رؤى

هآرتس: إسرائيل ليست دولة أبارتهايد فقط، بل أيضا دولة ترانسفير

مقدمة أصوات: يكشف جدعون ليفي في هذا المقال المنشور أمس الخميس في هآرتس النقاب عن مخطط دولة الاحتلال الخاص بتهجير الفلسطينيين من بلداتهم وقراهم في الضفة الغربية، وهو يعتبر ذلك، التنفيذ المرحلي الثالث للعملية بعد العمليتين السابقتين في 1948 و1967، ويرى ليفي أن مخططات اليمين المتطرف يجري تنفيذها على قدمٍ وساق، بينما يغط اليسار الإسرائيلي في سُبات عميق منذ اغتيال إتسحاق رابين على حد زعمه.

دولة الاحتلال لم تكتف بأنها دولة فصل عنصري، وأضافت إلى هذه الجريمة ضد الإنسانية جريمة أخرى أشد وأنكى وهي جريمة التطهير العرقي.. ويذهب ليفي إلى أن أغلب مستوطني دولة الاحتلال يتشاركون فكرة أن هذا البلد لا يتسع إلا لشعب واحد، وبالتالي فإن الحديث عن قوى “إسرائيلية” مناهضة للإجرام الصهيوني- هو حديث لا قيمة له.. لذلك لا يرى جدعون ليفي غضاضة في دعوة دول العالم إلى مزيد من النبذ والعزل لدولة الاحتلال.. حتى يفيق هذا المجتمع الاستيطاني من سكرته التي تدفعه نحو العدوان دائما وهو يعجل بنهايته وليس العكس.

المقال:

حيّ سلوان [في القدس الشرقية] يُفرَّغ من سكانه؛ عائلات كاملة تُطرد من بيوتها بعد عقود من السكن فيها، بذريعة وحجج واهية ومثيرة للغضب. وفي غزة يتكدس مئات الآلاف من النازحين في مخيمات بائسة، وبعضهم لن يعود مطلقا إلى بيته الذي لم يبقَ منه شيء؛ وفي الوقت نفسه، يعقد رئيس مجلس الأمن القومي “اجتماعا طارئا” بشأن “تشجيع الهجرة الطوعية”.

“هيمنوتا”، و”إلعاد”، والصندوق القومي اليهودي(كيرن كييمت)، ومجلس الأمن القومي، والجيش الإسرائيلي، وجمعية الدفن التابعة للطائفة السفاردية، والإدارة المدنية، هذه كلها مؤسسات حكومية، أو جمعيات تعمل من أجل هدف واحد: التطهير العرقي، الجيل الثالث؛ فبعد عمليتَي التطهير الناجحتين في سنتَي 1948 و1967، جاءت المرحلة التالية من المشروع الصهيوني الذي قامت الدولة اليهودية على أساسه. وخطة المراحل تتقدم على نحو جيد.

ظاهريا، يبدو الأمر كأنه مجرد سلسلة عشوائية من الأحداث التي وقعت في الأيام الأخيرة. وظاهريا أيضا، يبدو كأنه انفلات وفوضى خرجت عن السيطرة، يُتاح في ظلها للمستوطنين أن يعيثوا فسادا: نزوات المتطرفين، أو انتقاما للسابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لكن خلف هذا كله، تكمن غاية أكبر؛ فلدى اليمين الإسرائيلي خطة منظَّمة واستراتيجية واضحة، وهو يعمل على تحقيقها.

وفي حين يثرثر اليسار بشعارات مبتذلة وجوفاء، ويتخبط في ضياع الاتجاه، ويغرق في السبات الذي سقط فيه منذ اغتيال يتسحاق رابين، يواصل اليمين تشكيل واقع لا رجعة فيه.

إن إسرائيل تتحول إلى دولة ترانسفير؛ إلى دولة يُعدّ التطهير العرقي أحد الركائز الأساسية لسياستها. وللتطهير العرقي أسماء كثيرة ووجوه متعددة؛ فهو يكون علنيا أحيانا، وخفيا ومنكَرا أحيانا أُخرى، لكنه يتبلور في نهاية المطاف بوصفه ظاهرة تاريخية تجري الآن على قدم وساق، بعيدا عن أنظار الجميع. فبعد إنشاء نظام الأبارتهايد- الذي لم يكن الهدف الأصلي للصهيونية، أو للدولة – يأتي الترانسفير، وهو الهدف الأكبر الذي أُنشئ الأبارتهايد من أجله.

قولوا من الآن فصاعدا: إن إسرائيل ليست دولة أبارتهايد، بل هي أسوأ من ذلك، إنها دولة ترانسفير أيضا. فالأبارتهايد في جنوب أفريقيا لم يكن يهدف إلى تطهير الدولة من سكانها السود؛ أمّا الأبارتهايد الإسرائيلي، فنعم.

في الأشهر الأخيرة، لم أغطِّ تقريبا سوى عنف المستوطنين في الضفة الغربية. أسبوعا بعد أسبوع، وقرية بعد قرية، وعائلة بعد عائلة، يتمسك الناس بمنازلهم وأراضيهم بأظفارهم حتى يعجزوا عن ذلك. من تجمعات الرعاة التي تعيش مثلما عاش الأقدمون، في الكهوف، من دون أن تؤذي أحدا، إلى المصرفيين الأثرياء الذين يتركون “ﭬللهم” في قرى فاخرة، يعيش الجميع في خوف ويُجبَر على الرحيل.

القرية تلو الأُخرى تُهجَّر، والعائلة تلو الأُخرى ترفع الراية البيضاء وتستسلم. يعِدون بـ”الصمود إلى الأبد”، وبعد بضعة أشهر، ينتهي الصمود، ولا يبقى من البيت سوى أكوام من الخراب. وهم لا حول لهم ولا قوة، ولا حماية، ولا خيار أمامهم؛ هكذا تُطهَّر الأرض من سكانها بالتدريج.

حتى حكومة تغيير لن تستطيع تغيير كثير من الوقائع التي حُسمت على الأرض. صحيح أن الأمر لا يزال يتعلق بعدد قليل من المهجَّرين من حيث الأعداد المطلقة، إذا استثنينا قطاع غزة والجنوب اللبناني، وصحيح أن هناك كثيرا من العمل الذي يجب القيام به، لكن الاتجاه واضح، ومنهجيته مخيفة.

لقد بدأوا بالفئات الأضعف: تجمعات الرعاة، أو سكان القدس الشرقية، الذين لا يجدون أي إنصاف في النظام القضائي الإسرائيلي، وهو نظام فصل عنصري بطبيعته، ويمضون قُدما من دون أي عائق.

بين تهجير غزة وتهجير سلوان يمرّ خط مستقيم واحد: الفكرة القائلة إن هذا البلد يتسع لشعب واحد فقط؛ نحن، أو هم. ويبدو كأن أكثرية الإسرائيليين تشارك هذه الفكرة، حتى أولئك الذين يشعرون بعدم الارتياح وهم جالسون في مقاعدهم أمام مشاهد التهجير، التي بالكاد تُذكَر أصلا في وسائل الإعلام الإسرائيلية.

وللعلم: بينما كنتم نائمين، كان هناك شعب يُجرَّد من وطنه، خطوةً بعد خطوة.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى