هل كان سلفيا أم معتزليا أم أشعريا أم مستغربا؟
لا جدال في أن تناول أفكار المنظرين البارزين عملية مشوبة بالتعقيد؛ لأنّهم باحثون مجددون لا يعرفون الجمود على رأي ولا التعصب لمدرسة، فغالبا ما تتبدل أفكارهم وتتغير مواقفهم على مرّ السنين، ومنهم الشيخ محمد عبده الذي تنقّل بين مدارس التراث، وتعرّف على ثقافات الغرب؛ فتراه في بعض القضايا يبدو أشعريا، وتارة معتزليا، وثالثة سلفيا، ورابعة متأثرا بالثقافة الغربية، على نحو يُصيب الباحث عن تصنيف للإمام بالحيرة، فالشيخ من الشخصيات العصيّة على التصنيف.
فإذا تتبعنا فكر الإمام في ضوء المنهج التاريخي الذي لا يُهدر أثر الزمن في نتاج الشخصية التي قد تُؤمن بالفكرة في مرحلة، وتُمارس نقيضها في مرحلة أخرى فسنجده تبنّى الفكرة ثمّ عدل عنها إلى نقيضها عدة مرات، فنظر إلى الدولة القومية كحاجز يُقسّم دولة الخلافة إلى أقطار، ورأى الجنسية عصبية تناقض الإسلام بقوله: “وطن المسلم من البلاد الإسلامية هو المحلّ الذي ينوي الإقامة فيه، ويتّخذ فيه طريقة كسبه وعيشه… يجري عليه عرفه، وينفّذ فيه حكمه… فهو رعية الحاكم الذي يقيم تحت ولايته… أما الجنسية فليست معروفة عند المسلمين، ولا لها أحكام تجري عليهم… وإنّما هي عند الأمم الأوربية تشبه ما كان يُسمى عند العرب عصبية… ولقد جاء الإسلام فألغى تلك العصبية، ومحا آثارها”.([1])
لكنه، لاحقا، تراجع عن تلك الأفكار، فاستساغ مبدأ المواطنة، وقبل بفكر الدولة القومية، “التي وصفها بأنها لا تفرق بين دين وآخر، وأنها سمة العصر الحديث منذ الثورة الفرنسية، وهي نزعة فكرية وعاطفية تُوجه ولاء الفرد للأمة، وقد سميت القومية نسبة إلى القوم الذين يعيش الفرد بين ظهرانيهم، ويشعر أن كيانه جزء لا يتجزأ من كيانهم، وللقومية مقوماتها الخاصة كاللغة والأرض والكيان السياسي والعادات والتقاليد أو الدين”.
كذلك مال الشيخ محمد عبده في نشأته إلى التصوف، يلبس الخشن، ويأخذ نفسه بالرياضات والتأملات، يقضي الليل قائما والنهار صائما بين التلاوة والذكر، لا يُكلّم أحدا إلا بمقدار الضرورة، ثمّ لم يلبث أن عدل عن هذا كله بعد أن اتّصل بجمال الدين الأفغاني، فاندمج في حياة أهل عصره، معنيا بإصلاح أحوالهم مخالفا الصوفية عموما في انكماشهم عن حياة الناس، وإن “ظلّ بالإمام قليلٌ من النزعة الصوفية يأخذ ببعض رياضات الصوفية في كتاب “الإحياء” بعد أن عالج الضارّ منه، فلم يأخذ منه بعض العبارات المبتدعة ولا عقيدة الجبر، ولا التأويلات الأشعرية والصوفية المغالية في الزهد، ومع هذا بقي تأثيره الوجداني فيه إلى آخر حياته، فلم يكن ممن يتكالب على الدنيا، فكان يُعجبه من الإمام أبي حامد الغزالي صاحب كتاب “الإحياء” عزوفَ نفسه في آخر حياته عن الملوك والأمراء، لهذا ذهب في تقدير كتاب الإحياء ذلك المذهب، فعندما ذهب إليه الشيخ المراغي ليودعه ليلة سفره إلى السودان، فسأله: هل معك رفقاء السفر؟… فقال: نعم، بعض كتب آنس إليها، وأستديم بها اتصالي بالعلم، فقال: أو معك كتاب الإحياء؟ … فقال: نعم، فقال: الحمد لله، هذا كتاب لا يجوز لمسلم أن يُسافر سفرا طويلا دون أن يكون رفيقه، وهو يُخالف ما سبق فيه من رأى العلماء الذين أنكروا على الغزالي اشتغاله بالتصوف، وأنكروا عليه هذا الكتاب إلى حدّ أن أمروا بحرقه في المغرب”. ([2])
ويبدو الإمام سلفيا متأثرا بمدرسة ابن تيمية في إنكاره على مشايخ الطرق الصوفية شيوع البدع والخرافات الدينية، ودعوته إلى تحرير الفكر من التقليد، وفهم الدين على طريق السلف قبل ظهور الخلاف، والرجوع إلى أصول الدين من الكتاب والسنة؛ حتى ترجع الأمور الاعتقادية والتعبدية إلى ما كانت عليه في عهد السلف بلا زيادة ولا نقصان، إلا أنه كان -في الوقت نفسه- على خصومة مع جانبٍ كبير من أفكار تلك المدرسة، في فتحه باب الاجتهاد على مصرعيه، وتفسيره للقرآن الكريم تفسيرا يلائم رُوح العصر الحديث، ويُوافق النظريات العلمية الحديثة، فأوّل النقل بما يُوافق العقل، متأثرا بالمدرسة الأشعرية التي أخذ بها في نشأته حتى أنّه كان يُقدّم العقل على النقل عند التعارض بينهما، ودان بالتأويل في العقائد على خلاف ما عليه مدرسة ابن تيمية قديما، وحديثا؛ في إنكارها التأويل، والتزامها بظواهر النصوص، ولا شكّ أن ما جرى عليه الشيخ محمد عبده في التأويل وتقديم العقل، يجعله أقرب إلى مدرسة ابن رشد، وليس إلى مدرسة ابن تيمية التي ثار أتباعها داخل الأزهر بتحريض من الخديوي عباس الثاني على إصلاحات الشيخ للأزهر حتّى اتّهموه بالزندقة.
وقد عمل في فتاويه الدينية على الملاءمة بين رُوح الإسلام ومطالب المدنية الحديثة! فأجاز ارتداء زيّ غير المسلمين، في وقت كان هناك إجماع دينيّ على عدم جواز البدلة ما أثار جدلا كبيرا.. وبعد أن انتشر البنطلون والقميص في المدينة ظلّ من مصائب الدهر أن يرتديه زائر إلى القرية المصرية على حدّ تعبير فريد أبو حديد؛ لأنّه من المنظور الريفي “ملابس قليلة الحيا تُجسم عورة الرجال”.. ثم تقبّله المجتمع في غير الصلاة ثم تقبله في الصلاة لغير الإمام ثم تقبّله لغير خطيب الجمعة ثم تقبّله في مختلف الأحوال.. فالخطاب الديني في هذه المسألة بدأ من نقطة كان يخلط فيها بين العادة اجتماعية والشعيرة الدينية الواجبة.. فالعادات والتقاليد الاجتماعية إن كانت جديرة باحترام ما تحمله من خصوصية ثقافية إلا أن المنتِج لها في النهاية المجتمع بدافع من حاجاته القابلة للتغيير.. كذلك تأثّر الشيخ محمد عبده في مقتبل حياته الفكرية بالمدرسة التقليدية المحافظة التي نشأت على تبديع الفلاسفة ومجافاة العلوم الفلسفية، ولا تزال تجافيها إلى يومنا رغم أثرها في الحضارة الحديثة، إلا أن موقفه تغيّر بعد أن أتقن اللغة الفرنسية في المنفى، وتعرّف أكثر على الثقافة الغربية، فقويت صلته بكتب الفلسفة، لما رأى من آثارها في نهضة أوربا، والتقى بعدد من كبار الفلاسفة في زمنه، فعندما أعجب بالفيلسوف الإنجليزي “هربرت سبنسر” سافر لمقابلته في بريطانيا، وترجم كتابه في التربية من الفرنسية إلى العربية، وسعى عند عودته إلى مصر إلى تدريس علوم الفلسفة في الأزهر ضمن حزمة من العلوم الحديثة إلا أنه قُوبل بالرفض الشديد.
من جانب آخر، لا يُمكننا أن نحكم على الشيخ محمد عبده بما انتهى إليه أشهر تلاميذه، فكثيرا ما يُخالف بعض أتباع نظريات معينة المنظرين الأصليين في طريقة تفسيرهم للمصطلحات والمفاهيم، فيجمد التلميذ، ولا يتطور مع تطور المواقف الفكرية للمُنظّر الأصلي، فإذا كانت كتب ومقالات ودروس الشيخ محمد عبده تُظهر تغيّرَ موقفه الفكري إزاء الكثير من المفاهيم بما يُواكب تطور أفكاره حول الخلافة والمواطنة والجنسية والفلسفة، والإصلاح الديني، وعلاقة العقل بالنقل، فإن تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا اتخذ موقفا مغايرا بتوجهه فكريا إلى صحراء نجد متأثرا بالدعوة الوهابية، وكذلك تأثّر خليفة رضا في رئاسة تحرير مجلة المنار الأستاذ حسن البنا بها، فاستعار اسم جماعته “الإخوان المسلمين” من جيش الإخوان الذي تشكّل في الرياض من قبائل البادية التي توحّدت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الدينية، وقيادة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الذي خاض معركته ضد الدولة العثمانية ذات الدعوة الدينية بأنّها دولة الخلافة الإسلامية بدعوة دينية هو الآخر أطلق عليها الدعوة الإسلامية الإصلاحية “دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب”، وهكذا تنازعت الدعوات الدينية، وتعددت، ونجحت بشعاراتها الدينية في تهميش دعوات التمدن والتحوّل، مكتفيةً من التحديث بالقشرة، فأصبحنا دولا بقشرة ضعيفة تُخفي تحتها جماعات وقبائل.
أخيرا – على حد تعبير أودن W.H.Audan- “إن كلمات الموتى تتحوّل وتتبدل عندما يجترها الأحياء”، ([3]) وتتبدل وتتغيّر أكثر عندما تتمثّل في واقع معيش فيه، فالشيخ محمد عبده لا ينطق بأفكاره اليوم بيننا، وإنّما نحن من ننطق بأفكاره، ونُعيد تقديمها، فالقراءات التي تُهمل مسار التطور الفكري الذي عاشه الإمام، فتنسبه إلى السلفية أو الأشعرية أو العصرانية أو الرّشدية، إنّما تقف عند محطة فكرية بعينها مهملة مسارا حيويا متطورا مرّ به، فمن يقرأ نتاج الإمام يجد فرقا كبيرا بين نقطتي البداية والنهاية؛ فلم ينته في مسيرة أفكاره كما بدأ؛ لأنّ بينهما عمرا طويلا من الأسئلة والأجوبة التي لن تنته حتى برحيله وسكوت قلمه؛ لأنّ أفكاره ظلّت حية تنمو وتطور في فكر تلامذته، ومنهم أحمد لطفى السيد الذي الذي كان له تلاميذ تأثروا به، من أمثال طه حسين الذي كان له تلاميذ هو الآخر تأثروا به، من أمثال الشيخ أمين الخولي الذي كان له تلاميذ هو الآخر تأثروا به، من أمثال شكري عياد، ونصر حامد، وهكذا تدور الأفكار دورة الحياة، فلا تموت لكنها تتجدد..
([1]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده المصدر السابق، ج ٢، ص ٥٠٨:٥٠٦.
(3) ينظر: أرثر أيزابرجر، النقد الثقافي تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية، ترجمة وفاء إبراهيم، رمضان بسطاويسي، ص٣٥، المجلس الأعلى للثقافة، العدد ٦٠٣، عام ٢٠٠٣م.








