انتقل شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت للإجابة عن سؤال آخر، وهو كيف رأى الخلاف حول حجية الأحاديث المروية في التشريع؟ هل رأى الشيخ الرافضين لحجية السنة خارجين عن الإسلام؟
عرَض الشيخ رأيهم بموضوعية دون تحامل، وإن اختلف معهم، فهُم -من منظوره- جماعة من الباحثين رفضوا أن يتخذوا الأحاديث المروية مصدرا من مصادر التشريع، ورأوا أن القرآن الكريم وما تناقله المسلمون بالعمل (السنة العملية)، كفيل ببيان أحكام الله، فقبلوا من الأحاديث المروية مع اتفق مع الطريقة/ السنة العملية، ونظروا إلى غيرها مما صدر عن الرسول باعتباره اجتهاد بمقتضى إمامته للمسلمين، يُقدر مصلحتهم التي تُحددها الظروف، وتُمليها الأحوال، وليستْ من قبيل التشريع العام الملزم في جميع الأزمنة، والحوادث، والأشخاص.
ويستدلون على هذا بمثل قوله تعالى: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ”( )، وقوله تعالى: “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ”( ) وقوله عز وجل: “مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ”( )، وقوله سبحانه: “إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ”( )، وغير ذلك مما يدل دلالة واضحة على أن القرآن فيه كفاية المسلمين في دينهم وتشريعهم، ويرون أن البيان الذي كلّفه الرسول ما هو إلا التطبيق العملي لما فهمه من القرآن، وهو “السنة” بالمعنى المعروف أولا (الطريقة العملية). ويرون أن الوحي في قوله تعالى: “وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى”( ) هو القرآن الكريم، فالقوم ما كانوا يرمونه بالهوى إلا فيما كان ينطق به قرآنا لاسيما فيما جاء من إخبار بالغيب.
كما أنّهم يستدلّون بأنّ الأحاديث لو كانت تشريعا عاما كالكتاب، لأمر الرسول بتدوينها وحفظها، كما فعل ذلك في القرآن، وأنه لا يُعقل أن يكون قوله، صلى الله عليه وسلم، مصدرا لإيجاب أو تحريم إلهي لأمّة سيمتد حضورها عبر التاريخ، ثم لا يأمر -وهو الرسول المكلّف بالبلاغ والبيان- بتدوين ما به البيان والبلاغ حفظا له من الضياع والاختلاف.
بل على النقيض يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بمَنْع تدوين الحديث، ففي حديث أبي سعيد الخضري، رضي الله عنه، أنّه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لا تكتبوا عني، ومن كتب غير القرآن فليمحه، وحدّثوا عنّي ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار”( )، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّه قال: لما اشتد بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وجعه قال: “إيتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده “، قال عمر: إن النبي غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا”. ( )
كذلك استدل هؤلاء الباحثين الرافضين أن تكون الأحاديث مصدرا للتشريع بأنّ الحديث لو كان أصلا في التشريع والتحليل والتحريم، لما ترك بدون تحديد وضبط، حتى تثور حوله هذه الخلافات الشديدة، فالخلافات بين المحدثين بعضهم مع بعض، والفقهاء بعضهم مع بعض، والمحدثون مع الفقهاء، في تصحيح الحديث أو رفضه، والاعتماد عليه في الدلالة أو عدم الاعتماد كثيرة ولا تتوقف قديما وحديثا.. وقد نتج عن هذا أن رفض جماعة من العلماء كثيرا من الأحاديث المروية، لاعتبارات فقهية معتمدين في رفضهم على الرأي العقلي البحت. ( )
بهذه الأدلة ونحوها أسقط هؤلاء الباحثون الأحاديث المروية من أصول التشريع، ورأوا أنّ كل ما ورد منها قولا، أو فعلا، أو تقريرا، مما لم يتواتر عمليا، فسبيله إن صحت روايته، وثبت اتصاله، الاجتهاد الذي يتغير تبعا للمصلحة، وليس من التبليغ الدائم والشرع العام.
غير أن الشيخ شلتوت بعد أنْ عرَض رأيهم يستدرك عليهم بأنّ المحققين من العلماء، قد أثبتوا بالسنة قولا وعملا كثيرا من الأحكام التشريعية الدائمة، كما اعتمدوا عليها في بيان القرآن بتخصيص عامه، وتقييد مطلقه، وبيان مجمله، وغير ذلك، معتمدين في هذا على القرآن نفسه، إذ يقول الله تعالى: “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا”( )، ويقول عز وجل أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ”( )، ويقول سبحانه: مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا” ( )، ويقول تعالى:” فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا”( )، ويقول عز وجل: “إِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً”.( )
وقد أقرّ النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذا على اعتبار السنة مصدراً من مصادر التشريع، حينما بعثه إلى اليمن، واستقر ذلك عند الأصحاب حتى كتبها عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري في عهده إليه بالقضاء، واعتبرها مصدرا تالياً للكتاب. ( )
فرأي الشيخ أن رأي المنكرين للأحاديث كمصدر من مصادر التشريع مخالف لإجماع الذين يعتدّ بإجماعهم، وأنّ ما ذكروه شُبه لا قيمة لها أمام العمل المستمر من عهد الرسول إلى يومنا هذا، في نزوع المسلمين في تعرّف أحكامهم إلى السنة المروية. وإذا كانت السنة العملية المتواترة حجة عندهم، فسنة المسلمين العملية المتواترة في جميع الأجيال السابقة، هي استدلالهم على الأحكام بما صحّ من أحاديث الرسول أقوالا كانت أو غير أقوال.
ويُميّز الإمام محمود شلتوت بين ثلاث موضوعات جاءت بها أحاديث العقائد وهي في الأحاديث تبع لما جاء في القرآن، ومسلك الحديث فيه كمسلك القرآن، فمنه المحكم البيّن، ومنه المتشابه المشكل. وما كان للعلماء من آراء في متشابه القرآن، فهو لهم في متشابه الحديث، وذلك مثل كلمات: “اليد” و”الوجه” و”استوى” المنسوبة إلى الله، في مثل قوله تعالى: “يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ”( )، وقوله عز وجل: “وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ”( )، وقوله سبحانه: “ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ”.( ) فالعلماء في مثل هذا، سواء وردَ في القرآن أم في السنة بين أن يقولوا: آمنا به على المعنى الذي يريده الله، وهو مذهب (التفويض)، ولا يكلفون أنفسهم البحث عنه، ولا يتحملون تبعة تحديد معنى خاص لها، وبين أن يقتحموا هذه الألفاظ ويفسروها بمعان تتفق مع التنزيه لله سبحانه عن مشابهة الحوادث، كتفسير اليد بالقدرة، والوجه بالذات الأقدس، والاستواء بعموم السلطان والتدبير، وهو مذهب (التأويل).
وكذلك الأخلاق في الأحاديث جاءت تابعة للقرآن الكريم، وهي كثيرة في القرآن والحديث، وهي بطبيعتها أمور يتطلبها الكمال الإنساني، وتدعو إليها الفطر السليمة، فجاء في الأحاديث كثير من الحكم والآداب والنصائح، مثل ما ورد في مدح العدل، والصدق، والوفاء بالعهد، وذم ما يقابلها، وكل ما جاء منها في الأحاديث فله أصل في القرآن، والحديث فيها إما مُردّد ومذكّر، أو موضّح ومفصل.
أما القسم الثالث الذي فصّلت فيه الأحاديث فهو الأحكام العملية التي تتصل بضبط العبادات، وتنظيم المعاملات، وتمييز الحقوق، والحكم بين الناس. وقد رُوي في هذا القسم جزء كبير من الأحاديث، اتخذها العلماء المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن، فنظروا فيها، واستنبطوا منها، وبينوا بها دلالات القرآن فيما عرض له من أحكام. والأحكام التي تستفاد من هذا القسم هي التي نسميها: “فقه السنة”. وأحاديثها تعرف بأحاديث الأحكام، كما أن أحكام العبادات والمعاملات التي نستنبط منها هي التي نطلق عليها: “فقه القرآن”، وآياتها تعرف بآيات الأحكام.
وعليه يكون المراد من عبارة “فقه القرآن والسنة”: الأحكام العملية المتعلقة بشؤون الإنسان، فردا كان أو جماعة المستفادة بطريق مباشر من القرآن والسنة بحسب الدلالات المعهودة للكلام في اللغة العربية. وإنما قلنا بطريق مباشر؛ لنخرج الأحكام المستفادة بطريق القياس، أو تقدير المصلحة، فإنّها لا تندرج تحت هذا العنوان.
ومما ينبغي ملاحظته في هذا المقام، أن ثمّة اختلافات لابد أن تقع بين العلماء في أحاديث الأحكام، فما من آية حصل من دلالتها اختلاف بين العلماء، وفي موضوعها حديث أو أحاديث، إلا كانت هذه الأحاديث أيضا محل خلاف بينهم، وقلما نجد حديثا رفعت دلالته ما بين العلماء من خلاف في دلالة آية من القرآن. ولعل ذلك يرجع إلى اشتراك القرآن والسنة في الأسلوبية العربية، وهي واحدة فيهما، كما يرجع إلى أسباب أخرى تتعلق بثبوت الحديث، وعدم ثبوته، وقوته. ( )
ثم يعود الشيخ فيؤكد أن السنة ليست مساوية للقرآن، ولا ناسخة لأحكامه، وإنما تابعة له، فيقول: “مع اتفاق العلماء على أن السنة مصدر من مصادر التشريع، فقد جعلوها في المرتبة الثانية بعد القرآن، فلم يكن لها عندهم حكم مع صريحه.
ويرجع ذلك إلى فروق بينهما يُجمل أهمها فيما يأتي:
أولا: القرآن قد اتخذ له الرسول –صلى الله عليه وسلم- كتابا يكتبونه، ويرتبونه بآياته وسوره حسب ما أمر به من الله، بينما السنة لم يتخذ لها كتابا، ولم يكتب منها إلا القليل، بل ورد كما تقدم النهي عن كتابتها اكتفاء بحفظها في الصدور.
ثانيا: القرآن نقل إلينا بالتواتر حفظا وكتابة، بينما السنة قد نقلت في معظمها بطرق الآحاد، ولم يتواتر منها إلا القليل.
ثالثا: القرآن لم ينقل منه شيء بالمعنى، ومنع ذلك فيه منعا باتا، بينما السنة قد أبيح فيها ذلك، ونقل كثير منها بالمعنى، ولا يخفى تفاوت الناس في فهم المعنى وأسلوب التعبير والنقل.
رابعا: كان الأصحاب يراجعون النبي -صلى الله عليه وسلم- عند اختلافهم في حرف من القرآن، وكان يحكم بينهم فيه، إما بتعيين إحدى القراءتين أو بإجازتهما، بينما السنة لم يعهد فيها شيء من ذلك.
وقد كانت هذه الفروق بين القرآن والسنة أصلا في انحصار مصدر العقيدة في القرآن، وعدم الاعتماد في ثبوتها على السنة، وكانت في الوقت نفسه سببا في اتساع نطاق الخلاف في دائرة السنة أكثر منه في دائرة القرآن، فإن الخلاف في سنة الأحاديث تناولَها من جهة الثبوت، ومن جهة الدلالة، ومن جهة المعارض لها منها أو غيرها، بينما القرآن لم يتناوله الخلافُ إلا فيما يختصّ بجهة الدلالة أو بجهة المعارض له منه إن وُجد. ( )
يُتبع








