ولم يكن الشيخ يقرأ بنسق واحد، بل كان منهجه يعتمد على ما يُعرف بـ “تلوين الأداء” بناءً على السياق؛ فآيات الوعيد والترهيب كان يستخدم فيها مقامات تتسم بالحدة والشدة لتنبيه المستمع. أما آيات الوعد والنعيم فكان ينتقل فيها إلى مقامات الرصد والبياتي؛ ليعطي إحساسا بالسكينة والخشوع، وهو ما جعل صوته يوصف بـ “الصوت الباكي”. كان الشيخ يمتلك أذنا موسيقية خبيرة بالمقامات الموسيقية؛ لكن منهجه كان يمنع “التطريب” الذي يخرج عن حدود الخشوع؛ فكان يستخدم النغم فقط لتقريب المعنى إلى قلب السامع. لم يكتف الشيخ السعدني بكل هذا بل تجاوزه إلى وضع كتاب في تشريح أداء كبار القراء، مبينا الفروق الجوهرية بين مدارس التلاوة المختلفة، أسماه “في خدمة القرآن” ووضع السعدني فيه عددا من القواعد لمن يريد احتراف التلاوة، مشددا على ضرورة دراسة “علم المقامات” بوصفه أداة وليس غاية، لضمان عدم الخروج عن وقار القرآن.

ومن القصص اللطيفة التي رواها الكاتب محمود السعدني عن الشيخ أحمد سليمان السعدني -لا قرابة بين الرجلين تشابه أسماء فقط- في كتابه “ألحان السماء” أن سلطات الاحتلال البريطاني شكت الشيخ السعدني للنحاس باشا أثناء الحرب العالمية الثانية؛ لأن إذاعة برلين العربية تداوم على بث تلاوات للشيخ بصورة يومية قبل نشرة الأخبار؛ وهذا من شأنه التأثير على الشعوب العربية التي كانت تحرص على الاستماع للتلاوات الرائعة، وتسمع الأخبار بعدها.. بل إن سلطات الاحتلال اتهمت الشيخ صراحة أنه عميل للمحور.. واستدعي السعدني إلى مكتب النحاس باشا، الذي استمع إلى القصة كاملة منه، ومفادها أن إذاعة برلين أرسلت وفدا إلى القاهرة عام 1937، لتسجيل عدد من الأغاني والبرامج العربية لإذاعتها في قسمها العربي، وأن هذه المهمة استغرقت عاما كاملا؛ وغاب عن ذهن أعضاء الوفد الألماني، الحصول على تسجيلات للقرآن الكريم بأصوات كبار القراء المصريين، وكان الوقت قد أزف واقترب موعد العودة إلى برلين، فلم يتمكنوا من الوصول لأحد من القراء الكبار؛ إلا الشيخ السعدني فسجلوا له عشر تسجيلات رائعة، داوموا على بثها -بعد أن نشبت الحرب في عام ١٩٣٩- كل مساء؛ ما اعتبره الحلفاء مؤامرة عليهم.

وُلد الشيخ أحمد سليمان السعدني عام 1903، في قرية كفر أبراش بمركز منيا القمح، محافظة الشرقية، وحفظ القرآن الكريم في كُتَّاب القرية، وتشكلت شخصيته متأثرا بأحداث ثورة 1919؛ حيث كانت سرادقات العزاء التي تقام لشهداء الثورة -في تلك الفترة- مدرسته الأولى لاستيعاب أصول التلاوة.

في هذه الأثناء كان الفتى السعدني يقطع كل مساء عشرة كيلومترات من قريته إلى منيا القمح؛ ليستمع إلى مشاهير القرَّاء الذين جاءوا ليرتلوا القرآن الكريم، وكان أحمد يجلس الساعات الطوال على الأرض خلف السرادق ليستمع بتركيز بعيدا عن العيون، فلم يكن دخول السرادق مباحا لأمثاله من الصبية الصغار، وذات مساء بكى السعدني وهو يستمع إلى الشيخ البربري، وود لو أنه استطاع مصافحته وتقبيل يده. لكن أمنيته لم تتحقق قط، فعندما كبر الشيخ السعدني وجاء إلى القاهرة، كان الشيخ البربري قد انتقل إلى رحمة الله.

كان انتقال شيخنا إلى القاهرة في الثلاثينيات، لتلقى علم القراءات على يد شيخ المقارئ الشيخ الجريسي، الذي رشحه للقراءة في مسجد الإمام الشعراني بباب الشعرية.

بدأت شهرة السعدني الحقيقية عندما قرأ آي الذكر الحكيم، في جنازة الزعيم سعد زغلول، وانضم للإذاعة المصرية عام 1937. ويُعتبر الشيخ السعدني أول قارئ مصري تُسجل صوته إذاعات أجنبية وعالمية مثل إذاعة لندن وبرلين وموسكو ونيودلهي.

وفي مثل هذا اليوم من عام 1976، رحل عن عالمنا الشيخ الجليل أحمد سليمان السعدني بعد حياة حافلة بخدمة القرآن الكريم، فجزاه الله عنا وعن الأمة الإسلامية خيرا، وتقبله في عباده الصالحين.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى