نقلا عن ميدل إيست مونيتور 25/9/2026
كتب منصور قيصر
لم تكن رسالة إيران في الأمم المتحدة هذا الأسبوع غامضة. فقد وقف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمام الجمعية العامة، وأكد أن بلاده لن تستسلم، وذلك بعد ساعات من ورود تقارير عن تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران بالإبادة. وغادر الوفد الأمريكي القاعة أثناء خطاب بزشكيان.
لكن جوهر الأمر جاء بعد ذلك: فقد قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، إن طهران سلّمت واشنطن خارطة طريق مكتوبة تتضمن وقفا لإطلاق النار على مراحل لمدة 60 يوما، وإعادة فتح مضيق هرمز تدريجيا، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي، ومنحت الأمريكيين مهلة تتراوح بين أربعة وخمسة أيام لقبولها.
ولهذا السبب، فإن الدبلوماسية الأكثر إثارة للاهتمام هذا الأسبوع لم تحدث داخل قاعة الجمعية العامة، بل حولها – في الاجتماعات الجانبية، والاتصالات الهاتفية، والإصرار الهادئ من جانب طهران على أن أي تطبيع للوضع في مضيق هرمز يمر عبر التزام واشنطن بـ”مذكرة إسلام آباد”، مهما كانت التصرفات الأمريكية في يوليو/تموز قد أوحت بغير ذلك.
رهان باكستان، وقد أعيد طرحه بإلحاح أكبر من المعتاد
تولت باكستان التوسط في “مذكرة إسلام آباد” الأصلية في يونيو/حزيران، ولديها سبب يفوق معظم الأطراف الأخرى للرغبة في إنهاء الإنذار الحالي من دون انهيار جديد.
لكن هذا هو أيضا حدّ قدرتها. تستطيع باكستان إبقاء قناة الاتصال مفتوحة، لكنها لا تستطيع إجبار واشنطن على الالتزام باتفاق سبق لها أن تراجعت عنه مرة من قبل، بعد أن انتهت “محادثات إسلام آباد” الأصلية في أبريل/نيسان من دون اتفاق، ثم انهار وقف إطلاق النار الذي تُوصِّلَ إليه في يونيو/حزيران نفسه بحلول 8 يوليو/تموز.
وتكمن قيمة باكستان في حقيقة أن كلا من واشنطن وطهران لا يزال مستعدا للرد على اتصالاتها، وليس في امتلاكها نفوذًا يمكنها من إجبار أي من الطرفين على اتخاذ إجراء معين.
قناة قطر، وكيف تختلف حوافز الدوحة فعليا عن إسلام آباد
تمتلك قطر عنصرا مختلفا: علاقات راسخة مع كل من واشنطن وطهران تعود إلى عقود، فضلا عن قلق خليجي من التصعيد لا تشاركه باكستان بالطريقة نفسها؛ فالدوحة تقع في مرمى أي مواجهة حول مضيق هرمز بصورة مباشرة، بينما لا تقع إسلام آباد في الوضع ذاته.
وأفادت تقارير بأن دول الخليج دفعت باتجاه استئناف التواصل بين الولايات المتحدة وإيران على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وغريزة الوساطة لدى قطر هنا لا تتعلق بحسن النية بقدر ما تتعلق بحقيقة أن اندلاع حرب مسلحة عند مدخل الخليج يهدد صادرات الطاقة القطرية بصورة مباشرة.
العامل الصيني حاضر، لكن صياغة الأمر مهمة
العامل الصيني حقيقي، لكن من المهم تحديد كيفية تحرك بكين. فلم يكن الرئيس شي جين بينج شخصيا هو من يضغط في هذا الملف، بل كان وزير الخارجية وانج يي، الذي دعا خلال لقاءاته في بكين مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، علنا، واشنطن وطهران إلى “العودة إلى مذكرة التفاهم في إسلام آباد في أقرب وقت ممكن”، محذرا من أن استمرار الصراع “ليس في المصلحة المشتركة للأطراف المعنية”.
ولم يكن توقيت هذه الدعوة مصادفة؛ فقد أطلق وانج هذه المناشدة قبيل الاجتماع المقرر بين شي وترامب في واشنطن.
ولدى بكين مصلحة مباشرة في هذه المسألة، باعتبارها واحدة من أكبر مستوردي الطاقة في العالم، وهي تستغل التمهيد لقمة ترامب مع شي للضغط من أجل إعادة إطار وقف إطلاق النار إلى طاولة المفاوضات – في تذكير بأن الدبلوماسية الصينية تجاه إيران تمر -جزئيا- عبر علاقتها بالولايات المتحدة، ولا تجري بمعزل عنها.
لماذا يمثل هذا أمرا جديدا، وليس مجرد جولة أخرى من الدبلوماسية المكوكية؟
القصة المهمة ليست أن باكستان وقطر والصين تريد جميعها إنهاء الحرب؛ فالجميع يريدون انتهاء الحرب.
القصة المهمة هي أن أيا من القوى التقليدية الكبرى القادرة على فرض نتيجة بالقوة ليس هو الذي يتولى عملية بناء الجسور فعليا في الوقت الراهن.
ويمثل ذلك تحولا حقيقيا عن الطريقة التي كانت تُدار بها أزمات الشرق الأوسط خلال معظم العقود الماضية، ويحدث هذا التحول لأن مصداقية واشنطن باعتبارها وسيطا نزيها تعرضت لضرر حقيقي عندما انهار اتفاق يونيو/حزيران خلال أسابيع من دخوله حيز التنفيذ.
إذا وافقت واشنطن، فستحصل باكستان وقطر والصين جميعا على فرصة للقول إن جهود الوساطة التي بذلتها كان لها أثر.
أما إذا لم توافق، فسوف تنقضي المهلة التي حددتها إيران، وستجد القوى المتوسطة نفسها أمام اختبار حقيقي لطرحها القائل إن الحوار أقل تكلفة من المواجهة، في مواجهة خصم أثبت بالفعل أنه مستعد لمقابلة الدبلوماسية بالتصعيد والحصار البحري عندما يفضل ذلك.
وفي كل الأحوال، فإن النتيجة لن تُحسم في إسلام آباد أو الدوحة أو بكين.
بل ستُحسم بناءً على ما إذا كانت واشنطن قد خلصت إلى أن انهيارا ثانيا سيكون أكثر كلفة من توقيع اتفاق ثانٍ.
أما القوى المتوسطة، فلا تستطيع سوى التأكد من أن الهاتف سيظل يرن عندما يحين موعد اتخاذ ذلك القرار.
رابط المقال الأصلي:








