يواجه الاقتصاد المصري معادلة دقيقة تجمع بين تحسن مؤشرات السيولة الأجنبية وعودة الاستثمارات الدولية من جهة، واستمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الطاقة والاحتياجات التمويلية، من جهة أخرى، وسط مساعٍ حكومية لخفض الدين العام وتقليص الاعتماد على التمويل الخارجي، بالتزامن مع الحفاظ على جاذبية السوق أمام المستثمرين.
نهاية الأسبوع الماضي.. قررت لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي المصري تثبيت أسعار الفائدة للمرة الخامسة على التوالي، خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية، عند 19% للإيداع و20% للإقراض، و19.5% لسعر الائتمان والخصم، رغم تباطؤ التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 14.5% خلال أغسطس، مقابل 14.9% في يوليو.
وجاء القرار متوافقا مع توقعات المؤسسات المالية، في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بارتفاع أسعار النفط عالميا، والتوترات الجيوسياسية، وتقلُّب تدفقات المستثمرين الأجانب، وقوة الدولار. ورغم تراجع التضخم العام، ارتفع التضخم الأساسي إلى 14.9% مقابل 14.7% في يوليو، بما يعكس استمرار الضغوط السعرية.
ويتوقع المركزي تراجع التضخم تدريجيا بعد استقراره خلال الربع الثالث من العام، مع إمكانية عودته إلى خانة الآحاد خلال النصف الثاني من 2027، والوصول إلى مستهدفه البالغ 7%، بهامش نقطتين مئويتين صعودا أو هبوطا. وحذر المركزي من أن تجدد التصعيد الإقليمي وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء قد يعرقل هذا المسار.
على صعيد القطاع الخارجي، سجلت استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المصرية مستوى قياسيا بلغ 55.1 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، بعدما ارتفعت بنحو 52.7% خلال الربع الثاني، بزيادة تقارب 19 مليار دولار مقارنة بنهاية مارس.
وجاء هذا الانتعاش بعد خروج نحو 15.8 مليار دولار خلال أول شهرين من التوترات المرتبطة بحرب إيران، قبل أن تعود التدفقات مع تحسن الأوضاع الجيوسياسية واستقرار سوق الصرف. كما سجل المستثمرون الأجانب والعرب صافي مشتريات بنحو 438 مليار جنيه خلال يونيو، استحوذ الأجانب منها على 362.2 مليار جنيه.
وانعكس تحسن التدفقات على صافي الأصول الأجنبية للبنوك، الذي قفز بنحو 2.72 مليار دولار خلال أغسطس؛ ليصل إلى 31.14 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ عام 2020.
وجاءت الزيادة مدفوعة بارتفاع صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك التجارية إلى 12.25 مليار دولار، ولدى البنك المركزي إلى 18.72 مليار دولار.
غير أن هذه المكاسب تظل مرتبطة باستقرار الأوضاع الخارجية، إذ تتسم استثمارات المحافظ المالية بسرعة الدخول والخروج، ما يجعلها أكثر عرضة للتقلبات الجيوسياسية وتغيُّر أسعار الفائدة العالمية ومستويات العائد المحلي. في المقابل، تظل فاتورة استيراد الطاقة أحد أبرز التحديات أمام الموازنة والاحتياجات التمويلية.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى احتمال اضطرار الحكومة لرفع أسعار الوقود مجددا إذا استمرت الأسعار العالمية في الارتفاع، بهدف احتواء تكلفة الدعم والالتزام بمستهدفات خفض الدين العام.
وتستهدف الحكومة، وفق افتراضات موازنة 2026-2027، احتساب النفط عند نحو 75 دولارا للبرميل، مع تخصيص احتياطيات للطوارئ تعادل 1.1% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يمنحها هامشا لامتصاص جانب من ارتفاع الأسعار دون تمرير الزيادة كاملة إلى المستهلكين.
وتتضاعف أهمية هذا الملف مع رغبة مصر في عدم طلب تمويل جديد من صندوق النقد الدولي بعد انتهاء الاتفاق الحالي بنهاية العام، في وقت تقدّر فيه الاحتياجات التمويلية الخارجية بنحو 19 مليار دولار لعجز الحساب الجاري خلال السنة المالية 2026-2027، وقد ترتفع إلى 25 مليار دولار عند إضافة استحقاقات الديون الخارجية.
في المقابل، يقدم قطاع السياحة مؤشرا إيجابيا مهما، بعدما ارتفعت إيراداته بنسبة 30% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، لتتجاوز 17.5 مليار دولار، وفق تصريحات وزير السياحة شريف فتحي.
واستقبلت مصر نحو 13.6 مليون سائح حتى منتصف سبتمبر، فيما تحتاج إلى إضافة نحو 420 ألف غرفة فندقية لتحقيق مستهدف استقبال 30 مليون سائح سنويا، وزيادة الإيرادات السياحية إلى 38 مليار دولار بحلول السنة المالية 2029-2030.
وبذلك، تبدو قدرة الاقتصاد المصري على تعزيز موارده من النقد الأجنبي مرتبطة بتكامل عدة عوامل، أبرزها استمرار تعافي السياحة، واستقرار تدفقات الاستثمار، وتحسن الاحتياطيات، بالتوازي مع احتواء التضخم وترشيد الإنفاق العام. وتبقى التحديات الأساسية في ارتفاع الدين والاحتياجات التمويلية، وحساسية السوق للتطورات الجيوسياسية، ومدى قدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين الإصلاح المالي والحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين.








