في الوقت الذي تتعرّض فيه القضية الفلسطينية لأخطر محاولات التصفية منذ النكبة، يبدو النظام السياسي الفلسطيني عاجزا أكثر من أي وقت مضى عن الارتقاء إلى مستوى التحديات، ليس السبب غياب التضحيات أو ضعف إرادة الشعب، بل غياب القيادة الوطنية الجامعة، وتعطيل المؤسسات، واحتكار القرار الوطني من قبل فئة ضيقة؛ لم تعد ترى في المؤسسات الوطنية سوى أختام تمنح الشرعية لما تقرره مسبقا.
لقد تحوَّلت منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت يوما عنوان الوحدة الوطنية والكفاح الفلسطيني، إلى مؤسسة مغيبة ومُهمَّشة، بينما انتقل مركز القرار الحقيقي إلى السلطة الفلسطينية وأجهزتها، ومع مرور السنوات لم تعد المنظمة تقود السلطة؛ بل أصبحت السلطة هي التي تتحكم بالمنظمة، في انقلاب سياسي صامت أفرغ المؤسسة الوطنية الجامعة من مضمونها ودورها التاريخي.
لقد شكَّل اتفاق أوسلو نقطة تحوُّل خطيرة في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية، فبدل أن تكون السلطة أداة من أدوات منظمة التحرير في خدمة المشروع الوطني، أصبحت المنظمة نفسها ملحقة بالسلطة ومقيَّدة باعتباراتها والتزاماتها السياسية والأمنية والمالية، ومنذ ذلك الوقت بدأ التراجع التدريجي لمكانة المؤسسات الوطنية لصالح الفردية السياسية والتفرد بالقرار.
وفي عهد الرئيس محمود عباس، وصلت هذه الأزمة إلى مستويات غير مسبوقة، فقد جرى تعطيل الحياة الديمقراطية، وتهميش المجلس الوطني والمجلس التشريعي، وتحويل المجلس المركزي إلى هيئة تصادق على القرارات بدل أن تكون أداة رقابة ومحاسبة، كما تركزت السلطة السياسية في يد دائرة محدودة تحتكر القرار الوطني وتتعامل مع بقية القوى السياسية باعتبارها مجرد متلقية للقرارات لا شريكة في صناعتها.
والأخطر من ذلك أن نهج التنسيق الأمني استمر رغم كل الجرائم التي ارتكبها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، فبينما كانت إسرائيل توسِّع الاستيطان وتصادر الأراضي وتهدم البيوت وتقتل الفلسطينيين في الضفة وغزة والقدس، بقيت القيادة الرسمية متمسكة بخيارات ثبت فشلها وعجزها عن حماية الأرض أو الإنسان أو الحقوق الوطنية.
لكن النقد الصادق يقتضي القول إن مسئولية هذا الانهيار لا تقع على طرف واحد فقط، فالقوى الفلسطينية الأخرى -وبالذات حماس- تتحمل هي أيضا مسئولية كبيرة عن تعميق الانقسام وإضعاف النظام السياسي الفلسطيني، فقد أدى الصراع على النفوذ إلى تكريس واقع الانقسام، وتراجعت الأولوية الوطنية لصالح الحسابات الفصائلية، بينما دفع الشعب الفلسطيني الثمن من وحدته ومستقبله وقضيته.
غير أن خطايا الآخرين لا تبرر استمرار احتكار القرار الوطني ولا تعفي القيادة الرسمية من مسئولياتها.
فمن غير المقبول أن تستمر إدارة الشأن الوطني بالعقلية ذاتها التي أوصلت الحركة الوطنية إلى هذا المأزق التاريخي، ومن غير المقبول أن تبقى منظمة التحرير أسيرة إرادة المتنفذين بينما يجري الحديث صباح مساء عن الوحدة الوطنية والشراكة.
إن السؤال المركزي اليوم ليس كيف نعيد إنتاج الواقع القائم، بل كيف نعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس جديدة، كيف نستعيد منظمة التحرير باعتبارها المرجعية الوطنية العليا؟ كيف نعيد القرار إلى المؤسسات بدل الأفراد؟ كيف نضمن المشاركة الشعبية والرقابة والمساءلة؟ وكيف نحوِّل المنظمة من إطار معطل إلى قيادة وطنية حقيقية تجمع الفلسطينيين في الوطن والشتات؟
إن أي حديث عن الوحدة الوطنية -دون إصلاح جذري لمنظمة التحرير- هو مجرد تكرار لشعارات فقدت معناها، فلا وحدة مع احتكار القرار، ولا شراكة مع الإقصاء، ولا مقاومة وطنية فاعلة في ظل غياب المرجعية الجامعة، وما يحتاجه الفلسطينيون اليوم ليس المزيد من البيانات والخطب، بل ثورة ديمقراطية داخل البيت الفلسطيني؛ تُعيد الاعتبار للمؤسسات الوطنية وتضع حدا لسياسة التفرد والاستئثار.
لقد أثبت شعبنا عبر أكثر من قرن من النضال أنه قادر على الصمود ومواجهة أعتى المشاريع الاستعمارية، لكن التجربة أثبتت أيضا أن الاحتلال لا يستفيد من شيء بقدر استفادته من انقسامنا وضعف مؤسساتنا وعجز نظامنا السياسي.
ولذلك فإن معركة إصلاح منظمة التحرير ليست معركة إدارية أو تنظيمية، بل معركة وطنية بامتياز تتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية نفسها.
فإما أن تستعيد منظمة التحرير دورها بوصفها البيت الوطني الجامع والمرجعية العليا للشعب الفلسطيني، وإما أن يبقى الفلسطينيون أسرى نظام سياسي مأزوم يتآكل من الداخل بينما يواصل الاحتلال فرض وقائعه على الأرض.
لقد آن الأوان لاستعادة القرار الوطني وإعادته إلى صاحبه الحقيقي: الشعب الفلسطيني.






