قبل نحو عامين، تناولت بالبحث والدراسة المدققة شخصية علي عزت بيجو فيتش أول رئيس لجمهورية البوسنة والهرسك، وعندما نشرت مقالي عن الرجل، فوجئت ببعض الأصدقاء يدينون الرجل ويحمّلونه قدرا -ليس بالقليل- من مسئولية ما جرى لمسلمي البوسنة (البوشناق) من مجازر وعمليات تطهير عرقي، على يد الصرب والكروات، وعزا هؤلاء الأمر إلى تسرع بيجوفيتش في إعلان استقلال الجمهورية البوسنية في مارس 1992، عن ما كان يُعرف باتحاد الجمهوريات اليوجوسلافية، بعد تفكك الاتحاد عقب خروج كل من كرواتيا وسلوفينيا، وإعلانهما الاستقلال.
كان مشروع صربيا الكبرى ما زال يداعب مخيلة سلوبودان ميلوسوفيتش في بلجراد، وكذلك مجرم الحرب زعيم صرب البوسنة رادفان كرازاديتش. وكان صرب البوسنة قد امتنعوا عن الإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء على الاستقلال الذي كانت نتيجته 99% موافقة على الاستقلال، في ظل مراقبة الأمم المتحدة للاستفتاء والاعتراف بصحة نتائجه وما يترتب عليها. تذرَّع القادة الصرب بأن الاستفتاء غير شرعي؛ لأنه لم يحصل على إجماع المكونات الثلاثة للتركيبة الديمغرافية في الجمهورية.
واستخدم هذا الجدل القانوني لتبرير العدوان العسكري الفوري الذي بدأ بعد أيام قليلة من إعلان الاستقلال، حيث بدأت المليشيات الصربية مدعومة بأسلحة “الجيش الشعبي اليوغوسلافي”. ترتكب أبشع الجرائم بحق المسلمين
هناك تقارير تاريخية تشير إلى وجود تفاهمات سرية أحياناً (مثل لقاء “كاراكورديفو” بين ميلوسوفيتش والزعيم الكرواتي تودجمان) كانت تهدف إلى تقسيم البوسنة بين صربيا وكرواتيا.
في هذا السياق، كان وجود دولة بوسنية مستقلة ذات سيادة وبأغلبية مسلمة أمرا مرفوضا من الطرفين القوميين المتطرفين (الصربي والكرواتي)، ما جعل المسلمين في مواجهة جبهات متعددة في مراحل مختلفة من الحرب.
لذلك يرى كثيرون أن بيجوفيتش كان في وضع جيوسياسي مستحيل، وأن تحميله المسئولية يعتبر تجاهلا للحقائق التالية:
حتمية الخيار: بعد استقلال كرواتيا وسلوفينيا، كان البقاء ضمن “يوغوسلافيا المصغرة” يعني خضوع البوسنة بالكامل لسيطرة ميلوسوفيتش، وهو ما كان يراه البوشناق انتحارا سياسيا وهوياتيا.
الشرعية الدولية: اعتمد بيجوفيتش على المسار الديمقراطي والقانون الدولي، حيث أجرى استفتاءً حظي باعتراف الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبالتالي فإن المسئولية تقع على “المعتدي” الذي انتهك هذه السيادة، وليس على من مارس حقه في تقرير المصير.
غياب البدائل: كان الصرب قد بدأوا بالفعل بتسليح ميليشياتهم وتشكيل “مناطق حكم ذاتي” داخل البوسنة قبل إعلان الاستقلال بفترة طويلة، ما يشير إلى أن الحرب كانت قادمة بغض النظر عن قرار الاستقلال.
وتبقى الانتقادات الموجهة للرجل في موضع الاعتبار، حيث يوجه بعض المؤرخين والسياسيين الانتقاد لبيجوفيتش، معتبرين أن بعض قراراته ساهمت في تعقيد الموقف مثل:
عدم الاستعداد العسكري: يُنتقد بيجوفيتش لعدم استعداده الكافي للحرب عسكريا، رغم المؤشرات الواضحة على نية الصرب استخدام القوة. فقد دخل البوشناق الحرب وهم الطرف الأضعف تسليحا أمام رابع أقوى جيش في أوروبا آنذاك.
التراجع عن الاتفاقيات: يرى البعض أن تراجعه عن “خطة كوتيليرو” (اتفاق تقسيم إداري قبل الحرب) قد نزع فتيل السلام الأخير، رغم أن بيجوفيتش تراجع عنها لأنه رأى أنها تقسم البلاد على أسس عرقية وتقوّض سيادة الدولة.
المثالية السياسية: يُتهم الرجل أحيانا بأنه كان “مفكرا وفيلسوفا” أكثر منه “رجل دولة براغماتي”، حيث وضع ثقة مفرطة في تدخل المجتمع الدولي لحماية الدولة المستقلة، وهو التدخل الذي تأخر سنوات حتى وقعت أبشع المجازر.
بعد هذا العرض.. ربما يتوجب علينا الاقتراب أكثر من فكر وعقل الرجل الذي حظى بشهرة واسعة في العالم الإسلامي منذ اندلاع حرب البلقان أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وحتى وفاته في 19 من أكتوبر 2003.








