ثقافة

المقاطعة الأكاديمية لدولة الاحتلال.. تعزيز بطيء يُرسّخ لوضع دائم

تشهد دولة الاحتلال تصاعدا متسارعا في موجة المقاطعة الأكاديمية على مستوى الجامعات والمؤسسات البحثية والاتحادات العلمية الغربية، في تطور باتت النخب العلمية في الكيان المؤقت نفسها، تنظر إليه باعتباره تهديدا استراتيجيا طويل الأمد، لا يقل خطورة عن الضغوط السياسية أو الاقتصادية التقليدية.

وقد أظهر تقرير صادر عن لجنة رؤساء جامعات الكيان، أن المقاطعة الأكاديمية لم تعد مجرد مبادرات احتجاجية رمزية، بل تحولت إلى ظاهرة دولية آخذة في الاتساع، تمسّ بصورة مباشرة مكانة دولة الاحتلال العلمية وقدرتها على الاندماج في شبكات البحث والتطوير العالمية.

شكّلت الحرب على غزة نقطة تحول مركزية في تسارع المقاطعة الأكاديمية؛ إذ تزايدت داخل الجامعات الغربية الأصوات التي تعتبر المؤسسات الأكاديمية في الكيان- جزءا من البنية الاستعمارية والعسكرية للاحتلال، بسبب ارتباط معظم هذه الجامعات ومراكز الأبحاث بالصناعات العسكرية، وبرامج الذكاء الاصطناعي الأمني، وأنظمة المراقبة والتجسس، فضلا عن التعاون المباشر مع جيش الاحتلال.

ومع اتساع مشاهد الدمار واستهداف الجامعات والبنية التعليمية في غزة، انفجرت موجة احتجاجات واعتصامات طلابية داخل جامعات كبرى في أوروبا والولايات المتحدة والمملكة وكندا، مطالبة بقطع العلاقات الأكاديمية مع دولة الاحتلال وسحب الاستثمارات المرتبطة بها.

وبرزت جامعات مثل جامعة كولومبيا وجامعة هارفارد وجامعة أكسفورد وجامعة كامبريدج بوصفها مراكز رئيسة للحراك الأكاديمي المناهض للكيان.

في بلجيكا، اتخذت جامعة جِنت واحدة من أكثر الخطوات حدة، بعدما قررت إنهاء أو تجميد التعاون مع مؤسسات صهيونية، بينها: معهد حولون للتكنولوجيا، معهد ميغال للأبحاث في الجليل، مركز فولكاني للأبحاث الزراعية.. كما أعلنت لاحقا مراجعة شاملة لعلاقاتها مع جميع المؤسسات الأكاديمية في الكيان المرتبطة بالجيش أو بانتهاكات حقوق الإنسان.

وسارت الجامعة الحرة في بروكسل وجامعة أنتويرب في الاتجاه نفسه، عبر تعليق أو مراجعة الشراكات البحثية والاتفاقيات الأكاديمية مع مؤسسات صهيونية.

أما في إسبانيا، فقد تحولت المقاطعة إلى موقف شبه جماعي؛ إذ دعمت هيئة رؤساء الجامعات الإسبانية (CRUE) تعليق التعاون مع الجامعات الإسرائيلية المتورطة في دعم الحرب أو الرافضة لإدانة الانتهاكات بحق الفلسطينيين.

واتجهت أكثر من سبعين جامعة إسبانية إلى: تجميد اتفاقيات التعاون، مراجعة برامج التبادل، وقف الشراكات البحثية مع مؤسسات الكيان العلمية.

وكانت جامعة غرناطة وجامعة خَاين من أوائل الجامعات التي أعلنت رسميا تعليق التعاون الأكاديمي والتقني مع دولة الاحتلال.

وبرزت إيرلندا الحرة باعتبارها إحدى أكثر الساحات الأوروبية تشددا تجاه الكيان اللقيط في الملف الأكاديمي.

فقد قادت كلية ترينيتي دبلن حملة واسعة انتهت إلى: قطع العلاقات الأكاديمية مع جامعات العدو، وقف برامج التبادل الطلابي، تعليق التعاون البحثي، وسحب استثمارات مرتبطة بالكيان المؤقت.

كما امتد الضغط إلى مؤسسات أخرى مثل جامعة كوينز بلفاست، التي واجهت ضغوطا لإنهاء استثمارات مرتبطة بشركات صهيونية.

ويستند المزاج الأكاديمي الإيرلندي إلى إرث تاريخي طويل من العداء للاستعمار والفصل العنصري، وهو ما يفسر الحضور القوي للقضية الفلسطينية داخل الجامعات الإيرلندية.

في النرويج، تصاعدت حملات المقاطعة داخل الجامعات والنقابات الأكاديمية، مع دعوات لوقف التعاون البحثي مع المؤسسات الكيان المرتبطة بالمؤسسة العسكرية. كما شهدت السويد نشاطا متزايدا لشبكات أكاديمية تدعو إلى: قطع العلاقات مع جامعات العدو، دعم الجامعات الفلسطينية، وإنهاء أي شراكات علمية مرتبطة بالمؤسسة العسكرية في دولة الاحتلال.

وفي اسكتلندا، شهدت جامعات مثل جامعة إدنبرة وجامعة سانت أندروز موجات احتجاج وضغوط أكاديمية متزايدة لمقاطعة دولة العدو واعتبارها دولة فصل عنصري.

لم تعد المقاطعة مقتصرة على المؤسسات، بل امتدت بصورة متزايدة إلى الباحثين الصهاينة أنفسهم.. فقد سُجلت حالات متعددة لإلغاء دعوات أكاديميين صهاينة للمشاركة في مؤتمرات وندوات دولية، كما جرى استبعاد بعضهم من لجان علمية وهيئات تحكيم أكاديمية.

ومن بين الأسماء التي طالتها هذه الإجراءات المؤرخ الصهيوني بيني موريس، الذي أُلغيت له فعالية أكاديمية في لايبزيغ عقب احتجاجات طلابية. كما تحدثت تقارير عبرية عن تعرُّض باحثين من: جامعة تل أبيب، معهد التخنيون، معهد وايزمان للعلوم، الجامعة العبرية في القدس لإلغاء دعوات ومقاطعات متكررة داخل مؤتمرات واتحادات علمية دولية.

يبقى الخطر الأكبر بالنسبة للعدو متمثلا في احتمال تقييد مشاركته في برنامج “هورايزون أوروبا” الذي يُعد أكبر وأهم برنامج بحث علمي وتمويل أكاديمي في العالم.

إذ تعتمد دولة الاحتلال بصورة كبيرة على هذا البرنامج في: التمويل العلمي، الشراكات البحثية، الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، والاندماج في الشبكات العلمية الأوروبية. لكن تصاعد الضغوط داخل الاتحاد الأوروبي بات يطرح تساؤلات متزايدة حول “القيم المشتركة” التي تُعد شرطا لاستمرار الشراكة مع الكيان الغاصب، خصوصا في ظل: الحرب على غزة، والتصعيد في لبنان، وسياسات الاستيطان في الضفة الغربية، وتصريحات مسئولي الكيان المتطرفين الداعمة للعنف تجاه الفلسطينيين، والتي أثارت غضبا واسعا داخل أوروبا.

ومن اللافت، أن التقارير العبرية نفسها باتت تتحدث عن “تعزز تدريجي بطيء” للمقاطعة الأكاديمية، مع تحوّلها من مبادرات متناثرة إلى اتجاه دولي آخذ في الترسخ. وتخشى دولة الاحتلال بصورة خاصة من تحوّل المقاطعة إلى: عرف أكاديمي دائم، أو سياسة أوروبية شبه رسمية، أو شرط أخلاقي في التمويل والتعاون العلمي. وفي حال تحقق ذلك، فإن دولة الكيان قد تواجه -على المدى الطويل- عزلة علمية متزايدة تمسّ أحد أهم مصادر قوتها: الاقتصاد المعرفي والتفوق التكنولوجي والبحث العلمي.

 

 

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى