رؤى

على طريق الإصلاح(3)إمام الإصلاح الشيخ محمود شلتوت(1-3)

تتحقق مصداقية الإصلاحيين متى كانوا قادرين على تجاوز الطروحات المستهلكة والإجابات الجاهزة، التي تقفز على معطيات التاريخ وتتجاهل الواقع، فالإصلاحي هو القادر على طرح الأسئلة المؤجّلة، والتفكير بصوت مقروء، يُشارك العامة والخاصة المسكوت عنه من قضايا إصلاح الفكر الديني، إيمانا منهم بحقّ الجميع في المعرفة، فلا أمل في الخروج من تلك الهوّة الحضارية والانخراط في العصر، والإصغاء إلى استفهاماته وتحدياته بوصاية نُخبوية؛ بل بمشاركة مجتمعية تستعيد الفريضة الغائبة فريضة التفكير والتساؤل حتى يكون التقييم والمراجعة والتغيير الذي تحتاجه أيّة أمة تُريد أن تصنع حضارة، وأن تعود مرة أخرى إلى التاريخ.

ومن هؤلاء الإصلاحيين الإمام الأكبر محمود شلتوت، الذي أكّد دوما أنّه باحث، وأنّ طرحه لا يعدو عن كونه رأيا واجتهادا، ومحاولة للفهم لا تزعم الوصول إلى الحقيقة، التي تظلّ نسبية، نختلف حولها اختلافا مشروعا، ونسعى لمقاربتها بالقدر الممكن علميا وإنسانيا.

ولأنّنا على حدّ تعبير علي شريعتي “لا نرى الفكرة إلا إذا كانت صادرة عن كتلة”؛ فالواقع أنّنا إذا لم نجد الكتلة صنعناها؛ فنجعل أفكار الكاتب حزمة واحدة، تميل به إلى كتلة اليمين أو اليسار، الحقّ أو الباطل، الخير أو الشر تلك الإثنوية التي تغتال الإصلاح في مهده؛ فأُدرج الشيخ شلتوت في كتلة المنحرفين عن صحيح الإسلام عند أتباع الوهابية، الذين صنّفوه ضمن طائفة “العصرانية”( ) التي يرونها تُعظّم العقل البشري على حساب النصوص الشرعية سيما السنّة، وصنّفه محمد عمارة ضمن كتلة “الإحياء والتجديد” التي ترفض الجمود والتقليد وتدعو إلى التجديد والإصلاح؛ انطلاقا من الوسطية والعقلانية المؤمنة، وصنّفه آخرون ضمن دعاة النهضة بمفهومها العام.

وخروجا على منطق الكتلة المحيط بنا؛ الذي يُمثّل الاستسلام له إحدى إشكالياتنا الثقافية، ودون الدخول في معارك التصنيف الفكري تلك التي جعلت ابن تيمية يعيش بيننا سلفيا مُحافظا زمنا، ثم يُبعث الآن من جديد وسطيا إصلاحيا، نكتفي بالإشارة إلى أنَّ الجيل الذي ينتمي إليه الشيخ؛ هو الجيل الثالث من إصلاحيي الأزهر الذين دعوا إلى ضرورة إصلاح الفكر الديني.

فكما كان رفاعة الطهطاوي (١٨٠١-١٨٧٣) والشيخ حسن العطّار (١٧٦٦-١٨٣٥) ومرتضي الزبيدي (١٧٣٢-١٧٩٠) من أهم ممثلي الجيل الأول وكان الشيخ محمد عبده (١٨٤٩-١٩٠٥) وعبد اللّه النديم (١٨٤٥ – ١٨٩٦) ومحمد رشيد رضا (١٨٦٥ – ١٩٣٥) وعبد الرحمن الكواكبي (١٨٥٤ – ١٩٠٢) وعبد العزيز جاويش (١٨٧٦ – ١٩٢٩) وعبد الحميد الزهراوي (١٨٨٥ – ١٩١٦) من أهم ممثلي الجيل الثاني، وكان الشيخ محمد مصطفى المراغي ( ١٢٩٨ – ١٣٦٤هـ / ١٨٨١ – ١٩٤٥م) والشيخ مصطفى عبد الرازق (١٣٠٢ – ١٣٦٦هـ / ١٨٨٥ – ١٩٤٦م) والشيخ عبد المجيد سليم (١٢٩٩ – ١٣٧٤هـ / ١٨٨٢ – ١٩٥٤م) والشيخ محمود شلتوت من أهم ممثلي الجيل الإصلاحي الثالث.

ارتبط الشيخ شلتوت بصداقات قوية ووشائج فكرية عميقة، بتلامذة الإمام محمد عبده، فهو أحد نبهاء مدرسة الإمام، رغم أنهما لم يلتقيا، فالتقى بمن حضروا دروسه وتتلمذوا على يديه، ورأوا عن قربٍ الجروح النفسية التي أصابته من ضراوة معارك الإصلاح، ولم يكن التلميذ أفضل حالا من أستاذه، الذي عاصر هو الآخر الركود الفكري في أبشع صوره، على حدّ تعبير شلتوت، حتى “امتنع كثير من العلماء عن إبداء رأيهم في كثير من المسائل، التي هي محلّ خلاف ضنا بسمعتهم الدينية، فوقف العلم، وحُرمت العقول لذّة البحث، وحيل بين الأمة وما ينفعها في حياتها العملية والعلمية”.( )

فالأستاذ والتلميذ عاشا حقبة واحدة؛ تحدّث عنها شلتوت في الذكرى الثلاثين لرحيل عبده بقوله: “كانت بيئة الشيخ عبده هي البيئة الأزهرية التي تكوّنت في أواخر القرن الثالث عشر من الهجرة. وكان طابعها الركود الفكري، والتعصب المذهبي، والتقديس للآراء والأفهام والسمو بها عن النّقد ومحاربة كلّ رأي جديد، وقد وصل الأمر بهذه البيئة إلى أن أوجبت التقليد في دين الله، وحرّمتْ الاشتغال بالعلوم العقلية والرياضية، وقاومتْ من حاول الخروج عليها في ذلك زمانا طويلا”.( )

لم يكن الشيخ محمود شلتوت من الذين يكتفون بالتأمل الوعظي للنصوص؛ فالتحديات التي تُواجه الفكر الديني تفرض أسئلة أكثر تعقيدا من الإجابات الجاهزة التي عادة ما يُرددها الوعّاظ ولا يكتفي بها الباحثون؛ فتناول الشيخ القضايا باحثا يتخذ من آراء القدامى والمحدثين فروضا بحثية تحتاج إلى الاختبار والمناقشة، فكان السؤال البحثي عند الشيخ محمود شلتوت ثورة على الجمود والتقليد بما ينطوي عليه من فراغ فكري، فلا أمل للانعتاق من المأزق الحضاري الذي تردّينا فيه، دون تجديد وإصلاح حقيقيَّين يبدأ بمساءلة الفكر الديني على غرار أسئلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت:

ما الحدُّ الفاصِلُ ما بين العقيدة واللاعقيدة؟ هل يدخل في العقيدة كلُّ ما تحمله ظاهر الآيات أو المرويات من الحديث أو ما تقوله كتب التوحيد؟ هل العقل هو السبيل إلى ثبوت العقيدة أم الأدلة النقلية؟ وإن صحّ أن الأدلة النقلية تثبت بها العقيدة فأيّ أدلة نقلية؟ هل المسائل الخلافية التي تزدحم بها ما يُطلق عليه كتب العقيدة من كُتب المتكلمين يصلح أن نُطلق عليها مسائل في العقيدة؟ كيف نَعْرٍف أصول الدّين التي يجب الإيمانُ بها؟ هل اختلاف أهل الحديث (أهل السنة) وأهل التوحيد والعدل (المعتزلة) يستلزم أنّ أحدهما على صواب والآخر على خطأ في مسألة الخلاف؟ ما الذي خلّفه التعصب المذهبي؟ كيف خُلق الإنسان حُرّا في فعله، مختارا غير مقهور ولا مجبور؟ وكيف لا تتعارض حرية الإنسان في حياته وقدرته على الاختيار مع القضاء والقدر؟

هل يُمكن أن يتحقق الإجماع؟ ما حجم الجناية التي مارسها البعض على العقل بحرمانه من لذة البحث باسم الإجماع؟ هل العمل الذي تلقته الكافة عن الكافة مما لا شبهة في ثبوته عن صاحب الشرع المعروف بـ “المعلوم من الدين بالضرورة” هو الصورة الوحيدة التي يُمكن أن نُطلق عليها مُجمع عليه؟ إذا كان إنكار المعلوم من الدين بالضرورة مثل وجوب الصلاة وتحريم الزنا يُؤدي إلى الكفر، فهل إنكارُ كون الإجماع حجة وأصلا من أصول التشريع في الإسلام يُعدُّ كفرا؟ ما تفسير ظاهرة شيوع القول بالإجماع بعبارات من قبيل: “وهذا موضع إجماع العلماء” تلك الظاهرة الشائعة في كتب الكثير من الفقهاء؟ ولماذا استخدموا مثل هذا التعبير رغم استحالة تحققه؟

هل في الإسلام لأحد اختصاص بحق التفسير والفهم يتميّز به عن غيره من المسلمين؟ ما وظيفة القاضي والحاكم والمفتي في الإسلام؟ هل الفتوى ملزٍمة؟ هل يقبل الدين الإسلامي ألقابا مثل: “شيخ الإسلام”، و”الملا”؟ من أين أتي اختلاف الباحثين في الرأي التشريعي؟ وكيف لا تُوجد سبيل للاتفاق؟ وكيف نجعل هذا الاختلاف مثمرا؟ كيف عرف المسلمون الرأي والنظر في إدراك المصالح كونها مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي؟ ما أشكاله؟ وما أسباب اختلاف الصحابة في الرأي التشريعي؟ وكيف بدأ محصورا محدودا في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم اتسع نطاقه بعد عهد الخليفتين؟ إذا كان من الممكن تصوّر وقوع الإجماع في عهد الخليفتين بإقامة معظم فقهاء الصحابة معهما في مركز الخلافة؟ فهل من الممكن أن يقع الإجماع بمفهومه الأصولي بعدهما؟

لماذا لم يُفكر المسلمون الأوائل يوما في أن القرآن يُبرئ لهم مريضا، أو يرد عنهم غائلة عدوٍ، أو يكشف لهم عن مُعضلة كونية؟ كيف بدأت ظاهرة تفسير القرآن بالروايات الغريبة والإسرائيليات الموضوعة؟ كيف أصبح تطاحن المسلمين المذهبي وتعصبهم السياسي ثورة غير مُنظّمة ضد القرآن الكريم عقدت حوله غبارا كثيفا حجب عن العقول ما فيه من نور الإرشاد والهداية؟ كيف قيّد التفسير التراثي الذي دُوّن في عقود الضعف العقولَ بقيود جنت على الفكر الإسلامي؟ كيف شوّهت تلك الثورة غير المنظمة صورة الدين فحيل باسم القرآن بين المسلمين وبين الأخذ بالأسباب على حين سخر الناس السماء والأرض والجو والماء فافتقر المسلمون والنّاس من حولهم أغنياء، وضعفوا والناس من دونهم أقوياء؟ لماذا أوهم القائمون على أمر القرآن من أهل العلم الناس أن فهم القرآن بدون استعانة بكتب السابقين وآرائهم غرض بعيد لا يصل إليه إلا الأفذاذ من أهل العلم وأصحاب العقول الراجحة، وأن من يطمع في ذلك أو تُحدّثه به نفسه من غير أن يستكمل شروطه، فقد عرض نفسه لغضب الله؟! ما الصور المزرية لاستغلال القرآن الكريم؟ هل القرآن يتحدث إلى علماء الفيزياء والأحياء بأحدث النظريات العلمية؟ لماذا تراجع دور القرآن في حياة المسلمين وحُرموا الانتفاع به في الهداية والإرشاد؟! هل القرآن شفاء للأجساد أم للنفوس والمجتمعات؟

ما طابع البيئة الأزهرية في أواخر القرن الثالث عشر من الهجرة؟ ماذا فعل الشيخ محمد عبده في بيئة طابعها الركود الفكري، والتعصب المذهبي، والتقديس للآراء والأفهام والسمو بها عن النقد؟ ما منهج الشيخ محمد عبده المُخالف لمعاصريه في تفسير القرآن؟ بأي عمل استحق الإمام محمد عبده لقب مُجدّد القرن الرابع عشر من منظور الشيخ شلتوت؟

هل كلّ ما أُثِرَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شريعة من الله رب العالمين، لها صفة الدّوام والبقاء إلى يوم الدين؟ هل يُمكن أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- ممنوع من الاجتهاد؟ هل يُعقل أنْ يمنح الأنبياء حقّ الاجتهاد في بدايات التاريخ الإنساني، ويُحرم منه النبي -صلى الله عليه وسلم- في مرحلة النضج الإنساني؟ هل بعض الأحكام الصادرة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليس لها صفة التشريع فهي تصرف سياسي دنيوي (زمني) بمقتضى ولاية الأمر يجوز مخالفته؟ هل الأحكام الصادرة عن الرسول في فضّ المنازعات بين المتخاصمين لها صفة التشريع العام؟ هل ما رُوي عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما يتعلق باللباس والأزياء يدخل في باب التشريع؟

هل عرف العرب كلمة “السّنة” قبل الإسلام؟ هل تتفق السنة في وصايا الرسول وصدر الإسلام مع السنّة في مفهوم الأصوليين أم أنّ لها دلالة أخرى مختلفة؟ هل استعمال الفقهاء لمصطلح السنة يتفق مع استعمال الأصوليين؟ ما الفروق بين القرآن والسنة وما الأثر التشريعي الناتج عن هذه الفروق؟ هل السنّة في جميع أقسامها صالحة للتشريع؟ وهل ما يصلح منه للتشريع يحمل أحكاما عامة تُلزم المسلمين في كل زمان ومكان أم يندرج بعضه في دائرة الخاص ؟ كيف أثّرت الأسلوبية العربية في اختلاف العلماء حول دلالة سنة الأحكام؟

هل مرويّات الحديث تُنشأ عقيدة؟ ما أسباب ظاهرة الإسراف في وصف الأحاديث بالتواتر رغم نُدرة المتواتر؟ هل أخبار الآحاد تُفيد اليقين؟ وهل يصحّ الاعتماد عليها في شأن المغيبات؟ هل الأحاديث الواردة في المعجزات الحسيّة وعلامات السّاعة قطعية الثبوت والدلالة فتفيد اليقين أم غير قطعية الثبوت والدلالة فمدلولها ظني يجوز الأخذ بظاهره، ويجوز عدم الأخذ بظاهره وتأويله؟

هل ما يتداوله العلماء حول علامات الساعة يدخل في دائرة الظنيّات أم من اليقينيات التي هي في صلب العقيدة؟ هل نزول عيسى -عليه السلام- في آخر الزمان ثابت بالإجماع قديما وحديثا؟ ما طبيعة التوفّي والرفع في حق عيسى -عليه السلام-؟ كيف عرض القرآن الكريم لنهاية عيسى -عليه السلام- مع قومه؟

كيف أسس عمر فقه المصلحة؟ كيف تعلم عمر أن القرآن يعلل الأحكام بالمصالح، ويربط بينهما وجودا وعدما، وبقاء وانتهاء، وأدرك ذلك في جميع تصرفات الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟ إذا كان مبدأ المصلحة قد عمل به عمر، ونزل به الكتاب، وأيّده الرسول-صلى الله عليه وسلم- ورضي به الأصحاب، فلماذا لم يجعله العلماء مبدأهم، ويبنون عليه فقههم؟ أليس ذلك أجمع لكلمة المسلمين، وأنفى لهذا التفرق المذهبي الذي جعلنا شيعا وأحزابا؟ كيف تُشارك الأمة النبي -صلى الله عليه وسلم- في جانب من الرسالة وهو جانب الفهم والبيان، والدعوة والإرشاد؟ كيف كان فقه عمر أبعد ما يكون عن هذا النوع الذي أودعه الناس بطون الكتب، ولا من هذا النوع الذي تجلت فيه روح العصبية الحادة، ولوثته الاتجاهات الطائفية، والنزعات المذهبية؟ كيف كان فقه عمر أبعد ما يكون عن هذا الأنواع التي يُقال لها فقه، وهي أبعد ما تكون عن الفقه والفهم؟ كيف كان فقه عمر أبعد ما يكون عن هذا النوع الذي جافى الحياة الواقعية في كثير من صوره ومسائله، أو ذاك النوع الغامض الذي التوت مسالكه، وتعقَّدت أساليبه؟

هل دم المرأة مثل دم الرجل؟ هل يستويان في القصاص أم أن الرجل لا يُقتل بالمرأة، وأنها لا تعدو عن كونها نصف الرجل؟ كيف أن المرأة تعدل الرجل في الشهادة؟ وما تأويل قوله تعالى: “فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ”؟ كيف كان تعدد الزوجات شريعة قديمة قبل الإسلام، وماذا أراد الإسلام من تعدد الزوجات؟ كيف يمنح الإسلام المرأة أهلية التصرف في سائر العقود المدنية ثم هو -في الوقت نفسه- وفي بعض المذاهب الإسلامية -بل في أكثرها- يرى حرمانها من مباشرة حق الزواج لنفسها ولغيرها؟ ويرى أن لولي أمرها الحق-إذا كانت بكرا- في أن يجبرها على التزوج بمن لا تريد، وحتى لا تستشار ولا يؤخذ رأيها فيه، وليس من ريب في أن نفسها ألصق بها من مالها؟ وكيف يكون شعورها إذا حرمت من إبداء الرأي في نفسها ومنعت من مباشرة عقد زواجها مهما أوتيت من حرية التصرف وإبداء الرأي فيما وراء نفسها؟ كيف تكلم القرآن الكريم عن المرأة؟ هل الإسلام يرى المرأة مخلوقا يُقاد بفكر الرجل ورأيه؟ هل المرأة مسئولة عن نفسها مسئولية مستقلة عن مسئولية الرجل؟ هل شرّع الإسلام الكسب للنساء كالرجال، وأنه ليس للرجل أن يسلب المرأة من العمل الذي خلقت له؟ كيف صبغ الإسلام عقد الزواج صبغة كريمة أخرجته من أن يكون عقد تمليك كعقد البيع والإجارة، أو نوعا من الاسترقاق والأسر، وسمته “ميثاقا غليظا” ولهذا التعبير قيمته في الإيحاء بمعاني الحفظ والرحمة والمودة؟ كيف أن المهر ليس ثمنا ولا في مقابلة شيء في المرأة كما يظن كثير من الناس، وإنما هو آية من آيات المحبة والتقدير؟ كيف قرّر الإسلام للمرأة حق الملكية الصحيحة الخالصة من رقابة الزوج وهيمنته، فمنحها الإسلام هذه درجة منذ أربعة عشر قرنا في حين أن النساء في أوروبا لم يتمتعن بهذا الحق إلا في القرنين الأخيرين؟ كيف أن الدرجة التي جعلها الله للرجال على النساء بعد تساويهما في الحقوق والواجبات لا تعدو أن تكون درجة الإشراف والرعاية؟

هل الدعوة الإسلامية سلمية إقناعية أم إكراهية تفُرض بالقوة؟ كيف يرى الإسلام المخالف؟ كيف أن الدعوة الإسلامية إذا لُخِصت في جملة فستكون “دعوة العالم إلى الخير”، وإذا تحددت في مبادئ فستكون: “التوحيد، والمساواة، والعدل”؟ هل خالفت دعوة الإسلام دين من الأديان قبلها؟ ما القواعد التي يُنظم بها الإسلام العلاقات الدولية عامة كانت أم خاصة؟ كيف أن العلاقة الطبيعية الأصلية بين المسلمين وغيرهم هي علاقة سلام ووئام، لا يطلب من غير المسلمين فيها إلا أن يخلّوا بين المسلم وبين ما يريد من حرية التعبد والتعريف بمبادئ دعوته؟ كيف أن الإسلام لم يُبح الحرب رغبة في فتح أو استعمار، ولم يرض عن حروب العسف والظلم والاضطهاد التي تُثيرها عوامل الطمع والاستغلال ورغبة التسلط على الضعفاء، واستنزاف الموارد؟ كيف أن الإسلام ضيق دائرة الحرب، وحصر أسبابها في دفع الظلم والعدوان وإقرار حرية التدين والدفاع عن الأوطان، فهي لا تعدو عن كونها ضرورة يضطر إليها المسلمون اضطرارا؟ كيف احترم الإسلام الإنسانية وصان حقوقها إذا اضطر المسلمون إلى خوض الحروب؟

هل حقق المسلمون غايات الرسالة من التطهير الخلقي والحرية الإنسانية والتماسك المجتمعي والعمل؟ كيف قرّر الإسلام أن للإنسان إرادة مستقلة بها تتحقق إنسانيته، وأن على الجماعة البشرية أن تمكنه من الاحتفاظ بها، فلا يقبل الإسلام من الإنسان أن يسلم عقله لعقل غيره، ولا أن يذيب إرادته في إرادة غيره؟ كيف أن أول مهمة نبوية كانت هي التطهّر من الآفات الاجتماعية التي تنزل بإنسانيته عن المستوى الذي كرمها الله به، والتي تفسد عليه وجوه الانتفاع بحريته؟ كيف أن الأخلاق الاجتماعية التي قام عليها الإسلام ألا يحقد المسلم، ولا ينافق، ولا يجبن، ولا يبخل، ولا يشي، ولا يكذب، ولا يخون، ولا يُرجف؟ كيف حثّ الإسلام على وحدة إنسانية وحدة عامة شاملة تعمل على عمارة الكون على نحو يملئوه بالأمن والاستقرار؟

بهذا الأسئلة وغيرها حاول الشيخ محمود شلتوت أن يُوقظ الفكر الإسلامي من سباته العميق، متوقفا عند المسكوت عنه من مقالات إصلاح الفكر الديني، فلازم الشيخ عبر مسيرته حالة من “التساؤل المستمرّ” و”المراجعة الدائمة” فلم يتوقّف عن تلك الآلية القادرة دائما على تصحيح الأخطاء، والتقدّم نحو مزيد من الاجتهاد. بما يجعل الإصلاح فعلا مستمرا لا يتوقف يبدأ من الحاضر والراهن، وينطلق إلى الماضي والتراث ثمّ يرتد إلى الحاضر مرة أخرى في حركة لا تهدأ ولا يقرّ لها قرار، إنها حركة الوجود والمعرفة التي تؤكد الحياة وتنفى سكون الموت.

 

 

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

أستاذ بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى