في 28 سبتمبر/أيلول 1970، رحل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر.
رحل الرجل الذي حكم مصر قرابة ثمانية عشر عاما، ورحل معه فصل كبير من تاريخ مصر والعالم العربي. لكن المفارقة أن الرجل مات، بينما بقي اسمه حاضرا، وبقيت صوره مرفوعة، وخطبه متداولة، ومشروعه موضع نقاش، وحضوره في الوجدان العربي عصياً على الغياب.
فلماذا لم يمت جمال عبد الناصر؟
ربما لأن بعض الزعماء يعيشون بقدر ما يعيش منصبهم، فإذا غادروا السلطة غابوا معها. أما الزعيم عبد الناصر فقد ارتبط في وجدان الملايين بفكرة أكبر من شخصه: فكرة الاستقلال والكرامة والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية والتحرر من الهيمنة الأجنبية.
لم يكن مشروعه مجرد حكم مصر
جاء عبد الناصر إلى السلطة في سياق عربي وعالمي كانت فيه مصر ما تزال تحمل آثار النفوذ البريطاني، وكانت المنطقة بأسرها تعيش تحت وطأة الاستعمار والتبعية السياسية والاقتصادية.
وكان جوهر مشروعه يقوم على استعادة القرار الوطني، وبناء دولة أكثر استقلالا، وإعادة توزيع الثروة، وتوسيع قاعدة التعليم والخدمات، وبناء اقتصاد وطني قادر على الاعتماد على نفسه.
ولذلك لم يكن عبد الناصر في نظر أنصاره مجرد رئيس جمهورية؛ بل كان تعبيرا عن مرحلة أرادت فيها قطاعات واسعة من العرب أن تستعيد شعورها بأن لها حقا في تقرير مصيرها.
تأميم قناة السويس.. لحظة تحولت إلى رمز
في 26 يوليو/تموز 1956، أعلن عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس.
كان القرار صداما مباشرا مع مصالح بريطانيا وفرنسا، وتحول سريعا إلى واحدة من أشهر لحظات الصراع مع النفوذ الاستعماري في القرن العشرين.
الأهم أن القرار لم يبقَ شأنا مصريا داخليا. عبد الناصر أصبح، بعد التأميم، رمزا للقومية العربية في الشرق الأوسط، وامتد التأييد الشعبي الكبير الذي حصل عليه داخل مصر وفي أجزاء واسعة من العالم العربي. وبالنسبة إلى ملايين العرب، لم تكن قناة السويس مجرد ممر مائي. كانت المسألة أكبر: هل يستطيع بلد عربي أن يمسك بقراره وثروته ومقدراته بعيدا عن إرادة القوى الاستعمارية؟ ولهذا بقيت لحظة التأميم في الذاكرة العربية باعتبارها لحظة تحدٍّ للهيمنة الأجنبية.
العدالة الاجتماعية كانت جزءاً من المشروع
لم يكن خطاب عبد الناصر قائم على الاستقلال السياسي وحده.
كان يتحدث عن الفلاح والعامل، وعن تقليص نفوذ الإقطاع، وعن التعليم، وعن التصنيع، وعن دور الدولة في الاقتصاد والخدمات. وتبنى برامج للإصلاح الزراعي، وإصلاح العمل، وزيادة الأراضي المستصلحة، وتعزيز السيادة المصرية.
وقد ارتبط عهده بالإصلاح الزراعي، والتوسع في التعليم، وبناء القطاع العام، ومشروعات صناعية وتنموية كبيرة، وفي مقدمتها مشروع السد العالي.
قد يختلف المؤرخون والاقتصاديون في تقييم نتائج هذه السياسات وتكاليفها، وهذا أمر طبيعي في قراءة أي تجربة تاريخية، لكن لا يمكن إنكار أن العدالة الاجتماعية كانت فكرة مركزية في المشروع الناصري.
كان السؤال الذي حاول المشروع الإجابة عنه هو:
كيف نبني دولة لا تكون فيها الثروة والسلطة امتيازا محصورا في طبقة قليلة؟
وهذا السؤال، قبل الإجابات التي قدمها عبد الناصر وبعدها، ظل سؤالا عربيا مفتوحا.

فلسطين في قلب المشروع
ولم تكن فلسطين هامشا في خطاب عبد الناصر.
كانت حاضرة في سياسته وخطابه، وفي تصوراته للصراع العربي الإسرائيلي، وفي علاقاته بحركات التحرر والقوى الوطنية العربية.
وبعد نكبة 1948، ثم حرب 1956، أصبحت فلسطين جزءا أساسيا من صورته لدى قطاعات واسعة من الجماهير العربية.
ولذلك لم يرَ كثير من الفلسطينيين في عبد الناصر رئيسا مصريا فقط، بل رأوا فيه زعيما عربيا وضع فلسطين في قلب الخطاب السياسي العربي.
وهنا تحديدا يمكن فهم جانب مهم من شعبيته: فقد كان يتحدث عن فلسطين باعتبارها قضية عربية، لا مجرد ملف دبلوماسي.
عبد الناصر وفكرة الوحدة العربية
ربما كان أكثر أحلام عبد الناصر اتساعا هو حلم الوحدة العربية.
وفي عام 1958، قامت الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، في تجربة تاريخية انتهت بالانفصال عام 1961.
وقد أثبتت التجربة أن الوحدة ليست مجرد إعلان سياسي، وأن بناء كيان عربي موحد يحتاج إلى شروط سياسية واقتصادية ومؤسساتية معقدة.
لكن حتى بعد فشل التجربة، بقيت فكرة الوحدة العربية حاضرة بقوة في الوجدان الذي صنعته المرحلة الناصرية.
فقد كان عبد الناصر يتحدث إلى العرب من المحيط إلى الخليج، وكان يرى أن تجزئة العالم العربي تجعل دوله أضعف أمام القوى الخارجية.
ولذلك ارتبط اسمه بفكرة ظلت أكبر من تجربة الجمهورية العربية المتحدة نفسها: أن للعرب مصالح ومصيرا مشتركا، وأن قوتهم لا ينبغي أن تكون موزعة ومتناقضة دائما.
لم يكن تابعا للشرق أو للغرب
ومن الأخطاء الشائعة اختزال تجربة عبد الناصر في علاقته بالاتحاد السوفيتي.
صحيح أن مصر تلقت دعما وسلاحا ومساعدات من الاتحاد السوفيتي، خصوصا بعد تدهور العلاقات مع الغرب، لكن سياسة عبد الناصر قامت على محاولة الحفاظ على هامش مستقل بين المعسكرين.
وتظهر وثائق تلك المرحلة أن مفهوم عدم الانحياز كان جزءا أساسيا من رؤيته للعلاقات الدولية؛ أي عدم الارتهان لمعسكر من المعسكرين، والحفاظ على قدرة مصر على اتخاذ مواقفها وفق مصالحها.
كما ارتبط اسمه بمؤتمر باندونغ وبالحركة التي تطورت لاحقا إلى حركة عدم الانحياز، التي سعت إلى منح الدول المستقلة حديثا مساحة سياسية بعيدا عن الاصطفاف الإجباري في الحرب الباردة. وهنا أيضا تكمن إحدى نقاط جاذبيته: كان يريد لمصر أن تكون صاحبة قرار، لا ساحة نفوذ.
لماذا بقي في قلوب الجماهير؟
هنا ربما تكمن الإجابة الأهم. عبد الناصر لم يكن مجرد رجل سلطة. كان بالنسبة إلى ملايين العرب صورة لزمن شعروا فيه أن هناك من يتحدث باسم الفقراء، ويواجه الاستعمار، ويضع فلسطين في قلب الخطاب العربي، ويتحدث عن الوحدة والكرامة والاستقلال.
وحين مات في 28 سبتمبر/أيلول 1970، خرجت جنازته في مشهد جماهيري هائل، وتحولت وفاته إلى لحظة حزن عربي عابر للحدود. لم يكن الناس يودعون رئيس مصر وحده. كان كثيرون يشعرون أنهم يودعون مرحلة وأملا وحلما وزعيما لا يجود الزمان بمثله
ولهذا لم يكن السؤال بعد وفاته: من سيحكم مصر؟
بل كان سؤالاً أعمق: من سيحمل المشروع الذي مثّله عبد الناصر؟
بعد 56 عاما.. ماذا بقي؟
بعد 56 عاما، تعاقب على العالم العربي عشرات الرؤساء والملوك والقادة.
تغيرت الأنظمة، وسقطت أنظمة، وظهرت أحزاب واختفت أخرى، وتبدلت التحالفات، وتغير العالم كله. لكن اسم جمال عبد الناصر ما زال حاضرا.
يختلف الناس حوله، ويختلفون في تقييم سياساته، لكنهم لا يختلفون على أن الرجل ترك أثرا يتجاوز حدود مصر. وهذا هو الفارق بين الحاكم الذي يعيش في مؤسسات السلطة، والزعيم الذي يتحول إلى جزء من الذاكرة الشعبية.
قد تنتهي فترة الحكم. وقد يسقط المشروع السياسي أو يتراجع. وقد تكشف الأيام أخطاء صاحبه.
لكن إذا ارتبط اسم الإنسان في وجدان الناس بقيم كبرى، فقد يبقى حاضراً بعد رحيله بعقود.
مات الرجل.. وبقيت الفكرة والوفاء الحقيقي للزعيم، أن نقرأ التجربة الناصرية كلها: إنجازاتها وإخفاقاتها، انتصاراتها وهزائمها، أحلامها وحدودها. وان نحفظ واياه في الحرية والكرامة والوحدة
لكن هناك حقيقة يصعب تجاهلها:
جمال عبد الناصر لم يكن مجرد رئيس حكم مصر ثم رحل. كان جزءا من مرحلة عربية كاملة؛ مرحلة حملت أحلام الاستقلال والعدالة والوحدة والتحرر، وجعلت فلسطين قضية مركزية في الوعي العربي. ولهذا، وبعد 56 عاما من رحيله، ما زال السؤال قائما:
كيف مات جمال عبد الناصر، ولماذا لم يمت؟
الجواب ربما بسيط:
مات الرجل في 28 سبتمبر 1970.. لكن الأفكار التي ارتبط بها لم تمت. ولا زالت كلماته ترن في آذاننا: ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد. وبقي جمال عبد الناصر، قبل كل شيء، حاضرا في ذاكرة وقلوب كل الجماهير العربية التواقة للحرية والعزة والكرامة.







