رؤى

تصاعد التوتر في المنطقة.. بعد استهداف الحوثيين للمطارات والمنشآت السعودية

شهد شهر سبتمبر المنقضي تصعيدا خطيرا من جانب الحوثيين، على الساحل الغربي لليمن، مع إعلانهم السيطرة على جزيرة بريم/ميون ومواقع ساحلية قريبة من باب المندب، وطرح ذلك باعتباره تحولا استراتيجيا في ميزان الحرب.

ووفق تقارير صحفية، مثّلت المكاسب الساحلية المفاجئة لأنصار الله، تحديا مباشرا للقوات اليمنية المدعومة سعوديا، وأثارت مخاوف من استخدام الجغرافيا الساحلية لتهديد الملاحة وخطوط الإمداد.

مطلع الشهر الحالي، صرّحت القوات الحكومية اليمنية أنها شنت هجوما مضادا استعادت به مواقع قرب المضيق، فيما وردت تقارير عن تراجع الحوثيين من بعض المواقع باتجاه المرتفعات، وعن استعادة مواقع في محيط المخا.. ما اعتبره البعض تضاربا بين روايات الأطراف.

وتفسر هذه التقلبات طبيعة الجبهة اليمنية: فالمكاسب الساحلية قد تكون سريعة وذات قيمة رمزية أو لوجستية، لكن الاحتفاظ بها يحتاج إلى خطوط إمداد وقدرة على حماية القوات، في حين تمنح التضاريس الجبلية والمرتفعات، الحوثيين مزايا دفاعية؛ تجعل التقدم البري الواسع أكثر كلفة وتعقيدا. لذلك لا يكفي إعلان السيطرة على نقطة ساحلية للقول إن ميزان الحرب انقلب نهائيا.

هجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة هدفها رفع كلفة الحرب على السعودية، من خلال استهداف المدن والمطارات والمنشآت الحيوية. وقد ذكرت وكالة أسوشيتد برس اليوم أن وقوع هجمات متكررة على مطار الرياض، تسبب في مقتل ما لا يقل عن 14 شخصا وإصابة نحوا من 320 شخصا.. وفق ما أوردته الوكالة. التي أشارت أيضا إلى غارات سعودية على صنعاء أسفرت عن مقتل شخص وإصابة 12 آخرين.. وأضافت الوكالة  أن السلطات السعودية تحقق في إخفاقات محتملة في منظومة الدفاع الجوي.

ويبدو الدور الأمريكي متحفظا حيال الحليف السعودي، ليكون أقرب إلى الدعم الاستخباراتي دون الانخراط المباشر في الحرب، ويعكس ذلك رغبة واشنطن في حماية المصالح البحرية الأمريكية، دون تحمُّل كلفة حرب جديدة، قد تتسع أو تضع القوات الأمريكية في مواجهة مباشرة مع الحوثيين وإيران.

فرنسا تجاوزت الموقف الأمريكي إلى إرسال جنود ورادارات وأنظمة دفاعية لحماية منشأة ينبع النفطية، بينما يظل الموقف البريطاني مبهما، ولا توجد أي دلائل على دعم بريطاني من أي نوع للسعودية.

في السابع من أغسطس الماضي وقّعت السعودية وتركيا، اتفاق مكة للدفاع المشترك، وأعلنت إسلام آباد الجمعة الماضية دعمها للسعودية في إطار الاتفاق، لكنها شددت على أن التحالف دفاعي ولا يستهدف إرسال قوات خارج الحدود، أما تركيا فلا توجد دلائل على مشاركتها الفعلية إلى جانب المملكة، وبالنسبة للجانب الإيراني فقد أعلنت طهران اليوم عن استعدادها للمساعدة في حل النزاع السعودي– الحوثي عبر الحوار، كما ذكرت وكالة رويترز التي قالت أمس أن أسعار النفط ارتفعت على خلفية الهجمات والمخاوف المرتبطة بها؛ إذ بلغ خام برنت نحو 106.19 دولارات للبرميل، وغرب تكساس الوسيط نحو 92.96 دولارا.

بذلك تواجه المملكة العربية السعودية تحديات تتجاوز التفوق الجوي أو التقني، فهناك  التضاريس اليمنية المعقدة، والقوى المسلحة المتعددة، كذلك التباينات الواضحة في أهداف الحلفاء المحليين، وقدرة الحوثيين على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلا عن صعوبة تحويل المكاسب التكتيكية إلى سيطرة مستقرة.

وتوضح التجارب السابقة أن الضربات الجوية وحدها لا تضمن تغييرا سياسيا حاسما، وأن التقدم البري يحتاج إلى قوات متماسكة وخطوط إمداد قابلة للحماية. كما أن أي تحالف مضاد للحوثيين سيظل محدود الفاعلية إذا لم يتفق على رؤية سياسية موحدة لمستقبل اليمن، بما في ذلك العلاقة بين الشمال والجنوب وتقاسم السلطة والأمن. وقد يؤدي الخلاف داخل المعسكر نفسه إلى إضعاف الجبهة، حتى عندما تكون هناك مصلحة مشتركة في تقليص نفوذ الحوثيين.

ويطرح الوضع القائم عددا من السيناريوهات منها احتواء التصعيد باستمرار الدعم الدفاعي للسعودية، ووقف الهجمات العابرة للحدود، وفتح قناة وساطة تشمل أطرافا إقليمية.

من المحتمل أيضا أن تدخل الحرب مرحلة حرب الاستنزاف المتصاعدة لتتواصل الضربات والهجمات المتبادلة من دون قدرة أي طرف على تحقيق الحسم. وقد تتكرر الهجمات على المدن والمنشآت، فيما تبقى السيطرة على المواقع الساحلية متقلبة، وتستمر كلفة التأمين والطاقة في الارتفاع. وقد يؤدي تعرُّض منشآت استراتيجية سعودية لهجمات أشد إلى زيادة المساندة الدفاعية من شركاء السعودية، أو إلى توسيع نطاق الردود العسكرية. لكن الاتفاقات الدفاعية لا تعني تلقائيا مشاركة هجومية؛ ويظل أي توسع رهينا بقرارات سياسية معلنة وحسابات المخاطر. وقد يلجأ الطرفان إلى تسوية مؤقتة على ضمان حرية المرور في باب المندب، ووقف استهداف المدن والمنشآت، وتثبيت خطوط التماس، مع تأجيل القضايا السياسية اليمنية الأعمق. وقد تكون هذه التسوية أقل طموحا من اتفاق سلام شامل، لكنها تخفف خطر الانفجار الإقليمي.

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى