رؤى

معاريف: إسرائيل لم تنجح في حسم أي جبهة، بل أصبحت رهينة لإيران وحزب الله

مقدمة أصوات:

 في هذا المقال يفند الكاتب الأبرز في معاريف بن كاسفيت، مزاعم نتنياهو في خطابه أمس حول التمادي في تبرير ما آلت إليه الأمور في دولة الاحتلال من ارتهان لإرادة الإيرانيين -على حد قوله- مع اقتراب ترامب من توقيع اتفاق مع إيران يمكن اعتباره انتصارا مؤزرا لطهران.

ويواصل بن كاسفيت.. بشأن العلاقة بين الكيان والولايات المتحدة قائلا بأن ولاية ترامب بقي منها سنتان ونصف.. بعدها سيأتي الطوفان -بحسب تعبيره- مع تراجع إسرائيل على جميع الجبهات.. ويخلص الكاتب إلى أن نتنياهو انتهى تابعا ذليلا لترامب، وأنه تسبب في هزيمة استراتيجية فادحة لدولة الاحتلال؛ لأنه لم يبحث عن آليات خروج منطقية من الحرب، في ذروة قوة الكيان، لأنه لم يكن يريد إنهاء الحرب، بل أراد الوصول إلى نهاية ولايته بأي ثمن وهو مكسب شخصي دفعت إسرائيل مقابله غاليا.

المقال:

في ظهوره أمام الكاميرا أمس، بدا نتنياهو كبالونٍ مُفرغ من الهواء. إذا قارنتَ مجموعة من خطاباته البطولية عن “النصر الشامل” التي ألقاها في السنوات الأخيرة بما رأيناه منه أمس، ستُدرك حجم الخلاف. ما زال يُلقي خطاباته، وفي المطلة أُطلق الإنذار بسبب دخول طائرة مُسيّرة منطقة المستوطنة.

يحق لنتنياهو أن يُهنئ نفسه، مرة أخرى. من سياسة إطلاق النار على حماس، نقلنا الآن إلى إطلاق النار على إيران. من وضعٍ كانت فيه إسرائيل تعمل بحرية في جنوب لبنان وتقصف الضاحية كلما دعت الحاجة، أصبحنا رهائن للإيرانيين، الذين أعلنوا أنهم سيردون بصواريخ باليستية على كل قصف في الضاحية.

يحق لنتنياهو أن يُهنئ نفسه، مرة أخرى. يحدث كل هذا في الوقت الذي يواصل فيه حزب الله إطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ، وتكتسب حماس قوة في غزة، ويقترب ترامب خطوة واحدة من توقيع اتفاق لا يُعدّ هزيمة كاملة لإيران، بل انتصارا ساحقا.

لا تستطيع إسرائيل الصمود أمام جولات المواجهة مع إيران. لن يصمد اقتصادها، ولن يتحمّله الشعب، وستواجه المؤسسة الأمنية صعوبة بالغة، وكل هذا ينطبق على عهد ترامب. سينتهي هذا العهد خلال عامين ونصف، وبعده سيأتي الطوفان. ما نعجز عن فعله الآن، لن نفعله لاحقًا. والآن نعجز عن اتخاذ قرار على أي جبهة. الواقع لا يكذب. بل على العكس: بعد سلسلة لا تنتهي من الإنجازات العسكرية المذهلة، تتراجع إسرائيل على جميع الجبهات.

أصبحت إيران أكثر خطورة مما كانت عليه. صحيح أنها ضعفت عسكريا واقتصاديا، لكن النظام يعتقد أنه نجا من الحرب رغم كل الصعاب، وهو منتشٍ بالسلطة ويتوق للانتقام.

سيفعلون أي شيء للحصول على قنبلة، حتى لو اضطروا لشرائها سرا من كوريا الشمالية، أو تنظيم تجربة نووية مرتجلة في الصحراء لإتمام الصفقة. لقد أصبحوا أقل ضبطا للنفس، وأقل رزانة، وأكثر تصميما. الضربة التي تلقوها بالأمس كانت رمزية ولم تُحرك أحدا. يبدو الآن أن الحرب انتهت، لكن التهديد لم يزل. بل ربما العكس.

في ظهوره بالأمس، أدلى نتنياهو بتصريحات مذهلة، بل وعبثية. لم يُشر إلى ترامب إلا نادرا، واقتصر حديثه على ثلاث كلمات: “الرئيس ترامب صديقي”. وكما يُقال، كل كلمة أخرى غير ضرورية. فقبل ذلك بقليل، تحدث ترامب إلى مراسل صحيفة “فايننشال تايمز”، وقال له، مجددا، ما هو واضح: “بيبي سيوقع أي اتفاق أقدمه. هو لا يُقرر. هو لا يُقرر. أنا فقط من يُقرر”. لكن الأهم هو الحفاظ على الصداقة.

لكنه أدلى بتصريحات أخرى. على سبيل المثال، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي: “قبل عام، في عملية كالافي(الأسد الصاعد)، أوقفنا البرنامج النووي الإيراني. لو لم نتحرك في الوقت المناسب وبقوة، لما كنا هنا اليوم”. وأضاف أنه لو لم تهاجم إسرائيل إيران في يونيو الماضي، أي بحلول يونيو، لكُنَّا أُبِدْنَا.

“لما كنا هنا”، كما قال. أي أن إيران كانت دولة نووية بالفعل. فمن غير المعقول أن تتمكن في عام واحد فقط من سدّ فجوة التخصيب، وإكمال برنامجها النووي، وإنتاج قنبلة بحجم كرة السلة، مزودة بآلية تفجير معقدة، وتركيبها على رأس صاروخ باليستي، وتدمير إسرائيل. نعم، نعم: بحسب نتنياهو، كان كل هذا في طريقه إلينا. لقد نجونا بأعجوبة. بعبارة أخرى، هو من أنقذنا.

وقال أيضا: “كما فعلتُ لعقود، أؤكدُ على حقنا في التحرك ضد أعدائنا. وقد تصرفنا بهذه الطريقة الآن أيضا”. إنه مقتنع بأنه طوال سنوات حكمه الطويلة، “دافعَ بقوة عن حقنا في التحرك ضد أعدائنا”.

حاولتُ أن أتذكر متى تحرك ضد أعدائنا. متى رتب لتلقي حماس 30 مليون دولار شهريا من قطر؟ متى تجاهلَ وتجاهلَ مطالب جهاز الأمن العام (الشاباك) المتكررة له بالقضاء على قيادة حماس؟ متى أطلق سراح جميع القتلة ويحيى السنوار؟ متى فرّ من كل مواجهة مع حماس؟ متى أهدرَ قطار الأنفاق لالتقاط صورة نصر مزيفة في “حارس الأسوار”؟ متى كبحَ زحف حزب الله؟ متى تجاهلَ الخيام التي نصبها حزب الله على “أراضينا”؟

هذه القائمة طويلة كقائمة قتلى السابع من أكتوبر. لم يواجه هذا الرجل أعداءنا قط. لقد كرّس الوضع الراهن، واكتفى بجولات عقيمة تنتهي بالتذمر، وسمح لأعدائنا ببناء وحوش إرهابية من حولنا، والآن يجرؤ على الكذب والتباهي بشكل لا يوصف.

في الأربع والعشرين ساعة الماضية، حقق بعض المكاسب. فقد هاجم ضاحية بيروت خلافا لنصيحة ترامب، ثم هاجم إيران أيضا دون موافقة ترامب. لكن بعد هذه المكاسب، تلقى ضربة قاضية. كان الهجوم على الضاحية محدودا، واستهدف مكاتب خالية، وكان يُذكّر بشدة بالهجوم على كثبان غزة في عهد نتنياهو.

كان الهجوم على إيران أيضا مدروسا. أكد السفير الإسرائيلي في واشنطن، ليتر، أن إسرائيل لم تُلحق أي ضرر بأي شيء له علاقة بإنتاج النفط، حتى لا تنخفض أسعار النفط -لا قدر الله- وبينما كان سلاح الجو يستعد لجولة ثالثة كبيرة من الهجمات، جاء الإنذار من واشنطن، وانتهى الأمر. يسدل الستار على هذه الحرب، وعلى عكس ما وعدنا به نتنياهو طوال مدتها الطويلة، لا يوجد منتصر هنا كالعادة.

يستطيع نتنياهو أن يدّعي ما حققه لنفسه في المقام الأول. لقد حوّل نفسه إلى تابع لترامب، وذلك أساسا لأنه تجرأ على تجنيده للجهاد ضد القضاء الإسرائيلي ورئيس البلاد.. هربا من المحاكمة. من يستعبد نفسه لكيان أجنبي لن يطالب بشيء لاحقا، حين يدرك أنه مستعبد. من هنا تبدأ الأمور وتنتهي.

يعاني نتنياهو من تضارب مصالح متأصل منذ توجيه الاتهام إليه. في السلم والحرب، وفي الحياة نفسها. كان على رئيس وزراء عاقل أن يجد منذ زمن بعيد آليات خروج منطقية من الحرب، في ذروة قوتها، لا في قاعها. لم يكن نتنياهو يريد إنهاء الحرب، بل أراد الوصول إلى نهاية ولايته. وقد نجح. هذا انتصاره المطلق، وهو في مجمله خسارة استراتيجية فادحة للبلاد.

رابط المقال الأصلي:

https://www.maariv.co.il/news/opinions/article-1330769

 

زر الذهاب إلى الأعلى