ثقافة

تحديات على طريق الإصلاح (٣) أزمة الدراسات الإسلامية في جامعاتنا

لا يقوم كثير من المنشغلين بالدراسات الإسلامية -في جامعاتنا- بدور الباحث المفكّر لكن بدور الواعظ المتأمل، والوعْظ إذا دخل في البحث العلمي أفسده؛ لأنّ الوعظ يعتمد على تحسين أو تقبيح إطلاقي عام مرسل يقينيّ، لا تعرفه لغة العلم، فهم لا يبحثون فيما يُحقق وعي علمي بالتراث، بل يستظهرون ما قاله القدامى كمُقدماتٍ لنتائجَ جاهزةٍ قد حددوها مسبقا، ويُطْلون المقدمات والنتائج بطلاء حداثي، بِحَشْوِ البحثِ أو المقالِ العلميِّ ببعض الكلمات والجمل الحداثية، فيظهر “وكأنّه يكتشف جديدا، وهو في الواقع يُمارس دور الحُواة، فيُخرج من ثيابه ما سبق أن خبّأه، وذلك ليُدهش النّاس، وينال إعجابهم، وما يكون الباحث قد خبّأه في هذه الحالة ليس سوى ما قاله القدماء في نفس القضية وعن نفس الموضوع”.( )

يصدر أمثال هؤلاء الباحثين -في دراساتهم الإسلامية- عن يقين كبيرٍ في أنّهم يُحيطون بالعلم الشرعي، ظنّا منهم أنّ عروبة لسانهم كافية لمنحهم قدرةً، دونَ غيرهم، على فهم القرآن الكريم وتراث علماء المسلمين، وهذا ما يجعلهم يشعرون بالاشمئزاز من كل منهج جديدٍ لا يعرفونه، ويتّهمون كلّ مختلفٍ عنهم، ويتصدّون له بعنفٍ شديد؛ خوفا من أن يُزعزع ثقتهم بعلمهم ونظرتهم للعالم، فلديهم عقل متأكّد من كل شيء؛ لذا فهم خاملون لا يبحثون عن شيء جديد، لا يهزّهم ولا يُحرّكهم الإخفاق الحضاري الذي نعيشه منذ مئات السنين، ولا المشكلات الاجتماعية التي تُحيط بنا، متجاهلين أنّ “كل ّ المشاكل الناجمة عن أسلوب ومستوى معين من التفكير لا يُمكن أن تُحلّ ما دُمنا مُصرّين على اعتماد نفس الأسلوب في التفكير” على حدّ قول ألبرت آينشتاين. فضعْف منظومة القيم الإسلامية وعزلة اللغة العربية في مجتمعاتنا يكمن خلفه أسلوبٌ ومستوى معين من التفكير في أقسام الدراسات الإسلامية والعربية بجامعاتنا، ولا أمل في التغيير ما دُمنا مُصرّين على الأسلوب نفسه.

فنحن في أمسّ الحاجة إلى تفكير مختلفٍ، على غرار ما قدّمه ابن رشد لأوروبا في بدايات نهضتها، فنقلت عنه فكرة الإنسان الباحث القادر على إنتاج المعرفة، والتأثير في المجتمع، وقبول الاختلاف النابع من اختلاف القدرات وتعددية النظر والتأويل، وعلى غرار ما فعله “دي سوسور” عندما أعاد النظر في المسلمات الشائعة حول طريقة عمل اللغة في عددٍ من المحاضرات جمعها طلابه بالكاد في كتابٍ هو مجمل نتاجها العلمي؛ لتبدأ به الدراسات اللغوية الحديثة، لكن من المؤسف أنّ كثيرا من الباحثين في جامعاتنا استوقفهم ثمرة فكر ابن رشد ونتائج دي سوسور، ولم يشغلوا أنفسهم بآليات التفكير ذاتها، وهذا النهج بعينه هو نهجنا في التعامل مع الفكر شرقيا كان أم غربيا، لا نتعامل معه بوصفه فاعلية متحركة ديناميكية نحتاج إلى التدرب عليها، بقدر ما نهتمّ بالنتائج النفعية المباشرة.

يظنّ هذا النوع من الباحثين أنّ المعرفة تبدأ من حشد المعلومات والتفاصيل، وإعادة ترتيبها؛ لتبدوَ وكأنّها شيئا مختلفا، والواقع أنّه ينطلق في تفكيره البحثي من نقطة زمنية وواقع معرفي لم يعد له وجود، فحوسبة المعلومات قضت على آمال البحث التقليدي، فماذا عساه أن يُقدّم والموسوعات الضّخمة في المعاجم وكتب الحديث والفقه والشعر وغيرها من علوم التراث تنتشر على فضاء الانترنت! فأقصى ما يُقدّمه البحث التقليدي في التراث هو إعادة تحقيق بعض مخطوطاته مستفيدا من ثورة الحوسبة المعلوماتية؛ غير مُبالٍ أحيانا بأنّ موضوعات بعض المخطوطات مثل تفضيل مذهب فقهي على آخر، أو جدل حول مسألة كلامية لا تُمثّل إضافة إلى واقعنا المعرفي، ولا تُجيب عن تساؤلات المجتمع المُلِحّة!

يُجيد هذا النوع من الباحثين كتابة آلاف الأسطر في وصف الحالة السيئة لواقعنا العربي والإسلامي دون أن تتجاوز لُغتهم حدود التوصيف الإنشائي إلى مستويات أعمق من التفكير النقدي، والعمل التنظيري الذي يتبعه تغييرات جذرية للواقع الخارجي على غرار محاولات الأمم في سعيها نحو التمدن والتحضر، لكنّه على النقيض، يتّهم كلّ محاولة للتفكير بأنّها تشكيك، ويرى كل محاولة للنقد نقضا، مكتفيا بترديد الإجابات الجاهزة دون التفكير فيها، تلك الإجابات التي تحاصر العقل، وتعطّله، وتمنعه من الانطلاق في فضاءات الإبداع بحثا عن حلول لمشاكله، فالإجابات المُعلّبة المُعدّة سلفا تُضعف ملكة النقد بداخل الباحث، وتُعطيه إحساسا كاذبا بالإنجاز المعرفي؛ ليمضي في شئون حياته اليومية، إجابات تسكينية تقفز على المشكلة، ولا تُواجهها، تُعطي شعورا بالأمان لمجتمع قلقٍ مما حوله، فكل محاولة بحثية لتفكيك تلك الأجوبة المسكّنة، وإعادة النظر فيها يُهدد وجود المستكينين أنفسهم، ما يدفعهم إلى استخدام العنف، والتعامل مع الباحث المتسائل كعدو.

وفي الجانب الآخر، على نقيض العقل الانعزالي الذي يعيش في سُباتٍ عميق، مكتفيا بتوزيع الاتهامات، وكتابة “الصعبانيات”، يتحرك العقل المُتطلّع إلى المعرفة، الباحث عن إجابات لأسئلة الحاضر، فكلّما تعرّف على ثقافات متنوعة، اتّسع أفقه، وازدادت ثقته بنفسه بوصفها جزءا من عالم متعدد الأفكار والثقافات، وأصبح مرنا لا يتوقف عن مراجعة أفكاره ومواقفه باستمرار، متقبلا للتغيير والتجديد، منطلقا في تفكيره من إيمانه بدعوة القرآن الكريم في (٦٤٠) آية كريمة إلى التفكير، الذي هو في حقيقته حالة من التساؤل المستمر، فعندما يتوقف العقل عن التساؤل يختفي، فلا معنى لبحثٍ في الإسلاميات لا ينطلق في سؤاله البحثي من مشكلات الواقع، سؤال يتعايش به الباحث مع حاضره بعيدا عن أسئلة الماضي التي لا مساس لها بالحاضر، وليست مورد ابتلاء المُكلّفين بلغة الفقهاء، فكلّ مرحلة لها تساؤلات وإشكاليات تعبر عن هموم الفرد والمجتمع.. “فاهتمامات الباحث على المستوى الأكاديمي لا تنفصل عن هموم المواطن بل تتجاوب معها، وليست الأسئلة والافتراضات التي يطرحها الباحث في أي دراسة – في حقيقتها- إلا صدى قد يبدو بعيدا وخافتا في أحايين كثيرة لهموم المواطن على أي مستوى من المستويات”.( )

فأيّ محاولة بحثية حقيقية في الإسلاميات تقترن بسؤال الباحث الواضح المحدّد، فهو بداية طرح الفروض لاختبارها، وبدون السؤال لا يُوجد بحث ولا يتشكّل منهج، فاختيارات الباحث العلمية يُحرّكها سؤال المنهج، وهو سؤالٌ متواصلٌ ودائم، فالباحث في حركة مستمرةٍ على مستوى المنهج بين الماضي والحاضر بين الحداثة والتراث، حركة فكرية دائبة لا تهدأ بين قراءة مفاهيم الدراسات الحديثة من الهرمنيوطيقا والسيميولوجيا وتحليل السرد والأسلوبية والإفادة منها، وبين القراءة النقدية للإنجازات التراثية في مجال علوم اللغة والبلاغة والنقد بمعناه العام، والناتج عن تلك القراءات في مجموعها ليس منهجا، بل سؤال دائم متواصل، وحين يتوقف السؤال، ويتصور الباحث أنه حقّق نضجه المنهجي، فإنّ الذي يكون متحققًا بالفعل هو جمود المنهج الذي هو في حقيقته ناتج حركة التفاعل العميقة جدا والخصبة بين سؤال الباحث وموضوع البحث.( )

فيُثير الباحث الإشكاليات البحثية على مستوى المنهج والموضوع، ويطرح التساؤلات محفِّزا القارئ على البحث معه عن إجابات واقتراحات وحلولٍ من شأنها هي الأخرى أن تُثير إشكاليات وتطرح تساؤلات جديدة، فمسيرة البحث حالة من السؤالٍ المستمرٍ والمراجعةٍ الدائمةٍ، “تلك الآلية القادرة دائماً على تصحيح الأخطاء، والتّقدم نحو مزيدٍ من الاجتهاد. هكذا تُصبح القراءة فعلا مستمرا لا يتوقف يبدأ من الحاضر والراهن، وينطلق إلى الماضي والتراث، ثم يرتدُّ إلى الحاضر مرة أخرى في حركة لا تهدأ، ولا يقرّ لها قرار، لكنّها الحركة التي تؤكد الحياة، وتنفى سكون الموت، إنها حركة الوجود والمعرفة في نفس الوقت”. ( )

“سيقول المغرضون من الناس وأصحاب الكراسي المزورة -على حد تعبير الكندي فيلسوف الإسلام الأول- ليس لهذه التساؤلات من معنى إلا التشكيك في العقيدة، وسيقولون إن هذه ليست أسئلة جديدة، بل هي قديمة أجاب عنها العلماء كلّ في مجال تخصصه، فالإجابة عنها الآن من قبيل تحصيل الحاصل، ولكن على الباحث أن يُعرض عن كل ذلك، ويمضي في طريقه طارحا السؤال تلو السؤال باحثا عن إجابة لكل سؤال، متباعدا قدر الإمكان عن الإجابات الجاهزة التي لا تضيف إلى وعينا بموضوع الدرس جديدا”. ( )

ولا يستسلم الباحث الواعي في رحلته البحثية للإجابات الجاهزة، التي يزدحم به التراث بحكم امتداده التاريخي، ويحتاج تجنّبها إلى طاقة هائلة وحذر حتى لا يقع في حبائلها، فمتى تسرّبت إلى وعي الباحث أدخلته في دوامة “التشويش الأيديولوجي” الذي يُفسد عليه عمله، وإذا كان من المستحيل علميا وإنسانيا أن يتجنب الباحث كلّ ما هو مطروح من إجابات في التراث أو الثقافة، فإنّ عليه أن يختارَ من بينها أشدّها صدقا واقترابا من الحقيقة بعد أن يُخضعها لمنهج الشكّ العلمي المنهجيّ، فإعادة النّظر إلى التراث من منظور التفكير العلمي يُجنّبنا التوجيهات الأيديولوجية داخل التراث التي تحافظ على الأوضاع الاجتماعية المتردية وتساندها، فكما يستند التراث إلى قوى التغيير والإصلاح في نضالها ضد الفساد الاجتماعي والفكري، يستند إلى قوى التوجيه الأيديولوجي الأكثر استحواذا؛ لسيطرة الفكر التقليدي على التراث ذاته.

وكما أنّ الماضي قد يُدخل الباحث في دوامة “التشويش الأيديولوجي” فإنّ الواقع/الحاضر كذلك قد يُدخله في الدوامة نفسها، فالباحث الواعي حذر من خطر “التشويش”، الأيديولوجي النّابع من موقفه من الواقع الذي يعيش فيه، ويتفاعل معه بوصفه مواطنا، ويُدرك أنّ عليه أن يُقلل من تأثير هذا الخطر على قدر ما يستطيع، ويكفى الوعي الدائم به مانعا من الانطلاق إلى مهاوي التحليلات الأيديولوجية إذ لا يقع فيه حتى الأذقان إلا من ينكرونه ويزعمون لأنفسهم تجردا، وموضوعية ونزاهة لا تليق إلا بالحق المطلق المجرد، وأنّى لنا ذلك”.( )

من جانب آخر يقوم سؤال البحث على كسر التوقع، فالبحث مغامرة في الكتابة أو الفن تُحدث صدمة أو دهشة، وعندما تموت المغامرة يموت الإبداع الفني أو العلمي، فالتفكير العلمي مُزعج وصادم للنفس التي تهوى أن تقرأ وتسمع ما تحبّ، بصرف النظر عن موقعه من الحقّ أو موقفه من الحقيقة، فالباحث الحقيقي سيشعر بمزيج من مشاعر الهمّ والقلق المعرفي، وسيصاب أحيانا بالإحباط والاكتئاب؛ لكن عليه أن يمضي في طريقه، فالانزعاج للحقّ مكرمة، وأن تنزعج للحق خير من أن تنبهر بالباطل؛ لهذا يستلزم البحث العلمي في الإسلاميات كثيرا من الجرأة والشجاعة في طرح الأسئلة وجرأة أشد وشجاعة أعظم في البحث عن الإجابات الدقيقة لهذه الأسئلة.

فعلى الباحث أنْ يعيّ جيدا أنه يسبح عكس التيّار؛ لأنّ الاتجاه العام ينفر من المغامرة خوفا من الوقوع في الخطأ؛ لأنّه يتصور الخطأ وسيلة للهلاك! بينما الخطأ هو الوسيلة الوحيدة إلى الصواب، كلّ يقين يقع بين شكين شكّ يعقبه يقين، ويقين يعتريه شكّ، فكل نظرية علمية قابلة للدّحض.. فالتفكير العلمي لا يعترف باليقين أبدا بل يقوم على الشكّ العلمي المنهجيّ skepticism ، والتفكير النقدي critical thinking الذي يجعل الباحث يُراجع أفكاره، ويختبر مدي صحتها أولا بأول، والعقل البحثي “يشكّ في كلّ شيء”، ويبدأ غير متأكد من كلّ شيء، فمثل هذا يُحرّر الفكر فتجده يكتشف ويبدع.

الباحث الجادّ مفكّر مهجوس بفكرة مواجهة أسباب الجهل والخرافة التي نعيشها، ومن أخطرها تغييب التفكير العلمي عن أقسام الدراسات الإسلامية والعربية، فالتفكير في ذاته ليس جريمة، ونشْر الاجتهاد الذي هو ثمرة التفكير واجب يُمليه ضمير الباحث ومسئوليته إزاء دينه ومجتمعه، مُتحليا بتقوى معرفية تُمْلي عليه أن يُقدّم اجتهاداته بلغة جسورة غير مراوغة، لغة تقول ما تريد دون لفّ أو دوران حول المعنى، ودون تحسس لحركة اتجاه الريح أو تلمّسٍ لما يُمكن أن ينال رضا “العامة” أو موافقة من يُغازلون “العامة” بخيانة الفكر والضمير، بل وخيانة العقيدة”.( ) والباحث هنا لا يزعم امتلاكه للحقيقة بألف ولام العهد، وإنما يزعم أنه بسبيله للبحث عنها ومقاربتها بالقدر الممكن علميا وإنسانيا.

وكلما أمعن الباحث في التفكير أمعن في المثابرة والإصرار على مواجهة التخلف الذي نعيشه، والمضي بالبحث العلمي في الطريق الشائق الذي قرر أن يسلكه، إنّه طريق فهم القرآن الكريم وفهم حركة الرسول، صلى الله عليه وسلم، بين الواقع والوحي كلام الله الذي وصلنا بلغة العرب كما قال تعالى “بلسان عربي مبين”؛ لنبحث فيه وفق ما انتهت إليه الدراسات اللغوية، ودون أن نغفل الاستفادة من تراث القدامى بعد إخضاعه للنقد العلمي، فلا نُبرر تخلّف مجتمعاتنا بمؤامرة الآخر بل نبحث عن أسباب التخلّف داخلنا، مستحضرين قول السيد المسيح “إنّ أحدكم ليرى القشّة في عين أخيه، ولا يرى الخشبة في عين نفسه”.

أخيراً لن تتحرك طرق تعليم ومناهج بحث العلوم الإسلامية إلا باسترداد الباحث المفكر، وهذا لا يكون بالتّلقين الذي يجرى في المدارس والجامعات، ويعزّز بداخل كل منّا تعصبا لفهمه وتدينه، فمهما كان السؤال المطروح معقدا، ويحتاج إلى تفكير فلدينا إجابات جاهزة سريعة نتجاوز بها حدود المعرفة البشرية التي تُحتّم عليه المزيد من التواضع والتّأني في إصدار الأحكام، والمزيد من اليقظة والتحليل لكلّ ما يقعُ داخل بيئتنا المعرفية، فمخاصمة الفكر والتّنكر لنتائجه هو المسئول عن كلّ أنماط الاستبعاد والإقصاء والتكفير الذي لا يُمارس على المستوى الديني فحسب، بل وعلى المستوى السياسي والعرقِيّ والثقافيّ.

 

 

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

أستاذ بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى